«الجنس والموت في سن المراهقة في مخيم مياسما»… احتفاء بالرعب ونقد لذكوريته


تتجاوز بعض الأفلام حدودها بوصفها أعمالاً سينمائية، لتتحول إلى ظواهر ثقافية تستدعي ما هو خارج شاشتها. وهذا حال فيلم «الجنس والموت في سن المراهقة في مخيم مياسما»، الذي يستعيد نوعاً رائجاً من أفلام الرعب في السينما والتلفزيون الأمريكيين، لا ليحتفي به فحسب، بل ليعيد النظر فيه نقدياً. وتلك هي خصوصية الفيلم: إنه يكرّم هذا الإرث السينمائي من دون أن يتغاضى عن جوانبه الإشكالية. لا يمكن لأحدنا إلا أن ينجذب إلى تلك الأفلام، المعروفة بالـ»سْلاشر»، التي يلاحق فيها أحدهم، مقنَّع، بسكين أو فأس أو رمح أو ما شابه، جماعة من الأصدقاء، عادة يكونون مراهقين. أفلام يكثر فيها الجنس وكذلك الموت، كما يوضح عنوان الفيلم.
هي نوع من أفلام التشويق والرعب، أفلام «الجمعة 13». أفلام القتل المتسلسل هذه، سهلة الحبكات، إذ تنحصر في مطاردات جسدية، ومباغتات، لا احتيالات وحبكات وألغاز كما هو حال «سايكو» (1960) لهيتشكوك. تلك الأفلام المتموقعة ما بين البوليسية والرعب، أفلام الجريمة المتسلسلة المراهقاتية، لا التحقيقاتية، كما هي أفلام ديفيد فينشر مثلاً. هي أفلام تجارية تماماً، أنجح من غيرها في شباك التذاكر، وبعضها يكون بعدة أجزاء مفسرة بذلك نجاحَها. والكثير منها يتحول إلى ظاهرة ثقافة ترفيهية، من هنا تصبح حالةً متخطية حدودها السينمائية. فنجد ألعاباً ومجسمات وملصقات وحلويات ومجلات مصوَّرة وحتى ألعاب فيديو مستمَدة من تلك الأفلام. في ما هو ضمن خطة تسويق تنوِّع في منافذ الاستهلاك لحالة شعبية يصبح الفيلم، وحسب، أحد أركانها، يصبح واحداً مثل غيره، ككيس شيبس عليه صورة من الفيلم. فيلمنا هنا، يكرّم هذا النوع من الأفلام، بدأً من مقدمته وامتداداً على طوله.

لا يمكن لفيلم «الجنس والموت في سن المراهقة في مخيم مياسما» للأمريكية جين شونبرون، الذي افتتح قسم «نظرة ما» في مهرجان كان السينمائي الأخير، والمعروض حديثاً على «موبي»، إلا أن يكون فيلماً آخر كأفلام «السلاشر» هذه، من خلال الاستعادة تلك، فهو يحكي عن مخرجة أفلام مستقلة، ذات انحيازات واعية لخيارات اجتماعية وسياسية، تخص النسوية والتنوع الجندري، وهو ما يناقض عموم تلك الأفلام، القديمة في عقليتها أصلاً، وفي إنتاجها، من ناحية النظرة النمطية لذكوريين كانوا منتجين ومخرجين لتلك الأفلام، في الربع الأخير من القرن العشرين. المخرجة الشابة تذهب (بأداء بارز من هانا أينبندر) إلى ممثلة متقدمة في السن، كانت مراهقة خلال تمثيلها في أول أجزاء السلسلة، وتعيش في المنطقة التي صوِّر فيها أول أفلام السلسلة، مخيم مياسما، هناك حيث يتجمع مراهقون في إجازة صيفية ويخرج مجهول ليقتلهم واحداً تلو الآخر، حيث الدماء تسيل على أجساد عارية لفتيات. ترغب المخرجة إذن في إعادة إنتاج الفيلم، برؤية جديدة، معاصرة، أكثر وعياً اجتماعياً، تجاه التنوع الجندري، وهنا تكون الاستعادة في جانبها النقدي، من بعد التكريمي، فتلك الأفلام القديمة تنميطية عرقياً وجندرياً، والمخرجة تحاول صناعة فيلم جديد على ذلك النمط إنما بتصحيح للخطاب باعتبارات نسوية وجندرية. تلتقي بالممثلة بعدما نسيها العالم، بسبب عمرها، وهذه إشارة أخرى إلى ذكورية تلك الأفلام، ويدور الفيلم بيوميات قليلة هناك، في مواقع التصوير الأصلية للجزء الأول من الفيلم الذي صار ظاهرة شعبية، هناك سيتداخل الخيال بالواقع، سيظهر القاتل، وستكون القصة الشعبية التي كانت فيلماً سينمائياً رائجاً، واقعاً في يوميات مخرجة شابة تحمل أفكاراً أحالتها الممثلة المعتزلة إلى الفرق في الجيل بين الاثنتين، أفكاراً عبّرت عنها الشابة، مثلاً، في الاقتباس من المفكرة النسوية جوديث بتلر. وهذا الفرق الجيلي هو الذي سيجعل للاستعادة جانبها النقدي (الفكري)، إضافة إلى التكريمي (العاطفي) الآتي من انبهار المخرجة، منذ كانت طفلة، في هذه السلسلة من الأفلام.


الفيلم آخر ثلاثية للمخرجة المعروفة بخياراتها غير التقليدية، من بعد «كلنا ذاهبون إلى المعرض العالمي» (2021) و»رأيت التلفزيون يتوهج» (2024)، ما سمّته المخرجة بثلاثية الشاشة. وتجتمع ثلاثتها في عناصر أساسية هي أبطال في سن المراهقة، والتعرض لحالات قتل تسبب الرعب، وتمحوُر حول الشاشة إن كانت تلفزيوناً أو سينما. من دون أن يربط بين الأفلام الثلاثة أي تتابع، هي ثلاثية موضوعاتية تتشارك الأجواء.
لا يمكن لأحدنا أن يمر بهذا الفيلم من دون استذكار بعض من أفضل العناوين، على قلة الجيد منها، التي يمكن تصنيفها ضمن هذا النوع من الأفلام، فإن كان الفيلم استعادة لعموم النوع، بل بمثال متخيَّل هو فيلم «مخيم مياسما»، فإنه، الفيلم الممتاز، استعاد أسلوبياً أفلاماً لها مكانة المرجعية في تاريخ السينما، الأمريكية على الأقل، منها «كاري» (1976) لبراين دو بالما، خاصة مشاهد الدماء المسكوبة على كامل الجسد، أما الأبرز حضوراً، في ما بدا نَسخاً أسلوبياً في بعض المشاهد، فكان مسلسل «توين بيكس» (1990- 1991) لديفيد لينش. كما أن أفلاماً صارت ثقافة شعبية، رغم رداءتها أو بسببها، منها سلسلة أفلام «الجمعة 13»، أول أفلامها كان عام 1980 وامتدت السلسلة إلى 2009 مع كثرة إنتاجات في الثمانينيات، كانت كذلك مرجعية هنا، وكذلك «الاحتراق» (1982)، و»مخيم صيفي» (1983)، وغيرها.

عدة طبقات يجمعها معاً هذا الفيلم الخاص شكلاً ومضموناً، فهو في حد ذاته إنتاج آخر من هذا النوع من الأفلام، لكنه بنى قصته على استعادة لها، كأنه يفعل ذلك ليصحح مسارها السياسي والاجتماعي المتراكم، جاعلاً من استحضار جوديث بتلر تصويباً لذكورية كان مسلَّماً بها في أفلام ذلك الزمان، فالقاتل في «مخيم مياسما» كان عابراً جنسياً، في إحالة إلى سببٍ جعله يجنح نحو الإجرام. والفتيات دمى جنسية شبه عارية تكون الدماء على أجسادهن بوسوم جنسية.
هذا الفيلم الممتع والذكي في الآن ذاته، التكريمي والنقدي كذلك، يستحق أن يصفّ إلى واحد من صفّين في تلك الأفلام، إلى الممتاز منها، المرجعي، باستحقاق أن يعيد أحدنا من خلاله رؤية أو مشاهدة تلك الأفلام التجارية والذكورية، تلك التي جعلت من فيلم الرعب مسألة اجتماعية رجعية ذكورية قبل أن تتحول إلى حالة شعبية استهلاكية. تلك التي تختلط فيها متعة القتل بالرغبة الجنسية، صوتٌ ذكريّ مرعب مع صرخات نسائية مدوية، وسكين صلبة بأجساد طرية. استطاع «الجنس والموت في سن المراهقة في مخيم مياسما» تكريم الذاكرة الشعبية في هذه الأفلام، وفي الوقت عينه انتقاد معياريتها الجندرية.

كاتب فلسطيني/ سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *