غزة – “القدس العربي”: شنت قوات الاحتلال هجمات جديدة وعمليات نسف لمبانٍ تقع خلف “الخط الأصفر”، في ظل استمرار خروقات اتفاق وقف إطلاق النار، ما أدى إلى وقوع إصابات. كما اعتقلت ثلاثة مواطنين خلال عودتهم إلى القطاع عبر معبر رفح البري، في وقت كشف فيه تقرير حقوقي أن المساحة السكنية والإيوائية القابلة للاستخدام في غزة لا تتجاوز 15% من إجمالي مساحة القطاع، بعدما فرضت القوات الإسرائيلية سيطرتها على معظم المناطق.
قصف وعمليات نسف
وفي مدينة غزة، نفذ الطيران الحربي غارة جوية استهدفت شقة سكنية في حي الشيخ رضوان شمالي المدينة، ما أدى إلى إصابة عدد من المواطنين بجروح متفاوتة.
وترافق ذلك مع استمرار هجمات جيش الاحتلال على المناطق الواقعة خلف “الخط الأصفر” شرق المدينة والمناطق المحيطة بها، من خلال قصف مدفعي وإطلاق نار استهدفا حيي الشجاعية والتفاح.
كما شهدت العديد من المناطق الواقعة شمال قطاع غزة إطلاق نار كثيفا، وتحديدا المناطق الواقعة شرق مخيم جباليا وشمال بلدة بيت لاهيا.
أما في وسط القطاع، فقد أبلغ سكان عن سماع دوي انفجار كبير هز المنطقة الواقعة شرق مدينة دير البلح، وتحديدا خلف “الخط الأصفر” الذي يلتهم مساحات من أراضي بلدة المصدر، ناجم عن عملية نسف كبيرة لمبانٍ في المنطقة.
أبلغ سكان عن سماع دوي انفجار كبير هز المنطقة الواقعة شرق مدينة دير البلح، وتحديدا خلف “الخط الأصفر” الذي يلتهم مساحات من أراضي بلدة المصدر، ناجم عن عملية نسف كبيرة لمبانٍ في المنطقة
وكان جيش الاحتلال قد لجأ قبل عدة أيام إلى توسيع رقعة “الخط الأصفر” في البلدة، عبر تحريكه باتجاه مناطق أخرى، ما أجبر السكان القريبين من المكان على النزوح القسري مجددا.
وبات “الخط الأصفر” يلتهم نحو 70% من أراضي قطاع غزة، إذ تمنع قوات الاحتلال السكان من الوجود داخل حدوده أو الاقتراب منه، ما يدفعهم إلى الإقامة في مناطق ضيقة تقل مساحتها عن 30% من مساحة القطاع، بسبب المخاطر الكبيرة التي تهدد حياتهم في المناطق القريبة من ذلك الخط، نتيجة تعرضها لإطلاق نار متواصل.
وفي السياق، هاجمت قوات الاحتلال أيضا مناطق تقع خلف “الخط الأصفر” شرق مدينة خان يونس، جنوبي القطاع، كما استهدفت مناطق أخرى جنوب المدينة وشمالها. وأكد مواطنون يقطنون منطقة المواصي، جنوب غربي المدينة، تعرض مناطق سكنهم لإطلاق نار من الآليات العسكرية المتمركزة على مقربة منها.
وتجدر الإشارة إلى أن قوات الاحتلال كانت تسيطر على 53% من مساحة قطاع غزة، وتضعها خلف “الخط الأصفر” مع بداية التهدئة، قبل أن توسع نطاق سيطرتها على مراحل، ما دفع أكثر من مليوني مواطن إلى السكن قسرا في مناطق ضيقة تفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسية.
وفي سياق متصل، أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” تعرض مستودع تابع للأمم المتحدة في مدينة خان يونس لأضرار جراء تطاير حطام، عقب غارة جوية إسرائيلية وقعت على مقربة منه، مؤكدا أن أيا من موظفي الأمم المتحدة لم يُصب بأذى.
وأشار المكتب إلى أن نحو 100 أسرة فلسطينية فقدت خيامها ومقتنياتها خلال الأسبوع الماضي، نتيجة غارات جوية وحرائق وحوادث أخرى، مؤكدا أن الأمم المتحدة وشركاءها سارعوا إلى تقديم الدعم لهذه الأسر من خلال آلية الاستجابة السريعة.
وطالب مكتب “أوتشا” برفع القيود المفروضة على دخول الإمدادات الإنسانية، بما في ذلك المعدات المتخصصة وزيوت المحركات وقطع الغيار وغيرها من المستلزمات، كما حث الدول الأعضاء على توفير تمويل إضافي لدعم جهود الإغاثة.
من جهته، نقل موقع الأمم المتحدة الإعلامي عن منظمة الصحة العالمية تأكيدها أن حالات العدوى التنفسية الحادة لا تزال تمثل المشكلة الصحية الأكثر شيوعا في قطاع غزة. وأوضحت المنظمة أن الاكتظاظ وتدهور البنية التحتية للمياه والصرف الصحي ونقص العلاجات الأساسية، عوامل تزيد من خطر انتشار التهاب السحايا الفيروسي في القطاع.
اعتقال مسافرين
وفي تطور آخر، أعلنت هيئة المعابر والحدود في قطاع غزة، ليل الخميس، أن قوات الاحتلال اعتقلت ثلاثة مواطنين من العائدين إلى القطاع عبر معبر رفح البري. وذكرت الهيئة أن المعتقلين هم: شكري غزال ومحمد النجار ومحمد عكيلة.
ولم تتوافر أي تفاصيل عن مصير المواطنين الثلاثة، الذين جرى اعتقالهم فور وصولهم إلى نقطة التفتيش الإسرائيلية، بعد اجتياز إجراءات السفر على المعبر.
وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت قبل عدة أيام سيدة وابنتها خلال عودتهما من مصر، حيث كانت السيدة تتلقى العلاج في أحد المستشفيات من مرض السرطان، فيما أُبلغ عن تعرض العديد من المسافرين للاستجواب من قبل ضباط أمن إسرائيليين.
وتفرض سلطات السجون قيودا مشددة على أسرى غزة، إذ تمنعهم من زيارات المحامين والأهل، وتتعمد تعذيبهم بطرق وحشية في المراكز والسجون التي يشرف عليها الجيش.
تفرض سلطات السجون قيودا مشددة على أسرى غزة، إذ تمنعهم من زيارات المحامين والأهل، وتتعمد تعذيبهم بطرق وحشية في المراكز والسجون التي يشرف عليها الجيش
يُشار إلى أن سلطات الاحتلال تفرض قيودا مشددة على حركة المرضى المسافرين من قطاع غزة، إذ تسمح لأعداد محدودة منهم يوميا بالسفر إلى الخارج، في ظل وجود 21 ألف حالة مرضية. وقد أكدت وزارة الصحة أن هذه الإجراءات تزيد من معاناة المرضى، وتؤدي إلى وفاة بعضهم خلال انتظار دورهم للسفر.
وتخالف الهجمات المستمرة التي يشنها جيش الاحتلال اتفاق وقف إطلاق النار الهش المبرم بين فصائل المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، والذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، وينص على وقف الهجمات المتبادلة. كما تواصل سلطات الاحتلال تشديد إجراءات الحصار، وتحول دون دخول الكميات اللازمة من الغذاء والدواء للسكان.
15% مساحة الإقامة
وفي السياق، أعرب مركز غزة لحقوق الإنسان عن بالغ قلقه إزاء التمدد المتواصل لـ”الخط الأصفر”، الذي تفرضه قوات الاحتلال الإسرائيلي داخل قطاع غزة، عبر نقل الكتل الإسمنتية الصفراء وتحريكها غربا باتجاه الأحياء السكنية ومناطق إيواء النازحين.
وأكد المركز أن هذه التحركات، التي تترافق مع القصف وإطلاق النار وتدمير المنازل واستهداف الخيام، تحوّل الخط الذي أُعلن عنه ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى “حد ميداني متحرك يتقدم تدريجيا نحو المناطق المأهولة، ويعيد تشكيل الجغرافيا التي يعيش عليها الفلسطينيون في القطاع”.
وأشار إلى أن ما يجري لا يقتصر على تعديل مواقع الانتشار العسكري، بل يترتب عليه تقليص المساحات المتاحة للسكان وتغيير حدود الحركة وإمكانية الوصول إلى المنازل والأراضي ومصادر الرزق، فضلا عن دفع العائلات إلى مغادرة أماكن إقامتها بصورة متكررة، من دون ضمانات بالحصول على مأوى بديل وآمن.
وأكد أن اقتران هذه التحركات بالهجمات على مواقع النزوح واستمرار القيود على إعادة الإعمار يفاقم تفكيك الحياة المدنية، ويجعل العودة إلى الاستقرار أكثر صعوبة.
وشدد مركز غزة لحقوق الإنسان على خطورة هذه الوقائع، التي قال إنها “تتصل بمسار أوسع يعيد رسم مناطق السيطرة والوصول في القطاع”، مؤكدا أن التوسع العسكري وإقامة المواقع والسواتر وتجريف المباني والأراضي تؤدي إلى زيادة عزل المناطق المتضررة وتعقيد فرص الوصول إليها وإعادة تأهيلها.
وأوضح المركز أن التقديرات المتداولة خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري تشير إلى أن المساحة التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، أو تفرض قيودا مشددة على الوصول إليها، تزيد على 70% من مساحة قطاع غزة، التي تبلغ نحو 365 كيلومترا مربعا. ولفت إلى أن المساحة المتبقية لا تعادل المساحة الصالحة للسكن والإيواء، بعد استبعاد المناطق المدمرة والركام والشوارع والأراضي الزراعية والمواقع التي تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية، ما يعني أن المساحة القابلة للاستخدام المدني الفعلي تتقلص إلى نطاق أضيق بكثير.
وقدّر المركز الحقوقي أن المساحة السكنية والإيوائية القابلة للاستخدام لا تتجاوز نحو 15% من إجمالي مساحة القطاع، منبها إلى أن هذا الواقع يعني أن السكان لا يواجهون خطر فقدان منازلهم فحسب، بل أيضا خطر فقدان المساحة التي يمكنهم الانتقال إليها أصلا. ولفت إلى أن العائلات التي تغادر المناطق القريبة من “الخط الأصفر” تجد نفسها أمام مناطق مكتظة تعاني نقصا في الخيام والمأوى والخدمات.
وأوضح أن التوسع في مناطق السيطرة الإسرائيلية يحرم السكان من الوصول إلى أراضيهم الزراعية وممتلكاتهم ومصادر رزقهم، ويعيق تنقلهم بين المناطق والوصول إلى الخدمات الأساسية. وشدد المركز الحقوقي على أن هذه القيود تضاعف آثار الدمار السابق، إذ لا تستطيع العائلات ترميم منازلها أو العودة إليها بأمان، عندما تكون الطرق والمباني محاطة بمناطق خطرة أو خاضعة لقيود عسكرية متغيرة.
ودعا مركز غزة لحقوق الإنسان الدول الضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار، وفي مقدمتها الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا، إلى التحرك الفوري لوقف توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية، وإلزام القوات الإسرائيلية باحترام ترتيبات الاتفاق، ومنع فرض وقائع ميدانية جديدة على حساب حقوق السكان.
وطالب كذلك بضمان حماية المدنيين ومواقع إيواء النازحين من الهجمات، وتوفير مستلزمات الإيواء الطارئ والبدائل السكنية الآمنة للعائلات التي فقدت أماكن إقامتها، ورفع القيود التي تعطل إعادة الإعمار وإزالة الركام وترميم المنازل والبنية التحتية.