بيروت ـ «القدس العربي»: وسط مؤشرات لاحتمال تجدد الحرب الإقليمية بعد الانتخابات النصفية الأمريكية والحديث عن إعداد خطط لتوجيه ضربات مشتركة أمريكية – إسرائيلية ضد إيران، بقي الاهتمام في لبنان على متابعة نتائج الانتخابات الإسرائيلية في ظل مفاضلة البعض بين بنيامين نتنياهو ومنافسه غادي آيزنكوت، وما يمكن أن يؤثر مجيء أي منهما على رأس حكومة جديدة على واقع الاحتلال في جنوب لبنان والمواجهة المرشحة للاستمرار مع «حزب الله».
وإذا كانت صحيفة «الأخبار» عنونت حول الانتخابات الإسرائيلية وتراجع نتنياهو «خريف ملك إسرائيل»، انطلاقاً من اعتبار البعض أن آيزنكوت أفضل من نتنياهو وأكثر سلاسة في التعامل وأكثر استعداداً للجمع بين الضغط العسكري والتفاهمات السياسية بعدما انتقد طريقة نتنياهو بإدارة الحرب، إلا أن أوساطاً سياسية قللت من أهمية الفارق بين الرجلين اللذين قد يختلفان تكتيكياً لكنهما يتفقان استراتيجياً، ورأت أن نتنياهو في حال عودته لن يتراجع عما يتباهى به لجهة إقامة منطقة أمنية في جنوب لبنان والتهديد بتوسيع هذه المنطقة، فيما آيزنكوت ليس بأفضل وهو المعروف بتشدده وبنظريته «عقيدة الضاحية» التي تعتمد على الردع عبر استخدام القوة المفرطة والتدمير الكامل للبنية التحتية المدنية بهدف قلب موازين المعركة، وبالتالي لن يتخلى عن ربط الانسحاب الإسرائيلي بإجراءات لبنانية تتعلق بسلاح «حزب الله».
ميدانياً، استهدف الجيش الإسرائيلي بالقصف المدفعي بلدتي المنصوري ومجدل زون والأودية المجاورة وأطراف بلدة برعشيت، ووادي السلوقي، فيما سقط عدد من القذائف على الحي الشرقي لبلدة حداثا.
كذلك، سجل تحليق للطيران الحربي في اجواء الجنوب، فيما حلّقت مسيّرة إسرائيلية على علو منخفض في أجواء الضاحية الجنوبية لبيروت. وفجرًا، ألقى الجيش الإسرائيلي قنابل مضيئة فوق بلدة زوطر الشرقية.
عمار: تدخل وقح
في المواقف، رد عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» عضو لجنة الشؤون الخارجية النيابية النائب علي عمار، على تصريح المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، الذي انتقد تصريحات الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، واتهمه «بعدم الاكتراث للمبادئ أو لمستقبل بلده»، كما اتهم «حزب الله» بجر لبنان إلى حرب انتحاريتين». وقال عمار «يستمر التبجح الوقح للإدارة الأمريكية وتدخلها العلني في مختلف مفاصل الحياة في لبنان، حتى باتت هي وأدواتها في الداخل تنبري لمهاجمة كل شخصية تعبّر عن موقف أو رأي ينطلق من اعتبارات وطنية، وتُسارع إلى وصمها بتقديم المصالح الشخصية على مصلحة الوطن».
ورأى عمار في بيان «أن هذا النهج الأمريكي السافر والقائم على الوصاية والتدخل بالشؤون اللبنانية الداخلية، بلغ مستويات خطيرة وغير مسبوقة لم يعد يحتمل التجاهل أو التهوين، بدءًا من التدخل بشؤون القضاء وما تضمنه من مسّ باستقلاليته، والمواقف والبيانات المستفزة، واللقاءات التي تجريها السفارة الأمريكية في عوكر مع بعض المسؤولين الرسميين والإعلاميين، بهدف تحريض اللبنانيين بعضهم على بعض، وإثارة الفتنة بينهم، والتأثير على خيارات لبنان الداخلية، والعمل على تغيير ثوابته الوطنية خدمة للعدو الإسرائيلي».
متابعة لنتائج الانتخابات الإسرائيلية فهل تصح المفاضلة بين نتنياهو وآيزنكوت؟
وأضاف «إن هذا التدخل يشكل انتهاكًا لسيادة لبنان واعتداءً على قراره الوطني الحر، وعلى أمريكا أن تكف يدها وأذنابها عن لبنان، وأن توقف تدخلها وعبثها بشؤونه الداخلية وتجاوزها للأصول والأعراف الدبلوماسية»، مشيراً إلى «ان لبنان لن يكون محمية أمريكية، واللبنانيون أدرى بمصالحهم وبكيفية إدارة شؤونهم ومعالجة مشاكلهم. كما على السلطة اللبنانية أن تخرج من عجزها ووهنها وأن تتخذ موقفًا مسؤولاووطنيًا وحازمًا يضع حدًّا لهذه التدخلات والتجاوزات المسيئة بحق لبنان وشعبه، وأن تقوم بواجباتها التي يمليها عليها الدستور في حفظ سيادتها واستقلال قرارها».
كرم يرد على فضل الله
ورد عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب فادي كرم على نائب «الحزب» حسن فضل الله حول أن قرار «حزب الله» لبناني، قائلاً «يبدو أن النائب حسن فضل الله، كسائر نواب «حزب الله»، يحاول مجدداً تضليل الرأي العام، عبر تقديم رواية تتناقض مع تاريخ حزبه ومواقف قياداته وتصريحات أمنائه العامين. إذا كان حسن فضل الله يعتبر أن «حزب الله»، في عهد نعيم قاسم، هو امتداد لـ«حزب الله» في عهد حسن نصر الله، وأن الحزب يتخذ قراراته باستقلالية، وأن مقاومته لبنانية وقرارها لبناني، وأن مصلحة لبنان تتقدم على أي اعتبار آخر، فليجب عن بعض الأسئلة البسيطة: لماذا أعلن حسن نصر الله افتخاره بأنه جندي في ولاية الفقيه، بكل ما تعنيه هذه الولاية من ارتباط عقائدي وسياسي بإيران ومشروعها الإقليمي؟ لماذا أعلن نصر الله صراحةً أن تمويل «حزب الله» وسلاحه وصواريخه وأمواله تأتي من الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ لماذا تبنى «حزب الله» شعار «وحدة الساحات»، وربط مصير لبنان بمصير غزة وطهران واليمن والعراق، يوم كان المحور الإيراني في ذروة قوته؟».
وأضاف في بيان: «لماذا فتح «حزب الله» جبهة الجنوب في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 تحت عنوان إسناد غزة، وعرّض لبنان لحرب لم يتخذ اللبنانيون ولا مؤسسات دولتهم قراراً بخوضها؟ لماذا عاد الحزب إلى التصعيد العسكري في 2 آذار/مارس 2026 تحت عنوان الثأر للخامنئي؟ إذا كانت مقاومته لبنانية وقرارها لبنانياً، فأين كانت مصلحة اللبنانيين في هذا القرار؟ ومتى كانت حياة اللبنانيين وكرامتهم وأمنهم وبقاؤهم في بلداتهم أولويةً تتقدم على حسابات المحور الإيراني؟ ثم يأتي حسن فضل الله ليتحدث عن الحرب وعن مسؤولية اندلاعها».
وتابع «هنا أيضاً، لا بد من تذكيره وتذكير اللبنانيين بالوقائع التي يحاول القفز فوقها: في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، هل كانت إسرائيل قد أطلقت صاروخاً على لبنان يستدعي فتح جبهة الجنوب في اليوم التالي؟ ومن اتخذ قرار إطلاق الصواريخ في 8 تشرين الأول/أكتوبر تحت عنوان إسناد غزة؟ أليس «حزب الله» نفسه؟ وفي 28 شباط/فبراير 2026، عندما بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، هل كان هناك ما يفرض على «حزب الله» أن يفتح الجبهة اللبنانية مجدداً؟ ومن اتخذ قرار إطلاق ستة صواريخ في اتجاه إسرائيل في 2 آذار/مارس 2026، تحت عنوان الثأر للخامنئي؟ أليس «حزب الله» نفسه؟». وأكد النائب كرم أنه «في المرتين، اتخذ «حزب الله» قرار الدخول في مواجهة عسكرية من دون موافقة اللبنانيين، وربط أمن لبنان واستقراره بحروب إيران. وهناك مسألة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بإصرار حسن فضل الله على تصوير حصرية السلاح بيد الدولة وكأنها مادة للنقاش والتفاوض والأخذ والرد»، متوجهاً إليه بالقول «سعادة النائب حسن فضل الله، أنت الذي تتغنى دائماً بالدستور وتستحضر أحكامه كلما اقتضت مصلحتك السياسية، يُفترض أن تعرف أن مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة ليس مادةً للتفاوض السياسي، ولا مسألةً قابلةً للمساومة. فاتفاق الطائف نص صراحةً على حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها إلى الدولة اللبنانية. ويتكامل هذا المبدأ مع القرارات الدولية، وصولاً إلى خطاب القسم لرئيس الجمهورية جوزف عون، والبيان الوزاري لحكومة نواف سلام، وقرارات مجلس الوزراء الأخيرة بشأن حصرية السلاح. فأي نقاش دستوري يمكن أن يُفتح حول حق الدولة الحصري في امتلاك قرار الحرب والسلم، وبسط سلطتها على كامل أراضيها؟ وأي شرعية يمكن أن تُمنح لسلاح خارج مؤسسات الدولة، بعدما التزمت السلطات الدستورية بحصره بيدها؟».
نائب «قواتي» يرد على فضل الله: إذا كانت المقاومة لبنانية فلماذا افتخر نصر الله بولاية الفقيه؟
أضاف «سعادة النائب، إن الدستور الذي تستشهد به لا يمكن أن يكون مرجعيتك عندما يخدم مواقفك، وأن يصبح مادةً للنقاش عندما يتعلق الأمر بسلاح حزبك غير الشرعي. وهذا أيضاً وجه آخر من وجوه التضليل السياسي الذي يُمارَس بحق اللبنانيين، ومحاولة جديدة للالتفاف على استحقاق قيام الدولة واستعادة سيادتها وقرارها. ولا بد من التوضيح لحسن فضل الله وأمثاله أن لا أحد يراهن على العدوان الإسرائيلي، ولا أحد يتمنى الحرب للبنان أو يريد أن يرى مجدداً مشاهد القتل والدمار والتهجير التي عاشها اللبنانيون ودفعوا أثمانها الباهظة. فهناك من يراهن على قيام الدولة اللبنانية، وعلى استعادة سيادتها وقرارها، وعلى حماية اللبنانيين من الحروب التي لم يختاروها. لكن، ما دام «حزب الله» مستمراً في ارتباطه بالسياسة الإيرانية، ويؤدي دور الذراع العسكرية التي تخدم المصالح الاستراتيجية لطهران، وما دام قرار الحرب والسلم لا يزال خارج مؤسسات الدولة اللبنانية، فإن خطر تكرار الحروب سيبقى قائماً، وسيبقى اللبنانيون عرضةً لدفع أثمان قرارات لا يملكون حق اتخاذها. وما دامت الدولة اللبنانية لم تحسم، على المستوى التنفيذي، مسألة سحب سلاح «حزب الله»، ولم تبادر إلى اتخاذ الإجراءات الفورية والحازمة، بكل الوسائل، لبسط سلطتها الحصرية على كامل أراضيها، فإن لبنان سيبقى مكشوفاً أمام جولات جديدة من الحروب، وسيبقى أمن اللبنانيين واستقرارهم ومستقبلهم رهينة حسابات إقليمية لا علاقة لها بمصالحهم الوطنية. من يريد فعلاً حماية لبنان من العدوان الإسرائيلي، عليه أن يبدأ بإزالة الذرائع التي تُستخدم لاستهدافه، وإنهاء وجود السلاح خارج الدولة، واستعادة القرار الوطني من أي مرجعية خارجية».
وختم «لا يمكن المطالبة بحماية لبنان من الحرب، وفي الوقت نفسه الإصرار على الاحتفاظ بسلاح غير شرعي لتنظيم محظور، وعلى قرار عسكري سبق أن أدخل لبنان في حروب مدمرة. ولا يمكن الحديث عن السيادة فيما يُترك قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة. أما الرهان الحقيقي، فهو على دولة قادرة على حماية حدودها ومواطنيها، وفرض القانون، وتنفيذ قراراتها، ومنع أي جهة من تحويل لبنان مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وإذا كان حسن فضل الله ينتقد اليوم المسار الذي سلكته السلطة اللبنانية في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، فليخبر اللبنانيين إلى أين كان سيقودهم المسار الذي اعتمده حزبه، وما الذي حققته استراتيجية الحرب المفتوحة سوى المزيد من القتل والدمار والتهجير. كان الأجدى بحسن فضل الله أن يوجّه التحية إلى السلطة اللبنانية، ويشكرها على دخولها مسار المفاوضات، ومحاولتها تخفيف الضغط الذي يطاول الجنوب وأهله، وسعيها إلى استعادة الاستقرار وإعادة النازحين إلى بلداتهم وقراهم».