لا يزال حيّ الصدريّة ينظّف نفسه من جراحات ذلك اليوم من شباط عام 2007، حيث قضى وأصيب أكثر من 435 شخصا نتيجة انفجار شاحنة يقودها انتحاري، وتحمل طنّا من المتفجرات مغطاة بثمار الرَقّي (البطيخ الأحمر). أدى الحادث إلى تدمير 30 معرضا تجاريا و40 منزلا سُوّيت جميعا بالأرض، لأن غالبيتها كانت قديمة جدا وتسكنها أفقر العوائل، بعضها لا يملك حتى أقلّ من لا شيء.
يقع الحيّ بالقرب من المركز التجاري الرئيسي للعاصمة، بل للبلاد كلها، بازار «الشورجة» الشهير، ويجاوره مرآب «النهضة» للحافلات الذاهبة والقادمة من المحافظات. هذا الموقع أعطى الحيّ صفة الشمولية في أجناس البشر الذين يزورونه أو يمرّون بالشارع الذي يخترقه.
وقع التفجير في ساعة الذروة من يوم السبت الذي وصفته الصحافة آنذاك بالأسود، وهو يمثّل أجلى تعبير عن تعاليم الدين كما يفهمه الداعشيّون: القتل الجماعي والمحو الشامل للذين لا يتفقون معهم في الإيمان والمعتقد، وإن أدى ذلك إلى فناء من يساندهم في الدين نفسه، معتمدين في تبريرهم على مقولة منسوبة إلى عمر بن الخطاب في غزوة أُحُد، حين واجه أبا سفيان ونقل له عن لسان النبي محمد: «قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار».
غير أن الركيزة الفقهية الأهم التي استندت إليها الجماعات المتطرفة لشرعنة عمليات القتل والترويع والخطف، هي ما يُدعى بـ «فتوى التترّس» لشيخ الإسلام ابن تيمية، ونصها كما وردت في مجموع الفتاوى ـ المجلد 28 ـ باب الجهاد:
«في حال لجوء جيش الكفار أو المشركين أثناء القتال إلى اتخاذ أسرى أو مسلمين (أو أطفال) كدروع بشرية («تروس») لصد هجمات المسلمين ومنعهم من الرمي، فإن من يسقط من المسلمين المتترّس بهم في هذه الحالة يُعدّ شهيداً و»يُبعث على نيّته»؛ لأنهم قتلوا من غير قصد عدواني لهم، بل ضمن مقتضيات الجهاد المشروع».
الغاية من هذا الكلام إماتة ردود الأفعال الطبيعية لدى الجمهور، ليكون القتل الجماعي أمرا مقبولا ومبرَّرا، بل مستساغا. كي يفقد الجميع الأمل، فلا حقّ لأحد في الاعتراض على مصير من اختارهم الله ليكونوا إلى جواره في جنة الخلد، وأداة أو جسرا يعبر الكافرون عليه إلى نيران الجحيم.
«بين الألم والخوف» ـ هو الشعار الذي يحمله الإسلاميون المتشددون، الغرض منه أن تعيش «الرعية» بين حدّي الألم الذي تسببه نيران جهنم، والخوف الدائم من هذا المصير، وهو إسقاط لصورة الآخرة كما رسمتها الميثولوجيا الدينية لما وراء الموت والبعث، على الحياة على الأرض. والمثير أن هذه الميثولوجيا ليست سوى رؤية أدبية أُطلق فيها العنان للخيال إلى أقصاه، ولا يمكنها احتساب حدود الواقع وأبعاده.
الحياة مكونة من مرّ وعسل، والدين حسب تعاليم ابن تيمية يلغي الغاية الأخلاقية من وراء الإيمان، ويشطب كذلك على المنطق في التفكير الإنساني، الذي هو القاسم المشترك بين أناس متنوعين في الدين والثقافة والرأي.
قبل زمن قصير من هذا اليوم، حدث تفجير انتحاري مزدوج في هذا الحيّ؛ ومعنى مزدوج أن يقوم أحدهم بتفجير نفسه بحزام ناسف، وعندما تحضر الشرطة وفرق الإسعاف إلى المكان، يقوم شخص ثانٍ بتفجير نفسه ليوقِع عددا أكبر من الضحايا، وكلّهم مدنيون، ولا توجد ساحة قتال في المكان. غير أن عدد القتلى في تفجير السبت الأسود كان هائلا، وتجاوز الرقم الذي أعلنته السلطات بكثير.
بين عامي 2000 و2020، بلغ عدد التفجيرات – حسب مرصد «إحصاء الجثث في العراق» (Iraq Body Count) – أكثر من ألف حادث، تجاوز عدد ضحاياها 12,300 قتيل، ولا يوجد إحصاء دقيق لعدد الجرحى والمعوقين. أما منفذو هذه الأعمال فهم شباب وصبيان قدموا من بلدان قريبة وبعيدة، لفّ كلّ منهم نفسه بشرنقة من كلام ابن تيمية، ومضى يدمّر ويحرق الأسواق والكنائس والمساجد بمن فيها، بحجّة الدفاع عن بيضة الإسلام، كما يقول الفقهاء، وهي في الحقيقة بيضة ديناصور قادم من عصور الظلام.
في اليوم التالي قمت بزيارة الحي، وكان يعم سكون امتص كأنما بورَق نشّاف كل ما جرى. سكون عظيم وصمت عظيم يُطبقان على الجوّ مثل اللذين يسبقان العاصفة، ويزدحمان بأشياء مجهولة. حتى فولاذ التسليح في السقوف ذاب وصار سائلا وتبخّر. ورغم الظهيرة الدافئة وضوء الشمس العمودي، كان ثمة ظلام حديدي منمّش بقطرات دم متجلّطة، وتيّار هوائيّ يلعب بشعر ملتفّ في هيئة كرات صغيرة. في عطفة زقاق كانت بعض الشموع لا تزال مشتعلة، أعطت المشهد مهابة كبيرة. ثم عثرت على فردة نعل رجاليّ وعلبة أقلام ألوان متفحّمة، وفي الجهة المقابلة من الشارع على كرة جلدية بحجم يقطينة كبيرة، ولباس داخلي لطفل في إحدى الزوايا، يقبع مثل عصفور كبير. حين غادرت كان يصلني صوت رجل يجلس في غبار الرماد، ينشج ويصيح بإيقاع رتيب «ابني ابني».
كيف حدث كل ذلك؟ إنه سؤال لا جواب له، يتركنا مذهولين أمام روح الشرّ عندما تتلبس ببني البشر. أحسب أن الفيلسوف الألماني ليسنج (1729 ـ 1781) هو الذي قال ذات مرة: «هناك أحداث لا بد أن تجعلك تفقد عقلك، وإلا فإنه ليس لديك ما تفقده».
إن كان ثمة أرقام دقيقة أو غير دقيقة للذين قضَوا وجُرحوا بسبب التفجيرات الانتحارية، فإن من فقد بعضا من نفسه وعقله من جرّاء موت الأبناء والأحفاد وباقي الأقارب والأصدقاء، فلا إحصاء يطال هؤلاء، والعلم ليس حسابا وهندسة فحسب، بل هو أيضا من صميم عمل الأدب.
إحدى الناجيات من فاجعة حيّ الصدرية عجوز اسمها «خيرية»، قضى أبناؤها الخمسة وأحفادها التسعة وعروس ابنها الأصغر. بعد أسبوع من الحادثة، وصادف أنها ليلة عاصفة وممطرة، كانت العجوز ترتجف من البرد والوحشة في مسكنها الجديد. طُرِق بابها ففتحته. دخلت أشباح أبنائها وأحفادها، ومعهم الطيور والقطط والكلاب في فجوات بيتها القديم، معهم الموسيقى والصور المعلقة على الجدران، معهم النحلة التي كانت تنام في الوردة المصنوعة من ورق مقوّى، ومعهم أيضا الحذاء ناصع البياض ذو الكعب العالي للعروس الميتة.
لا أرى ضرورة للحديث عن تفاصيل جنون العجوز وكيف صارت مشرّدة، لا تستطيع السكن بين أربعة جدران يغلق عليها باب، خشية أن يُقرع عليها في أي لحظة وتهجم عليها الأشباح.