حين تنحرف الظاهرة الفنية عن مسارها التاريخي


حين غزت الولايات المتحدة العالم بفنها في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لم تكن متواضعة بما يتسق مع نبل فكرة تغيير الحياة والعالم عن طريق الفن. كان الغرور هو الطابع المميز لذلك الغزو، الذي جرى بإشراف الشعبة الثقافية في جهاز المخابرات الأمريكية. صاحب ذلك المسعى ارتفاع جنوني في أسعار الأعمال الفنية الأمريكية، حيث صارت لوحات جاكسون بولوك ومارك روثكو وجاسبر جونز وآرشيل غوركي وروبرت راوشنبورغ ووليام دي كونغ تُباع بملايين الدولارات، على الرغم من أنهم كانوا على قيد الحياة يومها.
كان جنونا استعراضيا أمريكيا أصاب عالم الفن في العالم بعدوى لم ينج منها حتى الآن.
هناك اليوم ملايين الدولارات تُنفق من أجل إقامة أعمال فنية.. جيف كونز، ريتشارد سيرا، أنسلم كيفر، داميان هيرست وانيش كابور وسواهم من الفنانين المحظوظين على اختلاف مستوياتهم الفنية صارت معارضهم وأنصابهم تكلف مبالغ باهظة وخيالية. فهل ذلك حدث طبيعي، أم أنه حدث افتعله الرعاة من أجل تأكيد سطوتهم على الفن وإدارته، تمهيدا للوصول إلى أهداف خفية؟ لم يعد خافيا أن المتاحف إنما تُدار من خلال توجهات داعميها بالأموال، الذين يكتسبون سمعة نبيلة وهم في حقيقة ما يفعلون إنما يتهربون من الضرائب، وفي الوقت نفسه يبيض بعضهم صفحته.
ما لا يعرفه البعض أن داعمي المتاحف لا يدفعون المال من جيوبهم، بل يقتطعونه من الضرائب التي يجب أن يدفعوها من أجل أن تكون لهم حصة في الخدمات الجليلة التي تقدمها الدولة. في الاستثمار بالفن جانب خفي. غزت الولايات المتحدة العالم بما سُمي بالتعبيرية التجريدية وهو مصطلح مطاط ولين فيه قدر عال من الغموض المتعالي، وكان الاستثمار في الفن عن طريق إنقاذ المتاحف من ضائقتها المالية قد انتقل بخدمة الفن إلى مرحلة جديدة، تمثلت بالسيطرة عليه والتحكم بصناعة ممثليه أو نجومه. في فلورنسا أيام عصر النهضة كانت هناك عائلة ميدتشي هي الراعية للفنون، وفي عصرنا هناك رعاة كبار وصغار للفن. نرى اليوم أعمال بوتشيلي ومايكل أجيلو ودافنشي وروفائيل غير أننا لا نفكر بمن حُرموا من تلك الرعاية. يصح ذلك الحكم على فناني عصرنا بطريقة أكثر قسوة.

الصورة المشوهة لاحتكار الفن

على الرغم من تزايد أعداد القاعات الفنية في العالم العربي، في وقت وجهت مزادات فنية عالمية نشاطها للاستفادة من النتاج الفني العربي هناك أعداد كبيرة من الفنانين العرب لا يجدون فرصة لعرض تجاربهم الفنية أو تسويقها. في المقابل هناك فنانون تتكرر أسماؤهم بعد أن تبنت تلك القاعات تجاربهم وصارت تسوق أعمالهم بطريقة ممنهجة ودورية. ليس سيئا أن تتعاون القاعات الفنية في ما بينها عبر شراكات تتخطى الحدود السياسية. ذلك أمر مطلوب. غير أن السيئ في الأمر أن تتم تلك الشراكة على أساس تكريس عدد محدود من الفنانين وحرمان الآخرين وتغييبهم وإنكار حقهم في المشاركة. من حق أصحاب القاعات أن يبحثوا عن الأرباح. غير أنه ليس من حقهم أن يتخلوا عن القاعدة التي انطلقوا منها في عملهم وهي التي تقوم على خدمة الفن، وهي الوظيفة التي ينفتح من خلالها صاحب القاعة على المشهد الفني بكل أطيافه. ما حدث عبر السنوات الثلاثين الماضية أن هناك شبكة قد نسجت خيوطها حول تجارة الأعمال الفنية في العالم العربي تمكنت من احتواء السوق الفنية وصارت تتحكم بتوجهات مقتني الأعمال الفنية. لم تعن تلك الشبكة باكتشاف المواهب الفنية بقدر ما سعت إلى تكريس فنانين بعينهم ولا أحد سواهم. حاول بعض الفنانين اختراق حدود تلك الشبكة غير أنهم فشلوا. حتى القاعات الفنية التي تم اختيارها لتكون منصات اختبار لتلك الشبكة لم يتم انتقاؤها إلا بعد أن تعرض أصحابها لعمليات غسل دماغ، كان الهدف منها ألا يتسلل فنان غير مرغوب به إلى السوق الفنية.
ما نتج عن ذلك السلوك التجاري الذي لم يكن بريئا أنه تحول إلى وسيلة للهيمنة على الفن في العالم العربي، من خلال صيغة احتكارية. يتحدث البعض اليوم عن «الفن العراقي» وهم لا يقصدون التجارب الفنية العراقية كلها، بل تجارب محدودة بعينها. قائمة من الفنانين لا تشمل هاشم حنون وفاضل العكرفي وغسان غائب وحسن حداد وهناء مال الله ويوسف الناصر وعلاء بشير ووليد سيتي وعلي رشيد ومنير حنون ومدحت كاكي ومظهر أحمد ومحمد سامي وحيان عبد الجبار وعلي النجار وعلي عساف وفاخر محمد وعاصم الأمير وكاظم نوير والقائمة تطول. «الفن العراقي» هو وصفة علاج مختبرية لا تضم إلا أسماء محدودة، باركتها قوى الوصاية.

سوق فنية ببضاعة مستهلكة

غزا الأمريكيون العالم بعد الحرب العالمية الثانية ثقافيا، من خلال عقيدتهم التي قامت على قاعدة فن أمريكي لم يسبق لقارة أوروبا الحديثة أن انتجت مثله. ذلك غرور أنتج ظاهرة استثنائية. فهل تمكنت شبكة «الفن العربي» من اختراق حدود محليتها بفن، يمكنه أن يكون معبرا عن تجارب تمثل المشهد الفني في العالم العربي بكل تنوع أطيافه؟ ما من شيء يدل على ذلك ولا يبشر به وهو ما حاولت الإجابة عليه. لقد تم تغييب معظم التجارب الفنية العربية من أجل نوع مزاجي وغير محايد من التجارة. وهي من أغرب أنواع التجارة، ذلك لأنها كانت عمياء على الرغم من أنها وجدت أمامها الطرق سالكة بعد أن وضع أصحاب رؤوس الأموال ثرواتهم في خدمتها. ولذلك يمكن القول إن السوق الفنية (تسمية مجازية) في العالم العربي تعيش واقعا ملغزا وملتبسا وغامضا. فهي لا تحتكم إلى معايير ثابتة ذات مستوى نقدي رفيع، كما أنها لا تنطوي على أي رغبة في الانفتاح على ما لا تعرفه، فهي سوق مغلقة على بضاعتها من منطلق الثقة بأن ليس هناك ما يضاهيها جودة. والأدهى من ذلك أن القاعات الفنية لا تتنافس في ما بينها بفنانيها. كل قاعة تسعى إلى استدراج ما هو ميسر ومشاع، من غير أن يفكر أصحابها في اكتشاف تجارب فنية جديدة، أو لم يُسلط الضوء عليها وتبنيها من أجل خلق معادلات، يكون في إمكانها أن توسع من دائرة السوق الفنية.
ازداد عدد الفنانين العرب في الربع الأول من الألفية الثالثة غير أن قلة منهم تحظى بفرص العرض على مستوى، يخرجها من دائرة التداول المحلي. يتحمل أصحاب القاعات المسؤولية عن ذلك بسبب كسلهم. كسل وصل بالسوق إلى مرحلة استهلاك كل مصادر نضارتها وقوتها وإثارتها. وكما أرى فإن ذلك الكسل قد نتج عن الانصياع لإملاءات الشبكة التي تتحكم بالحركة التداولية للأعمال الفنية. تلك الشبكة التي تمارس الوصاية بناء على ما تملكه من تأثير على جمهرة المقتنين، أن يتمرد صاحب قاعة على تلك الإملاءات فذلك معناه أنه يضحي بمصالحه ويفقد أرباحه.

دعوة للاحتفاء بالمنبوذين

أسوأ ما فعله الفنان العربي وما هو مستمر فيه أن يصمت ولا يفصح عن موقفه الغاضب والمستاء من تلك الظاهرة التي أدت إلى انحراف الظاهرة الفنية عن مسارها التاريخي، بحيث صار احتكار السوق هو القاعدة التي تتهاوى أمامها كل مقولات النقاد ومحاولات الفنانين للتحرر من أساليبهم انسجاما مع تطور رؤاهم الجمالية والمؤثرات الخارجية. الصمت هنا خيانة. يخون الفنان نفسه وتجربته وتاريخه وجمهوره في الوقت نفسه. لا يريد الفنان أن يُغضب الأوصياء المسنودين بالمال فيصمت طمعا، أو أملا في انتظار التفاتة إشفاق، يعرف الكثيرون أنها لن تأتي.
يفتقر ما يجري اليوم في سوق الفن في العالم العربي إلى مبادئ الإنصاف والنزاهة، ذلك لأن كل شيء صار يتم عن طريق صفقات سرية يشرف عليها خبراء لا معرفة دقيقة لهم بتاريخ الفن في العالم العربي ولا بتحولاته عبر الخمسين سنة الماضية. كما أن تلك الصفقات تتم لإحكام الطوق الذي يكرس مبدأ الوصاية وقوة الأوصياء. لذلك ومن وجهة نظري النقدية أجد أن من واجب الفنانين العرب إخلاصا لتجاربهم ولوجودهم ولكرامتهم أن يخترعوا سوقا فنية مستقلة كما فعل الانطباعيون الفرنسيون يوم تمردوا على صالون باريس الذي شاءت إرادة زعيمه دافيد وتلميذه أنغر أن تلقي بهم في الشارع. لقد أقاموا معرض «لمرفوضات» الذي صار في ما بعد أساسا لولادة فن حديث في أوروبا.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *