نخشى صعود “الجزائر فوبيا” في فرنسا بمناسبة الانتخابات الرئاسية


الجزائر ـ “القدس العربي”: حذّر عبد الله زكري، رئيس المرصد الوطني لمكافحة الإسلاموفوبيا في فرنسا وإمام مسجد السلام، من تصاعد خطاب الكراهية الذي يستهدف المسلمين والجزائريين خاصة، معتبرا أن الهجوم المسلح العنصري الذي شهدته مدينة تراب بضواحي باريس، “لا يمكن التعامل معه باعتباره حادثا معزولا عن المناخ السياسي والاجتماعي الذي تشهده البلاد”.

وقال زكري، في تصريحات خاصة لـ”القدس العربي”، إن صوت الكراهية أصبح يطغى على صوت العقل، محذرا من أن الخطابات التي تصدر عن شخصيات سياسية من اليمين المتطرف تسهم في تأجيج العداء تجاه المسلمين وسكان الضواحي المنحدرين من أصول مهاجرة، وفي مقدمتهم أبناء الجاليات المغاربية.

وجاءت تصريحات زكري في أعقاب الهجوم المسلح الذي نفذه المشتبه به كيفن، البالغ 39 عاما، يوم الجمعة الماضي، في تراب ومدينة لا فيريير بمقاطعة إيفلين، حيث أطلق النار على أشخاص خلال تحركه بين المدينتين، ما أسفر عن مقتل بنغو بوسيو وانغي، البالغ 26 عاما، وإصابة عدد من الأشخاص، بينهم طفلة تبلغ 12 عاما.

وفتحت النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب تحقيقا في القضية بتهمتي القتل ومحاولات القتل المرتبطة بمشروع إرهابي، مع ظرف مشدد يتعلق باستهداف الضحايا بسبب انتمائهم الحقيقي أو المفترض إلى عرق أو إثنية أو أمة أو ديانة. وأشارت المعطيات الأولية للتحقيق إلى أن المشتبه به استهدف أشخاصا غير بيض، فيما أفادت تقارير إعلامية بأنه تحدث عن رغبته في الانتقام من السود والعرب على خلفية أعمال التخريب والنهب التي شهدتها مظاهرات 17 أكتوبر.

وأثار تعليق الحجز تحت النظر للمشتبه به، بعد فحص نفسي أوصى بإخضاعه للمراقبة داخل مؤسسة استشفائية، مخاوف لدى زكري من أن تتحول المسألة النفسية إلى تفسير يطغى على الدافع العنصري المحتمل للهجوم. غير أن الحجز استؤنف  أمس الاثنين، بعد فحص نفسي جديد خلص إلى أن حالته تسمح بمواصلة التحقيق، في حين يظل تحديد المسؤولية الجنائية النهائية من اختصاص القضاء.

وقال زكري وهو ناشط من أصول جزائرية يعمل منذ عقود في مواجهة الإسلاموفوبيا، إن ما يقلقه هو أن يُقدَّم المشتبه به باعتباره شخصا غير مسؤول جنائيا بسبب وضعه النفسي، مضيفا أن الحديث عن الاضطرابات النفسية يصبح، في نظره، حاضرا بقوة عندما يكون مرتكب الاعتداء من اليمين المتطرف، بينما يُنظر إلى دوافع أخرى في قضايا مختلفة من زاوية سياسية أو أيديولوجية.

وأضاف أن وجود القنب الهندي والكوكايين في دم المشتبه به، وفق ما أعلنته النيابة، لا يكفي في حد ذاته لتفسير ما حدث، مؤكدا، بحسب تقديره، أن طبيعة الأهداف التي اختارها وطريقة تحركه واستهدافه أشخاصا من السود والعرب تطرح أسئلة جدية بشأن الدافع العنصري.

وأشار زكري إلى أن المحققين عثروا على جهاز لتفخيخ شقة المشتبه به، كان من شأنه تعريض عناصر الشرطة للخطر خلال عملية التفتيش، معتبرا أن هذه المعطيات، إلى جانب طبيعة الاعتداء، تستدعي التعامل مع القضية باعتبارها فعلا إرهابيا وعنصريا ومعاديا للإسلام، وفق توصيفه.

خطاب اليمين المتطرف في دائرة الاتهام

وربط زكري بين هذا الاعتداء وما وصفه بالمناخ العام المتدهور، مستشهدا بتصريحات رئيس التجمع الوطني جوردان بارديلا والسياسي المتطرف إريك زمور بشأن مدينة تراب وسكانها.

وكان بارديلا قد وصف تراب، في أكتوبر 2021، بأنها “جمهورية إسلامية مصغرة”، داعيا إلى وضع المدينة تحت الوصاية، في سياق اتهاماته بانتشار الإسلاموية فيها. وأثار التصريح آنذاك جدلا واسعا، كما رفع رئيس البلدية علي رابح دعوى قضائية على خلفية تصريحات اعتبرها مسيئة للمدينة وسكانها. وفي فبراير 2022، أعلن بارديلا إخضاعه للتحقيق القضائي على خلفية وصفه المدينة بهذه العبارة، قبل أن يعلن لاحقا تبرئته في القضية.

أما زمور، فقد صرح في فبراير 2021 بأن تراب مدينة مسلمة تحكمها الشريعة الإسلامية، وأنها لم تعد، بحسب تعبيره، خاضعة للقانون الفرنسي. وأثارت هذه التصريحات بدورها انتقادات من سلطات المدينة، التي اعتبرت أنها تقدم صورة مشوهة عن سكانها وتغذي الوصم الجماعي.

وفي أعقاب الهجوم الأخير، عادت تصريحات بارديلا إلى الواجهة، إذ اعتبر عمدة سان دوني بالي باغاياكو أن الخطابات التي تستهدف سكان تراب قد تكون لها عواقب خطيرة، فيما انتقدت أصوات سياسية أخرى ما وصفته بتطبيع الخطاب العنصري في النقاش العام الفرنسي.

وقال زكري إن هذه المواقف تضع المسلمين في دائرة الاتهام الجماعي، وتغذي الاعتقاد بأن سكان الضواحي المنحدرين من أصول مغاربية يشكلون تهديدا للأمن والنظام العام. ورفض في هذا السياق تحميل الجاليات المغاربية مسؤولية أعمال التخريب والنهب التي رافقت المظاهرات الأخيرة، معتبرا أن هذا الاتهام يعكس، في جانب منه، تصورات مسبقة لدى أحزاب اليمين المتطرف.

وكشف زكري، ردا على سؤال بشأن الاتهامات التي توجه إلى المسلمين بالوقوف وراء أعمال الشغب، أنه استند إلى معطيات قال إنها تشير إلى تسجيل 2513 حالة توقيف تحت النظر لدى الشرطة و67 حالة إيداع الحبس، من دون وجود أسماء ذات أصول عربية ضمن الأسماء التي اطلع عليها. وأضاف أن احتمال وجود أفراد من أصول مغاربية بين الموقوفين لا يمكن استبعاده، لكنه شدد على أن تعميم الاتهام على الجاليات بأكملها لا يستند إلى أساس سليم.

وذكر أن أحزاب اليمين المتطرف، وفي مقدمتها التجمع الوطني بقيادة بارديلا ومارين لوبان، تكرر الحديث عن “جحافل” من سكان الضواحي ذوي الأصول المغاربية الذين يغزون المدن الكبرى، مضيفا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انخرط بدوره في هذا الخطاب، عندما ربط ما تشهده فرنسا بالهجرة والإسلام.

وكان ترامب قد صرح في السادس من أكتوبر بأن ما يحدث في فرنسا يعكس، بحسب قوله، هجرة جماعية خارجة عن السيطرة، وأن الأمر يتعلق بالإسلام الذي يريد السيطرة على البلاد. وقد أثارت هذه التصريحات انتقادات، في ظل غياب أدلة رسمية تربط المهاجرين جماعيا بأعمال العنف والتخريب.

اعتداءات على المسلمين وخاصة الجزائريين

وفي رده على سؤال بشأن مخاوفه من ارتفاع الإسلاموفوبيا بعد هذه التصريحات، أكد زكري أن الاعتداءات المعادية للمسلمين في تزايد مستمر، مشيرا إلى ما وصفه أيضا بتصاعد “الجزائر فوبيا”، أي العداء الموجه إلى الجزائريين.

وفي السياق ذاته، كانت المرشحة الرئاسية السابقة في فرنسا سيغولان روايال قد انتقدت قناة “سي نيوز” ذات الخط اليميني المتطرف لاستضافتها ناشط على مواقع التواصل وصفته بـ “المبلغ عن الجرائم” زعم أن جزائريين يقفون وراء أعمال الشغب والتخريب في فرنسا. وكتبت روايال على منصة “إكس” مستنكرة استضافة القناة من وصفتهم بمثيري الفوضى، معتبرة أن الهجوم العنصري في تراب ينبغي أن يدفعها إلى مراجعة خطابها الذي يغذي العداء للعرب. كما انتقدت التناقض بين تصاعد الخطاب المعادي للجزائريين وحاجة فرنسا إلى التعاون مع الجزائر في مجالي الطاقة والصناعة، محذرة من استمرار العنصرية في المشهد السياسي والإعلامي الفرنسي.

ويحذر زكري من أن اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027 قد يكون مصحوبا بتصاعد خطابات الكراهية خصوصا ضد الجزائريين. وربط ذلك باستمرار حضور تيارات مرتبطة بإرث الجزائر الفرنسية ومنظمة الجيش السري، التي عارضت استقلال الجزائر، معتبرا أن استقلال البلاد لا يزال يثير مشاعر عداء لدى بعض الأوساط.

وفي ما يتعلق بالأرقام، قال زكري إن وزارة الداخلية الفرنسية أحصت أكثر من 350 اعتداء معاديا للمسلمين خلال سنة 2025، لكنه يرى أن الأرقام الفعلية أعلى من ذلك، بسبب إحجام عدد من الضحايا عن تقديم شكاوى. وأضاف أن المرصد الوطني لمكافحة الإسلاموفوبيا يقدر ضرورة زيادة الأرقام الرسمية بنحو 30 بالمائة للحصول على صورة أقرب إلى الواقع.

وتشمل الاعتداءات، وفق زكري، كتابات عنصرية على الجدران، ومحاولات إحراق، وتهديدات وإهانات، ووضع شرائح من لحم الخنزير في صناديق البريد، فضلا عن الكراهية المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي. واستشهد بعبارات تستهدف المسلمين والمهاجرين، من قبيل “عودوا إلى بلادكم” و”الحقيبة أو التابوت”، إلى جانب عبارات تربط وجودهم في فرنسا بماضي الاستعمار واستقلال الجزائر.

ولفت إلى أن مظاهر التمييز لا تقتصر على الاعتداءات الجسدية والتهديدات، بل تشمل أيضا التمييز في التوظيف والحصول على السكن، بما يجعل الوصم، في تقديره، ظاهرة تتجاوز الخطاب السياسي إلى الحياة اليومية للجاليات.

وختم زكري تحذيراته بالتأكيد على أن استمرار خطاب الكراهية والاتهامات الجماعية قد يزيد من هشاشة التعايش داخل المجتمع الفرنسي، في وقت تتجه فيه البلاد نحو استحقاق رئاسي مهم سنة 2027، معتبرا أن التصدي للعنصرية والإسلاموفوبيا يقتضي رفض تحميل جماعات بأكملها مسؤولية أفعال أفراد، ومحاسبة مرتكبي الجرائم على أساس الأدلة والتحقيقات القضائية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *