في مايو/أيار 2014 سُئل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، عن ما يمكن أن تقدمه مصر للدفاع عن أمن دول الخليج العربي، فأجاب أن ذلك لا يستغرق سوى مسافة السكة، كما كرر هذه العبارة مرة أخرى في حفل تنصيبه رئيسا لمصر، وفُهم من هذه العبارة أن الجيش المصري لن يستلزمه لتنفيذ هذا الواجب سوى مسافة الطريق بين مصر ودول الخليج العربي.
ومُنذ أن بدأت الصواريخ والمُسيّرات الإيرانية تنهال على دول الخليج العربي، خلال الحرب الأخيرة بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، حتى عاد هذا المصطلح إلى الواجهة في النقاشات الدائرة حول التزامات مصر تجاه دول الخليج العربي، لكن النقاش في الأروقة السياسية المصرية حاول دائما لي عنق هذه العبارة، من خلال إعطائها تفسيرات مختلفة عن المفهوم العام لها، ومؤخرا صرّح وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي بالقول (سنقدم أشكالا مختلفة من التضامن والدعم للمملكة العربية السعودية، لأننا لا يمكن أن نقبل أي عدوان أو هجمات على الأراضي السعودية).
تقول القاهرة إن موقفها لم يتغير من عبارة (مسافة السكة)، وإن الذي تغير هو البيئة الإقليمية، التي بدت أكثر انفلاتا وأكثر ضغطا على المعادلات الأمنية، وأن القاهرة منذ اللحظة الأولى للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وبدء استخدام إيران الأراضي والمدن العربية في أكثر من بلد في المنطقة، كساحة للرد على الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، والقاهرة أعلنت بوضوح أنها تقف في موقف الدفاع عن الأشقاء، لكن الحقيقة تبدو غير ذلك تماما، فقد كان الموقف المصري من أكثر المواقف برودة في الرد، حتى إن صحفا خليجية كثيرة ومحللين سياسيين فيها قالوا بوضوح، إن الرد المصري لم يكن متوقعا، فقد اتسم بالحيادية تجاه الأفعال الايرانية ضد دولهم، بل إن الموقف المصري تجاه الحليف الأبرز لها وهو المملكة العربية السعودية، التي هددت أمنها الصواريخ والمُسيّرات من قبل ميليشيا الحوثي، لم يرتق إلى مستحقات الواجب المفروض عليها كدولة عربية كُبرى، وبذلك باتت القناعة راسخة بأن التصريحات المصرية لا تعدو كونها لغة دبلوماسية للاستهلاك لا أكثر، لكن السؤال الذي يجب طرحه هو، هل تمتلك مصر اليوم فعلا حرية القرار في الدخول في حالة الحرب لحماية دول الخليج العربي، كما فعلت في عام 1991 لحماية وجود واستقلال دولة الكويت؟
الموقف المصري تجاه الحليف الأبرز لها وهو المملكة العربية السعودية، التي هددت أمنها الصواريخ والمُسيّرات من قبل ميليشيا الحوثي، لم يرتق إلى مستحقات الواجب المفروض عليها كدولة عربية كُبرى
أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فما يتردد في أروقتها السياسية، في ما إذا ستطلب من مصر التدخل لدعمها في حربها ضد ميليشيا الحوثي أم لا؟ بأنها قد اعتمدت على نفسها، وكل الإمكانيات أصبحت جاهزة لإنجاح عملية فجر اليمن من كل النواحي، وإن الوضع الحالي قد اختلف كثيرا عن الوضع الذي كان قائما في عام 2015، ويعزون ذلك إلى عدة أسباب منها، أولا أن ميليشيا الحوثي تحرّكت لإسقاط الهدنة في 3 سبتمبر المنصرم، استجابة لطهران في السيطرة على باب المندب، والدليل على ذلك أن رحيم صفوي مستشار المرشد خامنئي قال، إن المعركة لم تعد في مضيق هرمز، بل أصبحت في البحر الأحمر، وستمتد إلى المحيط الهندي، ثانيا لقد بات للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، وحدة قرار سياسي واقتصادي وعسكري وأمني، بعد نجاحها في إقصاء المجلس الانتقالي، ثالثا إن السعودية أنشأت التحالف البحري متعدد الجنسيات ومصر عضو فيه، وأنشأت حلف مكة بالاشتراك مع تركيا وباكستان، بالتوازي مع المسار السياسي الذي بدء في 19 مارس، والذي يضم السعودية ومصر وباكستان وتركيا، رابعا إيران اليوم أضعف بكثير من السابق، وإن ما تجب الإشارة إليه هو أن المملكة العربية السعودية ترى أن الدور المصري مهم جدا في القطاع البحري، وأن مصر بدأت تنخرط بشكل كبير في التحالف البحري، حتى قبل تصريحات وزير خارجيتها الأخيرة، وأن القطع البحرية المصرية متطورة وتستطيع أن تلعب دورا كبيرا، أيضا يجب التذكير بأن مصر خسرت حوالي 11 مليار دولار بسبب أحداث باب المندب، بالتالي لها مصلحة ذاتية في إزالة هذا الخطر، وقد تقدم مصر كل ما تستطيع، ولكن يبدو أن دورها سيكون في القطاع البحري فقط، رغم أن العلاقة بين مصر والسعودية لها خصوصيتها الكبيرة، باعتبارهما قطبي معادلة الأمن القومي العربي، إذن باب المندب ليس قضية سعودية، كما أنها ليست قضية يمنية أيضا، باب المندب هو قضية دولية، وترى السعودية أن من واجب مصر الانخراط في حمايته، إلى جانب دول أخرى كالولايات المتحدة الأمريكية والصين، ومع ذلك فإن مصر دولة مُكبلة بالديون وبضوابط دستورية، لذلك فإن إنفاقها العسكري لا يتجاوز 5. 2 مليار دولار في العام الماضي، حسب معلومات غلوبال فاير باور، وحتى عندما انخرطت في تحالف عاصفة الحزم على اليمن قبل أكثر من 10 سنوات، لم تكن فاعلة فيه لسبب مهم وجوهري، وهو أن المنطقة لا تتحمل مزيدا من الحروب، وأن الكل يمكن أن يتورط في حرب استنزاف طويلة، أمام جماعة صغيرة في اليمن ليس لديها ما تخسره، حسب الرؤية المصرية.
يقول البعض إن الحسم في اليمن لن يتأتى إلا بتدخل بري، ويردفون هذا القول بسؤال هو، هل توافق مصر على إرسال قوات برية إلى اليمن، في ما لو طلبت المملكة العربية السعودية ذلك، استنادا إلى تصريحات وزير الخارجية المصرية الأخيرة؟ يقينا أن التحليل لا يصح في هذه الحالة لأنها مجرد فرضية، فالسعودية لم تطلب ذلك حتى الآن، والجيش اليمني هو الذي يقوم بهذه المهمة حاليا، ويقتصر الدور السعودي على المساعدة وصد الهجمات الحوثية على مرافقها المدنية، كما أن اليمنيين ليسوا بحاجة إلى قوات برية، على اعتبار أن الجيش اليمني يبلغ تعداده حوالي 400 ألف مقاتل، ودرع الوطن حوالي 65 ألف مقاتل، وألوية العمالقة حوالي 90 ألف مقاتل، وعليه فاليمنييون ليسوا بحاجة إلى قوة بشرية على الأرض في الوقت الحاضر.
يبدو أن مصر تملك مساحة مناورة أوسع من تركيا وباكستان، ولديها هامش كبير في الاحتفاظ بعلاقة جيدة مع الأطراف كافة، إن كانت يمنية أو أطراف إقليمية بما فيها إيران، وهي لا تريد التدخل بشكل مباشر في اليمن، أو في الخليج كي لا تخسر ذلك، كما تقول القاهرة إن هنالك حديثا مفتوحا بينها وبين الولايات المتحدة، كي تُرشّد واشنطن من موقفها تجاه هذا المشهد المُركّب والمُعقد، والذي له علاقة بالداخل اليمني وبالممرات الملاحية، ولا يمكن إغفال ارتباطه بإيران وبالصراع الأمريكي الإيراني.
كاتب عراقي