بين إهانات ترمب وتحركات توحيد المؤسسة العسكرية… خلاف داخل المجلس الرئاسي وأنقرة تتحدث عن اختراق قريب


طرابلس – «القدس العربي»: تداخلت التطورات السياسية والعسكرية في ليبيا خلال الأيام الأخيرة، بين أزمة أثارتها تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترمب وصف فيها ليبيا ضمن مجموعة من الدول بعبارات مسيئة، ورد رسمي من رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، وبين تحركات إقليمية ودولية متسارعة لإعادة توحيد المؤسسة العسكرية، وسط خلافات ظهرت داخل المجلس الرئاسي بشأن صلاحيات إبرام الاتفاقات العسكرية، بالتزامن مع إعلان تركيا اقتراب تحقيق تقدم في ملف توحيد المؤسسات الليبية.
وأثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خلال تجمع انتخابي في ولاية جورجيا الأمريكية، السبت، موجة استياء بعدما استخدم أوصافًا مهينة بحق ليبيا ودول أخرى، في سياق حديثه عن الهجرة إلى الولايات المتحدة، معتبرًا أنها دول تعاني من الإرهاب، ومتسائلًا عن أسباب استقبال مهاجرين منها بدلًا من دول أوروبية.
ورد الدبيبة، الأحد، مستنكرًا التصريحات الأمريكية، ومؤكدًا أن ليبيا دولة ذات سيادة لا يمكن قبول الإساءة إليها أو إلى شعبها، الذي قدم تضحيات كبيرة في مواجهة التنظيمات الإرهابية خلال السنوات الماضية.
وشدد رئيس حكومة الوحدة الوطنية على أن العلاقات الليبية الأمريكية يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل، رافضًا تحويل كرامة ليبيا وشعبها إلى مادة للسجالات والمزايدات المرتبطة بالحملات الانتخابية الأمريكية.
وتأتي هذه التصريحات في مرحلة تشهد فيها العلاقات الليبية الأمريكية تحركات دبلوماسية وسياسية متزايدة، خصوصًا مع الحديث عن مبادرة أمريكية تستهدف تقريب مواقف الأطراف المتنافسة وإيجاد تفاهمات بشأن مستقبل السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية.
وفي موازاة الجدل الذي أثارته تصريحات ترمب، برز خلاف داخل المجلس الرئاسي الليبي بشأن الترتيبات المرتبطة بتوحيد المؤسسة العسكرية، بعدما وجه رئيس المجلس، محمد المنفي، خطابًا إلى وكيل وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية عبد السلام الزوبي، ورئيس الأركان صلاح النمروش، يطالبهما فيه بعدم توقيع أي اتفاقات أو مذكرات تفاهم تتعلق بتوحيد الجيش قبل استكمال الموافقات القانونية اللازمة.
وشدد المنفي في خطابه، الصادر الجمعة، على ضرورة عرض أي ترتيبات عسكرية أو تنظيمية على وزير الدفاع، والتنسيق مع اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، وإحالتها إلى القائد الأعلى للجيش للحصول على الاعتماد المسبق، محذرًا من اتخاذ خطوات تنفيذية قد تترتب عليها التزامات مؤسسية قبل استيفاء الإجراءات المطلوبة.
غير أن الخطاب أثار اعتراض عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني، الذي أكد أن الوثيقة لم تُعرض على المجلس مجتمعًا، ولم تصدر بشأنها موافقة جماعية أو تفويض رسمي، معتبرًا أن القرارات المرتبطة بصفة القائد الأعلى للجيش يجب أن تصدر عن المجلس الرئاسي بوصفه هيئة جماعية.
ويعيد هذا الخلاف إلى الواجهة إشكالية توزيع الصلاحيات داخل المجلس الرئاسي، الذي يتولى، وفق مخرجات ملتقى الحوار السياسي لعام 2021، مهام القائد الأعلى للمؤسسة العسكرية بصورة جماعية، بما يجعل القرارات المرتبطة بهذه الصفة خاضعة للتوافق بين أعضائه.
وتزامن الجدل الداخلي مع تقارير تحدثت عن ترتيبات لعقد اجتماع في العاصمة التركية أنقرة، يجمع عبد السلام الزوبي وصدام حفتر، نجل اللواء المتقاعد خليفة حفتر ونائبه في قيادة القوات المتمركزة شرق البلاد، لبحث اتفاق يتعلق بتوحيد المؤسسة العسكرية بين الشرق والغرب.
وتشير هذه التقارير إلى أن الاجتماع المحتمل يأتي ضمن تحركات مدعومة أمريكيًا لإعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري، وسط حديث عن تصورات تتضمن استمرار الدبيبة في رئاسة الحكومة وإسناد رئاسة المجلس الرئاسي إلى صدام حفتر، دون صدور تأكيد رسمي بشأن التوصل إلى اتفاق على هذه الترتيبات.
وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر قد جمع الزوبي وصدام حفتر في لقاء بمدينة إسطنبول خلال مايو الماضي، في مؤشر على اتساع قنوات التواصل التركية مع طرفي الانقسام العسكري الليبي.
كما شاركت قوات تابعة للطرفين في مناورات عسكرية استضافتها تركيا خلال العام الجاري، في خطوات عكست سعي أنقرة إلى توسيع علاقاتها العسكرية شرق ليبيا وغربها، بعد سنوات من تمركز تعاونها العسكري بصورة أساسية مع السلطات الموجودة في طرابلس.
وفي تطور لافت، أعلن وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، الجمعة، أن الظروف باتت مهيأة لتحقيق تقدم في توحيد الفصائل العسكرية الليبية، معربًا عن أمله في الإعلان قريبًا عن تطورات إيجابية في هذا الملف.
وجاءت تصريحات فيدان عقب اجتماعات دبلوماسية استضافتها إسطنبول، بمشاركة وزراء خارجية تركيا ومصر والسعودية وباكستان، إلى جانب دول أوروبية، في وقت تتزايد فيه التحركات الإقليمية المرتبطة بإعادة ترتيب التوازنات الليبية.
وتكتسب التصريحات التركية أهمية خاصة لصدورها بعد أيام من مصادقة مجلس النواب الليبي، خلال جلسة عقدها في بنغازي، على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا في نوفمبر 2019، وهو القرار الذي حظي بترحيب من السلطات المتنافسة في ليبيا، رغم استمرار انقسام المؤسسات السياسية والعسكرية.
وأشاد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بموقف مجلس النواب، معتبرًا المصادقة خطوة مهمة لتعزيز العلاقات بين البلدين، فيما رحبت بها الأطراف الليبية المختلفة، في مشهد توافق نادر حول قضية ظلت موضع تجاذب سياسي لسنوات.
في المقابل، أثارت المصادقة اعتراضات إقليمية، خصوصًا من مصر واليونان وقبرص، التي تتمسك برفض الاتفاقية البحرية وتعتبر أنها تتعارض مع حقوقها ومصالحها في شرق البحر المتوسط.

وجدد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال لقائه نظيره التركي فيدان بإسطنبول، رفض القاهرة مذكرة التفاهم البحرية، مؤكدًا ضرورة احترام القانون الدولي للبحار ومبادئ ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة.

وأبدى فيدان تفهمه للمخاوف المصرية، مشددًا على أهمية استمرار التشاور بين البلدين بشأن التطورات الليبية.

وتكشف هذه التطورات عن مرحلة جديدة تتداخل فيها مساعي توحيد المؤسسة العسكرية مع إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، بينما تظل الخلافات الداخلية بشأن الصلاحيات والشرعية السياسية عقبة أمام تحويل التفاهمات المرتقبة إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *