لا قدرة لنا للعيش وحيدين بمعزل عن العالم


يوفال ليمور

أوقع نتنياهو على إسرائيل أول أمس ضربتين في مقابلته مع القناة 10: الأولى قاسية، والثانية قاضية.

الأولى، إعلانه أن المساعدات الأمنية الأمريكية لإسرائيل “انتهت”. يدور الحديث عن مساعدات تحصل عليها إسرائيل كجزء من اتفاق السلام مع مصر. في العقد الماضي، بلغت 38 مليار دولار (بدون الإضافات) استخدمت لشراء الوسائل القتالية المتطورة – وأساساً لسلاح الجو.

ينتهي اتفاق المساعدات الحالي في 2028. يجري في الولايات المتحدة بحث يقظ حوله، لكن لم يتخذ قرار لوقفه. فضلاً عن هذا، يدعي نتنياهو بأنه ينبغي استغلال سنتي الرئيس ترامب الأخيرتين في البيت الأبيض في صالح خطوات عسكرية ويمكنه أن يفعل هذا أيضاً بتمديد الاتفاق بشكل كامل أو جزئي. بدلاً من هذا، يختار التخلي – بناء على رأيه الشخصي فقط ودون أن يتخذ في ذلك قرار كابنت وحكومة – وحتى دون أن تستعد إسرائيل لذلك.

المساعدات الأمنية الأمريكية لا تقاس بالمال فقط (وهذا مال كبير)، فهي تتيح أولاً وقبل كل شيء قدرة وصول إلى قمة صناعة السلاح والتكنولوجيا العالمية. ويجد هذا تعبيره في الأولوية لشراء الأسلحة وبالحميمية بين الصناعات الأمنية والمؤسسة الأمنية في الدولتين. إلغاء المساعدات سيمس بكل هذا، ويجعل إسرائيل مجرد “دولة أخرى”. المرحلة التالية قد تكون مساً بتفوق إسرائيل النوعي على أعدائها وجيرانها في المجال، مما يعرض أمنها للخطر.

اقتصاد التفافي

أما الضربة الثانية، القاضية، فهي أقوال نتنياهو عن وجوب الاستعداد لـ “عقوبات بنكية” مع “اقتصاد التفافي”. معنى الأمر هو إعلان واعتراف بأن إسرائيل في طريقها لتصبح إيران أو روسيا. غير أنه بخلاف هاتين الدولتين، اللتين تحوزان مقدرات طبيعية عظيمة (ورغم ذلك يصعب عليها العيش)، لا سبيل لإسرائيل لبقائها على قيد الحياة وحدها: فهي بحاجة ماسة لاقتصاد مفتوح على العالم يعتمد على التجارة والأعمال البنكية المفتوحة دون حدود وقيود.

لن ترغب أي شركة أجنبية وأي صندوق مال المخاطرة، بل ولن تتمكن من الاستثمار في إسرائيل في ظل عقوبات دولية

لن ترغب أي شركة أجنبية وأي صندوق مال المخاطرة، بل ولن تتمكن من الاستثمار في إسرائيل في ظل عقوبات دولية. قول نتنياهو عن محافظ رقمية محرج في جهله؛ فهذا ليس متعذراً فحسب، بل غير قابل للتنفيذ أيضاً: فهل يرى أحد ما وضعاً تحول فيه سارة الأموال إلى فروعها في إسرائيل، ومنها بشكل التفافي؟ هل يرى أحد وضعاً تشتري فيه غوغل شركة تكنولوجيا إسرائيلية وتنقل المقابل بمحفظة رسمية؟ هل سيسمح أحد في العالم بمثل هذا الاتفاق؟ أي شركة ستوافق على أخذ مخاطرة على مستقبلها بسبب الاتجار مع إسرائيل؟
ونواصل: كيف ستعيش وتعمل المنظومة البنكية الإسرائيلية عندما تقطع عن المنظومات العالمية؟ فهذا ما أدى في نهاية الأمر إلى انهيار جنوب إفريقيا. المعنى هروب الرأس المال البشري والمالي وانهيار سريع للأعمال التجارية. لن تسمح الشركات الأجنبية بالتصدير إلى إسرائيل – لا السيارات، ولا منتجات الاستهلاك ولا حتى الغذاء. وسيتعين على إسرائيل توفير كل احتياجاتها بنفسها. الاقتصاد سيتدهور إلى ركود عميق، إلى تضخم مالي غير مسبوق، والاقتصاد الإسرائيلي لن يتحمل الفقر.

دون سلاح متطور

تحت هذه العقوبات، ستنقطع إسرائيل أيضاً عن قدرتها على شراء سلاح متطور في العالم، بما في ذلك في الولايات المتحدة. وسيتعين عليها أن تمول بنفسها احتياجاتها وتطورها أيضاً. ليس لإسرائيل اليوم قدرة أو معرفة ولا ميزانية، للتطوير والتزود بطائرات قتالية متطورة، ولا أيضاً بغواصات وأسلحة متطورة أيضاً. المعنى ضربة قاضية ليس فقط للاقتصاد بل للأمن أيضاً: هذا سيقرر اهتمام دول معتدلة بالتوصل مع إسرائيل إلى اتفاقات، وسيزيد الإغراء لدى أعدائها لمهاجمتها لهزيمتها.

وعليه، في أقوال نتنياهو الخطيرة أول أمس لم يعِد إسرائيل بإسبرطة بل وعدها بخطر وجودي. هذا خطير ومقلق أكثر من أي موضوع آخر طرح في الحملة، وبالذات لأن نتنياهو يرى في ذلك إمكانية واقعية. بدلاً من البحث عن طرق لوقف المسيرة، يسرعها: انظر إلى تركيبة حكومته المتطرفة، التي يعد نتنياهو بالحفاظ عليها إذا ما انتصر في الانتخابات – وصفة مؤكدة لتعظيم وتسريع العقوبات على إسرائيل.

لقد عرفت إسرائيل كيف تعيش مع وحيال العالم على مدى ثمانية عقود، وأن تناور بنجاح بين جملة تحديات وألغام. لا قدرة لها للعيش وحدها في العالم. لقد تباهى نتنياهو في أنه حتى وصل إلى رئاسة الحكومة، لم يكن في إسرائيل إلا البرتقال؛ أما الرؤية التي عرضها أول أمس فمعناها أن تعود إسرائيل تحت ظله إلى العصر الحجري.

إسرائيل اليوم 25/10/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *