باريس- “القدس العربي”: أُحيل المشتبه به في الهجوم المسلح الذي شهدته مدينتا تراب ولا فيريير بإقليم إيفلين الفرنسي إلى مؤسسة الطب النفسي التابعة لشرطة باريس، لإبقائه تحت الملاحظة وتقييم مدى قدرته الصحية على مواصلة الاستجواب، وذلك بعد رفع إجراءات الحراسة النظرية عنه بناء على طلب خبير في الطب النفسي، في قرار يثير تساؤلات بشأن مسار التحقيقات حول الدوافع المحتملة للهجوم، بما فيها فرضية وجود خلفية عنصرية أو إرهابية.
للتذكير، فإن الهجوم، الذي وقع يوم الجمعة، أسفر عن مقتل شاب أسمر البشرة، يدعى بينغو بوسيو وانغي، يبلغ من العمر 26 عاما، وإصابة أربعة أشخاص آخرين، بينهم طفلة تبلغ 12 عاما. وكان كيفين، المشتبه بتنفيذه الجريمة، البالغ 39 عاما، قد أطلق النار على أشخاص في مواقع متفرقة، قبل أن تتمكن الشرطة من توقيفه.
بحسب المعطيات التي أوردتها وسائل إعلام فرنسية نقلا عن النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب، فإن المشتبه به كان يحمل سلاحا آليا محظور الحيازة، وعثرت السلطات داخل سيارته على رشاش من طراز “ستن” وقنبلة مسيلة للدموع. كما اكتشف المحققون داخل شقته ثلاث قنينات غاز موصولة بأسلاك كهربائية وجهاز توقيت، إلى جانب نسخة من كتاب “كفاحي” لأدولف هتلر، ونسختين من الإنجيل والقرآن. وأظهرت التحاليل السمية وجود آثار للكوكايين والقنب الهندي في دمه.
ولم يكن كيفين مدرجا على قائمة المشتبه في ارتباطهم بأمن الدولة، لكنه كان معروفا لدى الشرطة والقضاء، مع تسجيل أربع إدانات سابقة بحقه في قضايا تتعلق بجرائم حق عام.
فرضية الإرهاب والدافع العنصري
وكانت النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب قد فتحت تحقيقا يشمل القتل العمد ومحاولات القتل في إطار مشروع إرهابي، مع الاشتباه في أن تكون الأفعال قد ارتُكبت بسبب الانتماء الحقيقي أو المفترض للضحايا إلى عرق أو إثنية أو أمة أو دين معين. وتبقى الدوافع النهائية للهجوم رهينة نتائج التحقيق، رغم أن العثور على نسخة من كتاب “كفاحي” والظروف المحيطة بالاعتداء أعادا إلى الواجهة فرضية التطرف اليميني والدافع العنصري.
وردا على قرار إحالة المشتبه به إلى الملاحظة النفسية، عبّر محامي عائلة الضحية عن استغرابه من التطورات، محذرا من أن تتحول المسألة النفسية إلى وسيلة لتهميش البعد الأيديولوجي المحتمل للجريمة. كما عبّر الكثيرون في التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي عن استغرابهم، وسخر آخرون، مشيرين إلى أنهم كانوا ينتظرون هذه الخطوة.
يطرح البعض تساؤلات بشأن ما يعتبرونه ميلا إلى إبراز الاضطرابات النفسية عندما يكون المتهم من أصول فرنسية ويُشتبه في ارتباط جريمته بالعنصرية أو التطرف اليميني، مقابل اللجوء سريعا إلى مفردات الإرهاب والتطرف ومعاداة السامية عندما يكون المشتبه به من أصول مهاجرة. ويقول أصحاب هذا الطرح إن وجود مشكلات نفسية محتملة لا ينفي تلقائيا وجود دوافع أيديولوجية أو عنصرية، كما أن الاشتباه في التطرف لا ينبغي أن يُبنى على أصول الشخص أو خلفيته الدينية أو الاجتماعية.
وغداة عملية إطلاق النار يوم الجمعة الماضي، تناول المنشط التلفزيوني اليهودي سيريل حانونا، المعروف بتوجهاته اليمينية التي باتت معادية للمهاجرين بشكل متزايد، القضية خلال برنامجه “TBT9”.
وأبدى اعتراضه على ما اعتبره تفاوتا في التعامل مع المشتبه بهم، معتبرا أن المشكلات النفسية لا ينبغي أن تتحول إلى تفسير يُغفل احتمال وجود دوافع عنصرية. وقد أثارت مداخلته تفاعلات متباينة، في نقاش يتجاوز تفاصيل القضية إلى طريقة توصيف الجرائم أمام الرأي العام الفرنسي.
غير أنه يجب التوضيح هنا أن إحالة المشتبه به إلى مؤسسة نفسية لا تعني، بحد ذاتها، استبعاد فرضية الإرهاب أو الدافع العنصري، كما لا تثبت أنه يعاني من اضطراب نفسي يلغي مسؤوليته الجنائية. وتهدف الملاحظة الطبية، وفق ما أوضحته النيابة، إلى تقييم ما إذا كانت حالته النفسية تسمح باستئناف الاستجواب. أما تحديد مدى مسؤوليته الجنائية والدوافع التي قادته إلى إطلاق النار، فيبقى مرتبطا بنتائج التحقيقات والخبرات القضائية.
من جهتها، طالبت عائلة الضحية بكشف مسار التطرف المحتمل للمشتبه به، وتحديد المصادر الأيديولوجية التي ربما تأثر بها، إلى جانب توضيح كيفية حصوله على السلاح المحظور وما إذا كانت هناك مؤشرات سابقة تستدعي تدخل السلطات.