لندن ـ «القدس العربي»: هيمنت الاحتجاجات والأحداث العنيفة التي شهدتها فرنسا وامتدت إلى مدن أوروبية أخرى على شبكات التواصل الاجتماعي في العالم العربي، وسرعان ما أشعلت جدلاً واسعاً حول الأسباب والتفاصيل والمشاهد المرعبة التي تناقلها النشطاء، وفتحت الكثير من الأسئلة عما إذا كانت القارة الأوروبية على وجه العموم مقبلة على موجة احتجاجات قد تؤدي إلى تغييرات سياسية واسعة.
وتصدر اسم “فرنسا” و”باريس” قوائم الوسوم الأوسع انتشاراً والأكثر تداولاً على شبكات التواصل الاجتماعي في العالم العربي، كما أطلق النشطاء عدداً من الوسوم المرتبطة بالحدث من بينها “الربيع الأوروبي” في محاولة لتشبيه ما يحدث في فرنسا بالثورات العربية التي أطاحت سابقاً بعدد من الأنظمة في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما تونس وليبيا ومصر.
ووسط حالة الجدل والأسئلة المتصاعدة عما يجري في فرنسا ذهب الكثير من المعلقين العرب إلى القول بأن ما يحدث ليس سوى نتيجة “مؤامرة خارجية”، حيث أشار البعض بأصابع الاتهام إلى الاستخبارات الإيرانية، بينما ذهب آخرون إلى الاشارة لروسيا التي قد تكون وراء إشعال فتيل الاحتجاجات وتوجيهها في فرنسا.
وفي هذا السياق، قال الكاتب والصحافي العُماني حمد الصواعي في تدوينة على شبكة “إكس” يقول: “كارما العبث بأوطان الآخرين بمسوغات خيالية من خلال إشعال الفتن والصراعات والحروب لا تعرف معيار الحدود وقانون الدوران في عجلة الزمن. وما زرعه الغرب وغيرهم في كافة مناطق العالم من صراعات وفتن وحروب بدأ يعود لهم، وها هي بداية الشرر تطرق جل أبواب أوروبا، وها هي باريس كما يبدو من المشاهد كأنها في منطقة حرب”.
أما الإعلامي العراقي سفيان السامرائي فقال: “احتل النازيون الفاشيون العنصريون باريس في عام 1940، ولكن عند دخولهم للعاصمة الفرنسية لم يفعلوا نهائياً ما فعله هؤولاء الأوباش الذين فاق حقدهم على الغرب الذي يعيشون فيه حقد أي عدو”.
أما الناشط الفلسطيني أدهم أبوسلمية فكتب معلقاً على المشهد في باريس بالقول: “من شوارع باريس إلى احتجاجات مدن أوروبية أخرى، تتصاعد حالة السخط الاجتماعي. لكن ما نشاهده ليس مجرد غضب من غلاء المعيشة، بل تعبير عن ضغوط أعمق تواجه النموذج الأوروبي”.
وأضاف أبوسلمية: “حرب أوكرانيا أعادت تشكيل أمن القارة وكلفتها في الطاقة والدفاع، وحرب الشرق الأوسط أضافت صدمة جديدة لأسواق النفط والغاز، فيما تتزاحم أعباء التسلح والتضخم والخدمات العامة على الموازنات الأوروبية. الأرقام تكشف حجم الضغوط التي يمكن النظر لها من خلال نمو متوقع للاتحاد الأوروبي لا يتجاوز 1.1% هذا العام، وتضخم بلغ 3.8% في منطقة اليورو خلال ايلول/سبتمبر.. أوروبا اليوم أمام ثلاثة مسارات في تقديري: إصلاحات اقتصادية واجتماعية تستعيد الثقة، أو اضطرابات متكررة تعمّق الاستقطاب السياسي، أو صدمة طاقة جديدة تدفعها نحو ركود أشد”.
وخلص أبوسلمية إلى القول: “المفارقة أن القارة التي بنت جانباً كبيراً من استقرارها بعد حربين عالميتين على الرفاه والتكامل الاقتصادي، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها بين أمنها العسكري وأمن مواطنيها الاجتماعي. والسؤال الأعمق: هل تستطيع أوروبا تمويل أمنها الخارجي دون أن تهتز ركائز استقرارها الداخلي؟”.
وقال المحلل السياسي والكاتب محمود رأفت في تدوينة جاء فيها: “يبدو أن العالم مقبل على تغييرات كبيرة خلال العامين المقبلين، فمظاهرات اليوم أشبه بمظاهرات الطلاب سنة 1968 في فرنسا والتي أحدثت طفرات إنسانية، فقد كانت السبب المباشر لانسلاخ أجزاء كبيرة من العالم من الطابع المحافظ الذي ساد البشرية لقرون طويلة، كذلك كانت أهم نتائج تلك المظاهرات هو ترسيخ فكرة أن لا قدسية للحاكم مهما كانت أمجاده حيث قامت تلك المظاهرات على أعظم زعماء أوروبا الحديثة وهو شارل ديجول.. بتقديري لو تواصلت هذه المظاهرات لشهر أو اثنين إضافية قد تعبر المتوسط وتصل العالم العربي، الذي آمل إن وصلت أن يتم التعامل معها بعقلانية، فيكفي ما وصلته بلاد العرب من أزمات وبعضها من خراب ولا حاجة لمزيد من الأزمات والخراب”.
أما الصحافي والكاتب ياسر الزعاترة فقال: “ترامب يربطها بالإسلام ونائبه بالمهاجرين والصهاينة بفلسطين. اليمين المتطرّف يربطها باليسار. كلّ طرف يعبّر عن عنصريته بحسب هواجسه. إنه التحريض الساقط الرخيص على الإسلام وعلى المهاجرين، وعلى فلسطين.. كل العقلاء يدركون أن الاحتجاجات لا صلة لها بذلك كله، بل هي تعبير عن أزمات يعيشها المجتمع الفرنسي ودولته. ووجود علم فلسطيني أو بضعة أعلام هنا أو هناك ليس دليلاً على شيء، اللهم إلا كتعبير تضامني لأنها قضية مظلومية واضحة يعرفها الجميع”.
وعلق الناشط بيتر جيرمانوس: “باريس تحت المجهر، حين تبدأ حرب الاستخبارات داخل المظاهرات. في الحركة الاستخباراتية الفرنسية، لا تبدأ العملية باعتقال مئات المتظاهرين، بل بتحديد الرجل الذي أشعل الفتيل ثم اختفى وسط الحشود. في باريس، قد يبدو المشهد فوضوياً: شبان غاضبون، شعارات، مواجهات مع الشرطة. لكن خلف الكواليس تدور معركة أخرى، أكثر هدوءاً وتعقيداً.. رجال أمن بملابس مدنية، كاميرات، تحليل للاتصالات العلنية وشبكات التحريض، ومحاولة للإجابة عن سؤال واحد: من يحرّك المجموعات العنيفة، ومن يستغل غضب الشباب لتحقيق أهداف أخرى؟”.
وكتب محمد علي: “الربيع الأوروبي، كرة الثلج تتدحرج.. فرنسا: باريس ومدن أخرى أصيبت بشلل تام، إيطاليا: مواجهات ضارية في ميلانو وبولونيا، بلجيكا: مسيرات غاضبة في بروكسل، البرتغال: عشرات الآلاف ينصبون الخيام في لشبونة، ألبانيا: انتفاضة في تيرانا تطالب بإصلاحات جذرية”.
ونشر حساب “تجارة الكون” على شبكة “إكس” تحليلاً قال فيه: “كثير من الناس لا يفهمون فرنسا، ولم يقرأوا شيئاً عن تاريخها، ولذلك يتعاملون مع المظاهرات الحالية في باريس وكأنها بداية انهيار الحضارة الأوروبية، أو مقدمة لحرب أهلية بين المهاجرين والسكان الأصليين، وبين البيض وغير البيض.. لكن هذه التصورات السخيفة ليست سوى إسقاطات أيديولوجية يروّج لها بالدرجة الأولى اليمين الأمريكي والأنكلو ساكسوني، الذي يعاني من جهل فادح بتاريخ أوروبا، ولا يفهم طبيعة المجتمعات الأوروبية وثقافتها السياسية وتاريخ الحراك الشعبي فيها”.
وأضاف حساب “تجارة الكون”: “هناك حقيقة أساسية يجب فهمها، وهي أن فرنسا ليست الولايات المتحدة، والفرنسيون ليسوا الأمريكيين أو الكنديين أو الأستراليين.. فرنسا تملك واحدة من أكثر الشعوب وعياً سياسياً، ومن أعرق ثقافات الحراك الشعبي والنضال الاجتماعي في العالم. وتاريخها ليس مجرد تاريخ من المظاهرات السلمية، بل تاريخ حافل بالثورات والانتفاضات والإضرابات التي أسقطت ملوكاً وحكومات، وأعادت تشكيل النظام السياسي الفرنسي مراراً”.
وقال أحمد الغامدي: “اختصار ما يحصل في فرنسا: بدأت شرارتها كحركة ثانويات صغيرة بضاحية باريس بسبب المدارس، أكثر من 1000 مدرسة ثانوية تأثرت في بداية أكتوبر، بعد ذلك بدأت القصة تكبر من المدارس، وبعدها بدأت نقطة التحول: 550 ألف متظاهر بكل فرنسا، شارك فيها: الطلاب، السترات الصفراء، النقابات، المزارعين، سائقي التاكسي.. الخلاصة: بدايتها كانت سلمية وفيه حركات استغلوها وركبوا الموجة والان خرجت عن مسارها وصار اللي كلكم شفتوه في المقاطع”.
وكتب الناشط أسامة يانا: “باريس، حيث تتحول حقيبة فاخرة بآلاف الدولارات إلى صفقة بـ20 دولاراً فقط! شخص يسرق، وآخر يبيع، وثالث يظن أنه اقتنص فرصة العمر، المخيف ليس في السرقة وحدها، بل في سرعة تحوّل المسروقات إلى فرص تسوّق، دون تأنيب الضمير”.
وقالت الناشطة اللبنانية جوسي حنا: “حين تُحرَق الحضارة وتُدنَّس معالم باريس، لا تكون الخسارة في الحجر وحده، بل في تاريخ أمة وهويتها وكرامتها. إن مشاهد التخريب والفوضى والاعتداء على الممتلكات والمعالم التاريخية تطرح أسئلة خطيرة حول احترام قوانين البلد الذي يستقبل الإنسان ويوفّر له فرص العيش الكريم، فمن اختار فرنسا وطنًا له، عليه أن يحترمها، لا أن يجعل شوارعها ساحة للانتقام والتدمير”.
وقال الدكتور محمد العوين: “المظاهرات ليست طريقاً إلى الإصلاح، أوروبا تشتعل، باريس الجميلة تُدمر، وتُنهب محلاتها الفخمة قرب قوس النصر، وساحة الجمهورية، واللافاييت تُكسر واجهاته الزجاجية، ويُنهب ما يحتويه من ماركات عالمية مشهورة، وسيفورا على جادة الشانزليزيه تُبعثر وتُتلف عطوره الراقية الفواحة.. لم يترك المفسدون المخربون المدينةَ التي كانت تزهو بتحضرها إلا قاعاً صفصفاً”.
وكتب معلق يُدعى مايكل: “هناك نضال طلابي عظيم يحصل في العواصم الأوروبية، هؤلاء طلاب شيوعيون يرفعون الأعلام الحمراء وأعلام فلسطين.. في باريس وبروكسل وميلانو ولشبونة. حراك عظيم ضد سياسات اليمين الأوروبي وغلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود وإهمال الصحة والتعليم.. ومثل ما قال ماركس في افتتاحية البيان الشيوعي: شبح ينتاب أوروبا.. شبح الشيوعية”.
ونشر الصحافي والكاتب يوسف الدموكي تدوينة جاء فيها: “ليشتعل العالم، ولتحترق الدنيا، ولتتلظَّ باريس، ولتشتجر إيطاليا، ولتستعر نيويورك، ولتصبح أوروبا حفرة من جمر، وليتحول العالم بشرقه وغربه إلى حمم.. وقفوا على النفط والزيت، يتقطر من لحاهم الوقود والبارود، وظنوا أن عود ثقاب أشعله متعَبون في ظلمات غزة سينطفئ بسكب الزيت فوقه، فأرسلوه شواظاً وفولاذاً من كل جبهات الدنيا، لدعم الكيان الشاذ، ومصاص الدم الملفوظ.. فما ظنهم يجدوا؟”.
وكتب عبد الحميد حمدي: “باريس التي كان يتم تسويقها على أنها عاصمة النور.. نورها انطفأ، وأصبحت عاصمة الحرق والدمار والحقد الأعمى، أصبحت منطقة حرب، هذه ليست مظاهرة، بل هو حقد وكراهية تخطوا كل شيء”.
وقال علي تامي، وهو كاتب وباحث: “دعوني أوضح لكم ما يجري في فرنسا: الصحافة الفرنسية توجه أصابع الاتهام إلى طهران وموسكو وتل أبيب، حول تحريك ورقة الوضع الداخلي الفرنسي. طهران: استدعت باريس السفير الإيراني، متهمةً السلطات الإيرانية بالمشاركة في حملات تضليل إعلامي مرتبطة بالاحتجاجات. موسكو: رصدت الصحافة الفرنسية أكثر من 100 عملية تدخل أجنبي استهدفت حملة الانتخابات الرئاسية الفرنسية، مع تسليط الضوء على شبكات مرتبطة بروسيا.. وماذا عن تل أبيب؟ العلاقات الإسرائيلية الأوروبية تشهد توتراً، ولا سيما مع فرنسا وبريطانيا، بسبب الحرب في غزة والاستيطان في الضفة الغربية. وقد تبنّت باريس موقفاً أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية، وشاركت في تحركات أوروبية لفرض قيود على منتجات المستوطنات، وفي يونيو 2026، كشفت وكالة VIGINUM الفرنسية عن عملية تدخل رقمي استهدفت حزب (فرنسا الأبية)، وهو حزب يساري يدعم الحقوق الفلسطينية وينتقد السياسات الإسرائيلية”.