احتجاجات فرنسا تتواصل بأبعادها الاجتماعية والأمنية والسياسية وشرارتها تمتد إلى دول أوروبية أخرى


باريس ـ «القدس العربي»: على بعد نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية ومغادرة الرئيس إيمانويل ماكرون قصر الإليزيه بعد عشر سنوات في الحكم، تواجه فرنسا أزمة متعددة الأبعاد، في ظل الاحتجاجات الطلابية والاجتماعية ضد ظروف الدراسة وغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، والتي تخللتها أعمال عنف تخريب ونهب صادمة، طغت على المطالب الاجتماعية التي دفعت آلاف المواطنين إلى النزول إلى الشوارع.
في مواجهة أعمال العنف واحتمال تجددها، تبنت الحكومة الفرنسية خطابًا حازمًا، مؤكدة أن أعمال الحرق والنهب والتخريب لا يمكن تبريرها بالمطالب الاجتماعية أو الاعتراض على السياسات العامة. ودان الرئيس إيمانويل ماكرون أعمال العنف، متهما جماعات يسارية متطرفة بالوقوف خلفها، وداعيًا إلى محاسبة المسؤولين عنها، فيما شدد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو على ضرورة حماية المؤسسات والممتلكات وملاحقة كل من يثبت تورطه في الاعتداءات. وشملت التدابير المعلنة إجراءات إضافية في بعض المواقع والأحياء، من بينها فرض حظر تجول ليلي في مناطق محددة من باريس ومدن أخرى، وتشديد الضوابط المنظمة للمظاهرات؛ وذلك لمنع تكرار مشاهد التخريب والنهب، وحماية السكان والتجار والمؤسسات العامة، لا حرمان المواطنين من حقهم في التعبير عن مطالبهم، كما تشدد الحكومة، التي سمحت فقط بالمظاهرات النقابية التي تستوفي الضوابط المعتمدة، مع اتخاذ تدابير أكثر صرامة تجاه التجمعات التي يُخشى تحولها إلى مواجهات أو أعمال عنف.
وقد تم إنشاء لجنة تحقيق برلمانية بشأن أعمال العنف وإدارة حفظ النظام، بالتوازي مع تحركات في مجلس الشيوخ لفحص الاستعدادات الأمنية وأوجه القصور المحتملة. ومن المنتظر أن تتيح هذه التحقيقات دراسة المعلومات المتاحة قبل الاحتجاجات، وكيفية اتخاذ القرارات، ومدى ملاءمة التدابير الميدانية للتطورات التي شهدتها المدن الفرنسية. غير أن التحقيق البرلماني لا يحل محل القضاء في تحديد المسؤولية الجنائية للأفراد، ولا يغني عن الإجراءات القضائية المرتبطة بأعمال التخريب والاعتداءات.
ودخلت الحكومة في مواجهة سياسية مع حزب “فرنسا الأبية” اليساري الراديكالي، بزعامة جان لوك ميلانشون؛ حيث اتهم مسؤولون حكوميون الحزب بتأجيج الاضطرابات واستغلال الاحتجاجات لتحقيق أهداف سياسية. وعلى المنوال نفسه سارت أحزاب اليمين واليمين المتطرف. وشدد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو على ضرورة التمييز بين المشاركين في الاحتجاجات السلمية والذين يلجأون إلى الاعتداءات، لكنه حمّل حزب “فرنسا الأبية” مسؤولية سياسية عن الخطاب الذي رافق التعبئة، مطالبًا إياه بإدانة واضحة لأعمال النهب والتخريب.
في المقابل، رفض “فرنسا الأبية” هذه الاتهامات، معتبرًا أنها محاولة لتحميل المعارضة مسؤولية أعمال لم تثبت صلتها بها، وصرف الأنظار عن أوجه القصور الأمني المحتملة. واتهم منسق الحزب، مانويل بومبار، الحكومة بسوء إدارة الأحداث، منتقدًا تحويل الأزمة إلى مواجهة سياسية بدل التركيز على الوقائع ومسؤولية السلطات.
كما انتقد جان لوك ميلانشون طريقة تعامل الشرطة مع بعض التجمعات، معتبرًا أن أساليب حفظ النظام ساهمت في تصعيد التوتر. وردت الحكومة برفض تحميل الأجهزة الأمنية مسؤولية أعمال التخريب والنهب، مؤكدة أن المسؤولية الجنائية تقع على الأفراد الذين ارتكبوا الاعتداءات.
واكتسب الخلاف بين الحكومة و”فرنسا الأبية” بُعدا إضافيًا بعد تحقيق نشره موقع “ميديابارت” الاستقصائي، تحدث عن تلقي مسؤولين في الاستخبارات الإقليمية توجيهات لربط الحزب اليساري الراديكالي بالاضطرابات. وبحسب التحقيق، نقل مسؤول استخباراتي لم يُكشف عن هويته أن تعليمات طُلب بموجبها إسناد مسؤولية الحركة الاحتجاجية إلى الحزب، رغم أن ذلك، وفق شهادته، لم يكن متوافقًا مع تقييمات عدد من العاملين في أجهزة الاستخبارات الإقليمية.
في المقابل، نفى وزير الداخلية لوران نونيز هذه الاتهامات، رافضًا القول إنه تلاعب بالمعلومات الأمنية أو وجّه الأجهزة ضد حزب سياسي. وأعلن مانويل بومبار عزمه اللجوء إلى محكمة العدل للجمهورية، على خلفية ما اعتبره إساءة لاستخدام السلطة ومحاولة تحميل الحزب مسؤولية أعمال العنف.
وتزداد حساسية المشهد مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي لعام 2027، في ظل سعي واضح لبعض القوى السياسية إلى توظيف الأحداث لتأكيد مواقفها بشأن الأمن والاستقرار ومستقبل السياسات العامة. في مواجهة ذلك، تواجه السلطة التنفيذية معادلة دقيقة متعددة الأوجه، تتمثل في ضرورة فرض القانون ومحاسبة المسؤولين عن أعمال التخريب والنهب، وضمان الحق في التظاهر السلمي، ومراجعة أوجه القصور المحتملة في إدارة الأزمة، والاستجابة للمطالب الاجتماعية والطلابية.
وتجاوز صدى الاحتجاجات الاجتماعية الفرنسية حدود البلاد، حيث تشهد عدة دول أوروبية في الأيام الأخيرة موجة من المظاهرات، تقودها فئات شبابية ونقابية، احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية ونقص التمويل المخصص للتعليم، إلى جانب أزمة السكن وتفاقم الاختلالات الاجتماعية.
ففي إيطاليا، خرج طلاب وتلاميذ إلى الشوارع في عدة مدن، بينها روما وميلانو، وانضمّت إلى التحركات فئات من المدرسين والعمال، مطالبين برفع الأجور وتوفير مناصب عمل إضافية. كما تصاعد الغضب بسبب ارتفاع أسعار الوقود، ما دفع مزارعين وناقلين إلى تنظيم احتجاجات وقطع طرق في مناطق مختلفة من البلاد. وشهدت بعض المدن مواجهات وأعمال تخريب خلال الاحتجاجات، خصوصاً في ميلانو وتورينو وبولونيا، حيث تدخلت الشرطة وأوقفت عدداً من المشاركين، في وقت دعت فيه النقابات إلى مواصلة التعبئة دفاعاً عن الحقوق الاجتماعية والقدرة الشرائية.
في بلجيكا، تتركز الاحتجاجات على إجراءات التقشف وخفض الإنفاق العام، ولا سيما في قطاع التعليم. ويعترض الطلاب على ارتفاع رسوم التسجيل في مؤسسات التعليم العالي وتكاليف النقل، بينما يخشى المدرسون من زيادة أعباء العمل دون تعويضات مالية. كما خرج آلاف المتظاهرين إلى شوارع العاصمة بروكسل للتنديد بالسياسات التقشفية، قبل أن تتجدد التحركات للمطالبة بمواجهة غلاء المعيشة، وسط تسجيل حوادث تخريب واعتقالات محدودة.
أما في إسبانيا، فتتصدر أزمة السكن مطالب المحتجين، بعدما أصبحت الإيجارات المرتفعة عبئاً متزايداً على الأسر والشباب. وشهدت مدريد ومدن أخرى تحركات للمطالبة بتوفير مساكن بأسعار مناسبة والحد من المضاربات العقارية والإخلاءات. وترافقت هذه الاحتجاجات مع تحركات نقابية في قطاع التعليم، حيث يطالب المدرسون بتحسين الأجور وظروف العمل وزيادة الموارد المخصصة للمدارس العمومية.
وامتدت المطالب المرتبطة بالسكن إلى البرتغال، حيث أقام ناشطون خياماً في ساحات عامة بالعاصمة لشبونة، احتجاجاً على ارتفاع الإيجارات والمضاربات العقارية وصعوبة الحصول على مسكن. غير أن السلطات تدخلت لتفكيك بعض المخيمات، ما أسفر عن توقيفات وإصابات طفيفة، وأثار موجة جديدة من الاحتجاجات في عدد من المدن البرتغالية.
وفي ألبانيا، اتخذت الاحتجاجات منحى أكثر حدة، مع خروج آلاف الأشخاص، بينهم طلاب وشباب، في العاصمة تيرانا، للتنديد بارتفاع تكاليف الدراسة وتدهور ظروف التعليم الجامعي والفساد داخل المؤسسات. ورفع المحتجون مطالب سياسية، من بينها استقالة رئيس الوزراء إيدي راما. وشهدت البلاد أعمال عنف وتخريب طالت مبان حكومية ومؤسسات عامة وممتلكات خاصة، إضافة إلى إصابات في صفوف المتظاهرين وقوات الأمن، وفق المعطيات الواردة في التقرير الأصلي.
وتعكس هذه التحركات، رغم اختلاف سياقاتها الوطنية، تنامي الاستياء الاجتماعي في أوروبا، في ظل الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة الوصول إلى السكن والتعليم الجيد.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *