متظاهرون يحملون أعلام فلسطين ورايةً تحمل صورة الناشط المناهض لنظام الفصل العنصري، ستيف بيكو، وذلك خلال مسيرة في جوهانسبرغ
زرت أمريكا أربع مرات، واحدة قبل ستة وثلاثين عامًا، وثلاثًا، مؤخرًا، خلال ثلاث سنوات تقريبًا، وفي كل مرة كان الأمر مختلفًا.
في عام 1990 كانت الجولة الأكبر، مع فرقة بلدنا الغنائية؛ قراءات شعرية وأغنيات ساهمتُ بكتابة الكثير منها. كانت تلك الجولة لصالح الانتفاضة الفلسطينية الأولى، لجمع التبرّعات، وكانت النتيجة رائعة حقًّا في خمس وعشرين مدينة أمريكية. التعاطف كان جيدًا، لكنه لم يكن قد تطوّر إلى وعي ومواجهة كما يحدث الآن. الزيارة الثانية تعثرت، بوباء كوفيد في المرّة الأولى، وحين تمّت، بعقد مؤتمر «فلسطين تكتب»، رغم كل الصعوبات التي واجهته، تُوِّج بنجاح أكبر تجمّع للثقافة الفلسطينية رأيته من قبل، خارج حدود عالمنا العربي.
عُقد المؤتمر قبل الإبادة بأيام، وصدف أن العودة إلى عمّان كانت في يوم 7 أكتوبر 2023.
في ذلك المؤتمر رفع الأمن الحماية عن المشاركين، وتُركوا هدفًا لسلسلة من المضايقات الكبيرة أثناء انعقاده، وبعد انتهائه، لسلسلة من المضايقات والاستجوابات والتهديدات لكلّ من شارك في تنظيمه، طلبةً وأساتذةً.
لكن نجاح المؤتمر كان مذهلًا، وكان الإقبال عليه استثنائيًّا.
بعد ذلك بعام، 2024، عدتُ إلى هناك بدعوة من جامعة «براون»، وكرسي محمود درويش، الذي عمل الكثير لتأسيسه الباحث والأستاذ الجامعي الفلسطيني اللامع بشارة دوماني، لأكون ضيفه الأول. كان الوضع مختلفًا، فاحتجاجات الطلبة والأساتذة في الجامعات الأمريكية كانت في تصاعد، وعقوبات الفصل والسّجن والتحقيقات ومداهمة الجامعات في أوجها. ورغم ذلك، نجحت اللقاءات في جامعة براون، وجامعة برينستون من بعدها، وتعذّر إقامة أي نشاط في جامعة فيلادلفيا، فأقيم النشاط في مكتبة، وتعذّر في جامعة نيويورك فأقيم في كنيسة للجمهور العريض، وللحقّ، كان الأخير من أجمل وأنجح اللقاءات العامة، إذا ما تذكّرنا أن اللقاءات السابقة كانت محصورة بالطلبة والأساتذة.
اللقاء الرابع كان في نهايات الشهر الماضي، ومطالع هذا الشهر ضمن جولة الفوز بجائزة نيوستاد العالمية للآداب، التي تمنحها جامعة أوكلاهوما، ومجلة «عالم الأدب اليوم»، التي احتفلت هذا العام بمئوية تأسيسها.
الجولة في جامعات: دنفر، أوكلاهوما، ميتشغان، كانت سلسة للغاية، لم يعكّرها شيء قط؛ لقد توقّعت مضايقات من بعض الحضور، فالجولة تتعلق بثقافة فلسطين والكلام كله عنها وعن أدبها، وعن الثقافة العربية، والإبادة التي لم تزل مستمرة، وهذا ما حملته إلى هناك قصائد ديوان «مريم غزة»، وكتابي الأخير «الإقامة في الحرية».
الآن، حيث يمكن تأمّل الأسابيع الثلاثة التي أمضيتها هناك، يمكن القول إن التفاعل داخل القاعات لم يكن أقلّ حميمية من التفاعل في أي قاعة ندوات في عالمنا العربي، وكان حجم التأثر في جميع الندوات مذهلًا في كل ما يتعلق بفلسطين وقضيتها.
من مفاجآت الزيارة كان ذلك التقديم الذي قام به الرّوائي والقاص والأكاديمي الأمريكي أندرو ر. جونسون، لمحاضرتي في جامعة دنفر، إذ راح يتحدّث عن قصيدة كنت كتبتها في الثانية والعشرين من عمري، أي قبل خمسين عامًا تقريبًا، ونشرتها في جريدة «الرياض» السعودية، عام 1977، حين كنت مُدرِّسًا هناك، وعن أثرِ تلك القصيدة، التي لا أعرف كيف وصلت إليه، وإلى زملائه الطلبة، في جامعة تكساس، وكانوا يقرؤونها، في ثمانينيات القرن الماضي، في احتجاجاتهم ضد نظام الحكم العنصري الذي كان سائدًا في جنوب إفريقيا.
تلك القصيدة كُتبت تحية لروح «ستيف بيكو»، المناضل الذي قُتِل تحت التعذيب وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره؛ قصيدة من البدايات، بسيطة، وأستطيع القول صادقة، لم يذهب تفاؤلها سدى، حين جاء فيها: «إفريقيا تبقى أغنية/ تصرخ في وجه عدوِّ الشمس غدًا أو بعد غد ستموتْ».
ولعلها أصبحت أجمل اليوم في نظره ونظري، لأن «عدو الشمس» ذاك، مات فعلًا بعد سنوات من كتابتها.
جميل أن يعثر المرء على نص له كان يحيا في مكان بعيد، دون أن يعلم عن ذلك شيئًا، ثم يقوم هذا النص بتمهيد لقاء مختلف من نوعه بينه وبين شخص، أو أشخاص لم يكن يعرفهم.
هل هو أثر الفراشة إذن، التي هي، هنا، القصيدة؟
لا أتحدث هنا عن شيء خاص، على الرغم من أنه يبدو كذلك، إلّا لأصل إلى ما قاله أندرو حول سعادته بوجود تضامن فلسطيني مع النضال ضد الحكم العنصري هناك، حيث كان هذا التضامن، وهذه القصيدة التي لم يسمع بشاعرها من قبل، مصدر قوة له ولزملائه ولقضيته، وهي تقول لهم إنهم ليسوا وحيدين.
أندرو، الذي كان عليه أن يقدّمني، راح يبحث، قبل المحاضرة، عن القصيدة، متكئًا على قوة الذكاء الاصطناعي، فلم يجدها. يقول ساخرًا: إن ذلك جعله يتساءل بشكّ عمّا إذا كان هو موجودًا في تلك الأيام، والقصيدة موجودة والاحتجاجات موجودة، حين قال له الذكاء الاصطناعي: لا توجد قصيدة بهذا الاسم لنصر الله.
كان لا بدّ من اللقاء لتأكيد أن كل ما عاشه كان حقيقة.
شغلني الأمر، لأنني لا أذكر أن هذه القصيدة قد تُرجمت أبدًا، فبحثتُ عنها بعد عودتي، وكم فرحت أنني وجدتها منشورة عام 2008، في مجلة صغيرة اسمها «الآن»، تصدر عن وزارة الخارجية في حكومة جنوب إفريقيا، في ذكرى استشهاد ستيف بيكو، ما يعني أن القصيدة نُشرت مترجمة في الثمانينيات بالإنجليزية فعلًا، وأن ذاكرة أندرو لم تخنْه.
وبعد:
ما يعنيني من كل هذا، هو اعتزاز البشر بكل مَن يقف معهم مناصرًا، حتى لو كان شاعرًا شابًّا في بداية حياته لم ينشر أي كتاب بعد، وكيف يمكن أن يمنحهم أمر كهذا القوة ليواصلوا، في حين أن هناك عقلية منتشرة بيننا في عالمنا العربي تُقلّل من قيمة أي محاولة لنصرة قضايانا، ولحسن الحظ أن غزة نجت من عبثية هذه العقلية، حين راح صغارها يرسلون الرسائل لكل من يناصرها، بدءًا من رئيس الوزراء الإسباني، إلى ممثلين ورياضيين ومؤثرين وقفوا معها، فنهض هؤلاء الأطفال والشباب ليرسموا صور هؤلاء الشجعان على بقايا الجدران بين الدمار ويزيّنون غزة بجمالهم.
سنظل ندين للفراشة دائمًا وأثرها؛ وفي غزة وحدها أكثر من 75 ألف فراشة صعدت إلى الضوء، وما زالت هناك فراشات تصعد وتقاوم، كما صعدت من قبل في فلسطين كلها طوال مئة عام، وهي التي تسبقنا دائمًا إلى غد سيبلغه آخرون بحكمة قلوبهم وقوة إيمانهم بجمال فلسطين الصغيرة العظيمة، إلى أن يزول «عدوّ الشمس».