نواكشوط ـ «القدس العربي»: لم تعد احتجاجات حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل» المستمرة في عموم الولايات الموريتانية، مجرد تحرك معارض بل تأتي في لحظة سياسية تتقاطع فيها ضغوط الشارع مع إعادة ترتيب موازين النفوذ داخل السلطة.
وأكد الحزب أن حراكه السياسي والاحتجاجي الجديد يهدف للوقوف في وجه المأمورية الثالثة، التي وصفها رئيس الحزب حمادي ولد سيدي المختار بأنها «تهدد الوحدة والانسجام، وليست في صالح الوطن ولا المواطن ولا النظام»، وتمثّل تراجعا عن مكسب سياسي كبير يتمثل في التناوب على السلطة.
كما يحتج الحزب على انتشار الفساد في المنظومة الحاكمة، وتجنب السلطة معاقبة المتورطين في الفساد حسب تقارير هيئات التفتيش الرسمية.
وينتقد الحزبُ في الشعارات التي اختارها، ما سماه الارتفاع الدائم للأسعار، وتأثير ذلك على القدرة الشرائية للمواطنين، وغياب سياسيات حكومية لوضع حد لهذا الواقع.
كما رفع الحزب خلال وقفاته الاحتجاجية المتزامنة شعارا ينتقد التضييق على الحريات العامة، وتوقيف النشطاء لأتفه الأسباب، واقتياد السياسيين إلى المخافر وقاعات المحاكم بسبب تدوينات أو تسجيلات عبروا فيها عن آرائهم.
وحذّر رئيس «تواصل» حمادي ولد سيد المختار، من أن الدفع باتجاه مأمورية ثالثة يهدد الانسجام الوطني ويمس مكسب التداول على السلطة.
وبينما يرفع الإسلاميون، الذين يتصدرون المعارضة الموريتانية، شعار «اللاءات الثلاث» لتوحيد جبهة الاعتراض، يفتح خروج وزير الداخلية السابق محمد أحمد ولد محمد الأمين من الحكومة الباب أمام قراءة جديدة لتوازنات الحكم، بعد ما قيل إنه «حسم الصراع بينه وبين الوزير الأول المختار ولد اجاي لمصلحة الأخير.
وأطلق حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل»، أكبر أحزاب المعارضة الموريتانية، تحركًا احتجاجيًا متزامنًا في عواصم الولايات، تحت شعار «لا للفساد، لا للتضييق على الحريات، لا للمأمورية الثالثة».
واكتسبت المبادرة بُعدًا إضافيًا مع إعلان النائب بيرام الداه اعبيد الذي يقود المعارضة المتشددة دعمه لها، داعيًا إلى توسيع دائرة الاعتراض لتشمل أطرافًا من الموالاة، بما يفتح الباب أمام تقاطعات سياسية تتجاوز الاصطفافات التقليدية.
وكان الحزب، ذو المرجعية الإسلامية والمحسوب على تيار الإخوان المسلمين، قد أطلق مساء السبت، من مقره في نواكشوط، برنامجه السياسي لسنة 2026-2027، بحضور قياداته ومناضليه.
ويجمع التحرك بين التصعيد في الشارع والإبقاء على باب الحوار مفتوحًا، في محاولة للضغط من أجل إدراج الملفات الخلافية في صلب المشاورات السياسية، بدل الاكتفاء بالترتيبات الإجرائية التي تسبق انطلاقها.
وفي رسالة إلى الرأي العام، أشاد بيرام الداه اعبيد بموقف «تواصل»، واصفًا إياه بأنه «جبار وبأنه حراك جاء في وقته»، وداعيًا بقية أحزاب المعارضة إلى تثمين المبادرة وتبنيها وتوحيد الجهود حولها.
كما حث ولد الداه الطلاب والعمال على الانخراط في تحرك ديمقراطي يستند إلى الأطر القانونية، باعتبارهم فئات اجتماعية لها مطالب لم تجد، وفق تقديره، الاستجابة الكافية.
واللافت في موقفه دعوته المعارضة إلى إبداء المرونة تجاه أطراف داخل الموالاة يمكن استمالتها إلى مسار التغيير، عبر مد جسور الشراكة معها، بدل حصر المواجهة في الاصطفاف التقليدي بين السلطة ومعارضيها.
وتطرح هذه الدعوة احتمال نشوء تقاطعات بين قوى تختلف في تقييمها لأداء الحكومة، لكنها قد تلتقي على رفض المأمورية الثالثة أو ضرورة تعزيز الرقابة على المال العام وضمان الحريات.
غير أن تحويل هذا التقاطع إلى تنسيق سياسي مستمر يتطلب برنامجًا مشتركًا وأولويات محددة، في ظل اختلاف المرجعيات والحسابات السياسية.
وفي محور الفساد، يستند «تواصل» في احتجاجاته إلى الجدل الذي أثاره تقرير المفتشية العامة للدولة عن عامي 2024 و2025، وما تضمنه من اختلالات مرتبطة بالصفقات والأشغال والفوترة.
وقد طالبت قوى معارضة بكشف المسؤوليات وتوضيح مآلات الملفات المحالة إلى القضاء، معتبرة أن نشر تقارير الرقابة ينبغي أن يكون مقدمة للمحاسبة واسترداد الأموال المستحقة، لا نهاية لمسار الكشف عن المخالفات.
كما أعاد تقرير محكمة الحسابات النقاش بشأن خروقات التسيير وفاعلية الرقابة على المال العام. وتتمحور انتقادات المعارضة حول الفجوة بين رصد المخالفات وترتيب المسؤوليات القانونية والإدارية عليها، مع ضرورة التمييز بين أخطاء التسيير والمخالفات الإدارية والجرائم التي يستلزم إثباتها مسارًا قضائيًا.
ولا ينفصل هذا الملف عن الوضع المعيشي، إذ تربط المعارضة بين سوء التسيير وارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية ومشكلات الخدمات.
وقد أعادت أزمة الطماطم في الأسواق الموريتانية هذا الترابط إلى الواجهة، بعدما أثارت جدلًا بشأن هشاشة التموين والاعتماد على الواردات، فيما عزت الحكومة ارتفاع الأسعار إلى قيود التصدير وتأثر الإنتاج المحلي بالأمطار.
الحريات
أما محور الحريات، فتبرز في خلفياته قضية النائبتين المعارضتين مريم الشيخ جينغ وقامو عاشور سالم، اللتين صدرت بحقهما أحكام بالسجن والحرمان من الحقوق المدنية والسياسية وفقدان مقعديهما في البرلمان، على خلفية تصريحات منشورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ويضاف إلى ذلك الجدل بشأن موقوفي ملف «مدوني الخارج» وحقوق الدفاع.
ففي حين تؤكد السلطات أن التحقيق يتعلق بشبهات ابتزاز وأفعال مجرّمة، يعترض محامون على إجراءات الحراسة النظرية وتقييد الاتصال بالمحامين، مطالبين بضمانات تكفل حقوق الموقوفين وتمكّن الدفاع من أداء دوره.
وتكشف هذه الملفات عن خلاف يتجاوز الوقائع القضائية إلى سؤال أوسع بشأن الحدود الفاصلة بين إنفاذ القانون وحماية حرية التعبير، ومدى قدرة المؤسسات على ضمان الحقوق الدستورية والإجرائية.
المأمورية الثالثة
ويبقى رفض المأمورية الثالثة المحور الأكثر اتصالًا بمستقبل النظام السياسي؛ فقد تصاعدت الدعوات إلى استمرار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في الحكم، واكتسبت زخمًا بعد تأييد وزيرة التجارة زينب بنت أحمدناه لهذا التوجه، ما أعاد حدود المأموريات الرئاسية إلى واجهة السجال العام.
ويستند الرافضون إلى النصوص الدستورية التي تقصر إعادة انتخاب الرئيس على مرة واحدة، وتحصّن مبدأ التناوب وحدود المأموريات من المراجعة وفق الضوابط الدستورية المعمول بها؛ ويرى هؤلاء أن فتح الباب أمام مأمورية ثالثة لا يمثل مجرد خلاف بشأن شخص الرئيس، بل يضع مبدأ التداول السلمي على السلطة أمام اختبار سياسي.