وفاة «الإعلام العمومي» في تونس


السبت الماضي شهدت شوارع العاصمة التونسية أضخم مظاهرة عرفتها البلاد في عهد قيس سعيّد احتجاجا على مجمل الأوضاع الراهنة وحالة الفشل والعبث التي باتت السمة الفاقعة لهذه المرحلة.
حل موعد النشرة المسائية للأخبار في التلفزيون التونسي الرسمي فأوردت ما شاء لها من أنباء محلية ودولية، ماعدا تلك المظاهرة، وكأنها لم تحدث أصلا. قد يكون الأمر عاديا في أكثر من عاصمة عربية إن هي شهدت حدثا مماثلا، لكنه لم يكن كذلك في تونس في السنوات العشر التي أعقبت سقوط نظام بن علي مطلع 2011، إلى أن صار قيس سعيّد الحاكم بأمره منذ صائفة 2021 فأعاد عقارب الساعة إلى الوراء.
بعد انتصار ثورتها، لم تهب نسائم الحرية في تونس على قطاع كما هبّت على الإعلام حتى بات فضاء مفتوحا بلا حدود أو كوابح، إلى أن انقلب سعيّد على الدستور ومجمل التجربة الديمقراطية فانقلبت الصورة رأسا على عقب. كـٌـمّمت الأفواه، وزج بالصحافيين والمدوّنين في السجون فعادت الأمور إلى ما هو أسوأ من أحلك سنوات القمع والخوف إبّان حكمي الرئيسين الراحلين الحبيب بورقيبة (1956-1987) وزين العابدين بن علي (1987-2011).

يبقى حال التلفزيون في تونس، وغيره من وسائل الإعلام العام، والكثير جدا من الخاص، المرآة الصادقة لحالة البلاد الرثة اليوم

في عهد بورقيبة، لم يكن هناك في التلفزيون الرسمي الذي يدفع الناس ميزانيته من ضرائبهم سوى النفخ الدائم في صورة «المجاهد الأكبر»، كما كان يطلق على الرئيس، حتى وصل الأمر إلى جعل خبر قضائه فترة سباحة أو احتفالات عيد ميلاده الخبر الأول في النشرات الإخبارية. وحين جاء بن علي من بعده، لم تدم طويلا فترة الانفراج التي جاء بها حين كان يرفض في البداية تصوير لقاءاته اليومية بالوزراء باعتبارها «من صميم عمله اليومي العادي» التي لا تحتاج تغطية، كما قال لفريق التصوير الذي كان يرابط هناك في انتظار استقباله للوزراء، إلى أن وصل الأمر في سنواته الأخيرة إلى تغطية نشاط حرمه، حتى راج أنها قد تخلفه في منصب الرئاسة.
بعد ثورة 2011، كسرت كل القيود وانطلق الإعلام يركض حرا لا يلوي على شيء، الخاص منه والعام، ولو دون احترام أحيانا لأبسط القواعد المهنية والأخلاقية، لكن الكل وقتها اعتقد أن خوض التجربة بعد عقود من الحرمان قد تفترض تحمّل تجاوزات من لم يذق حلاوة الحرية من قبل، وأن الأمور ستهدأ تدريجيا وتستعيد توازنها المنشود. لم يعد أحد وقتها يتجرأ أن يزعم أن احتكار الحكومة للإذاعة والتلفزيون أمر طبيعي، فطوي تعبير الإعلام «الحكومي» وحلّ محله تعبير «الإعلام العمومي». حينها، أصبحت نشرات الأخبار في هذا التلفزيون، وكذلك البرامج الحوارية السياسية، على أعلى درجات التعدّدية والجرأة حتى باتت في تنافس محموم مع القنوات الخاصة التي لم تخل جسارتها في تناول الشأن الجاري من حسابات معلنة ومخفية لتشويه التجربة الوليدة المتعثرة.
اليوم، لم يبق شيء من ذلك أبدا، ولا حتى بعض الأطلال الكئيبة. لا برامج سياسية حوارية على الإطلاق فقد استعيض عنها ببرنامج يتيم يلوك عبارات التملق للسلطة، كما لم يعد هناك من ضيوف النشرات سوى مضموني الولاء واللسان بعد أن مُنع المعارضون جميعهم من أن تطأ اقدامهم مقر التلفزيون. وحتى عبادة الفرد ازدادت استفحالا، فلم تعد كاميرا التلفزيون تصاحب الرئيس في زياراته الليلية الغريبة سوى الرجل بميكرفون كالذي يرتديه المذيعون على الجاكيت – وهو ما لا يمكن أن تراه عند أي رئيس آخر بهذا الشكل- فيلتقط كل كلمة يقولها للناس الذين لا يصل صوتهم إلا صدفة أو إذا تداخل عنوة مع كلام الرئيس.
أضف إلى كل ذلك، أنه لم يعد للتلفزيون من مراسل مندوب في القصر الرئاسي، ولا غيره بالمناسبة، كما كان الأمر في سنوات الانتقال الديمقراطي المغدور، فالمادة المصوّرة تصل جاهزة والخبر يٌصاغ من قبل الرئيس بنفسه، على الأرجح، في صفحة الرئاسة على موقع «فيسبوك» مع أنه كثيرا ما كرّر بأن الدولة «لا تُدار بفيسبوك»!
ومع أن نقابة الصحافيين التونسيين التي كثيرا ما انتقدت هذا التوجه في السيطرة الكاملة على الإذاعة والتلفزيون الرسميين، وكذلك وكالة الأنباء، ودعت محرّريها، قبل ثلاث سنوات، إلى «التصدي للانحرافات الخطيرة ولكل محاولات توظيف هذه المرافق العامة لخدمة السلطة أو أي جهة كانت»، مطالبة الإعلام الحكومي السابق بـ»لعب دوره الأساسي كمرفق عام من شأنه خدمة الدولة والمجتمع، والتعبير عن مطالب الناس ومشاغلهم»، مع التشديد على «ضرورة ألا يكون بوق دعاية للسلطة الحاكمة مهما كانت»، فإن لا شيء من ذلك حدث، ولا حتى مجرّد مقدمات أولية، إذ يبدو أن هناك حالة من الاستسلام والتطبيع مع كل ما يجري.
في النهاية، يبقى حال التلفزيون في تونس، وغيره من وسائل الإعلام العام، والكثير جدا من الخاص، المرآة الصادقة لحالة البلاد الرثة اليوم، مع بارقة أمل وحيدة وهي أن حكم بورقيبة لم ينته إلى ما انتهى إليه، ولا بن علي من بعده، إلا بعد أن زاد إعلامهما في الرداءة والإسفاف فطردهما من عقول الناس ووجدانهم، ولن يكون حكم سعيّد استثناء.

٭ كاتب وإعلامي تونسي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *