اختُتم مؤخراً معرض فرانكفورت للكتاب، الذي يُعدّ الأكبر من نوعه في العالم. ويجمع المعرض مختلف قطاعات صناعة النشر، بمشاركة ناشرين من شتى أنحاء العالم، إلى جانب الوكلاء الأدبيين وشركات تعمل في مجالات مرتبطة بالسينما وألعاب الفيديو. وقد أُقيمت دورة هذا العام وسط مخاوف متزايدة من التراجع التدريجي في أعداد القراء على مستوى العالم.
أحرص على حضور المعرض طوال أيام إقامته كل عام، فهو أشبه بمهرجان عالمي لصناعة النشر، لكنه، للأسف، لا يشبه مهرجانات السينما؛ فلا ممثلات جميلات، ولا ممثلون أو مخرجون مشهورون.
على الرغم من الدعاية الكبيرة التي تسبق المعرض، فإنه في الحقيقة ليس للجمهور، بل للشركات المشاركة على أنواعها، حيث يُمنَع الجمهور من الدخول في أول يومين من افتتاحه كي يستطيع المشاركون القيام بعملهم ولقاء بعضهم بعضا لإجراء اتفاقيات بيع وشراء حقوق النشر. وتتم الاتفاقات على اللقاء في المعرض قبل إقامته بأسابيع، فمثلا عندما يؤلف الكاتب كتابا عليه إقناع أحد الوكلاء الأدبيين بتبنيه، حيث ترفض كبريات دور النشر التحدث مع المؤلفين مباشرة. والوكيل الجيد هو من ينجح في إقناع دار النشر بأهمية الكتاب، ولذلك يلعب الوكلاء الأدبيين دورا أساسيا في عملية النشر في العالم الغربي. وللسبب نفسه، فإن القاعة الوحيدة التي لا يسمح للجمهور الدخول إليها في المعرض هي القاعة رقم واحد التي تخصص هذه القاعة للوكلاء للاجتماع بالمؤلفين ودور النشر، حسب مواعيد مسبقة. ولبعض هؤلاء الوكلاء شهرة واسعة في عالم النشر وأغلبهم من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية. ولبعضهم علاقات خاصة مع عالم السينما والتلفزيون، فإذا اقتنع الوكيل بأهمية الكتاب قد يتصل مباشرة بشركة أفلام سينمائية، أو تلفزيونية لتحويل الكتاب إلى فيلم سينمائي، أو مسلسل تلفزيوني، أو حتى لعبة فيديو حتى قبل نشره.
وإذا اقتنعت دار نشر بأهمية الكتاب ويتم الاتفاق على نشره، فإن حقوق النشر تكون ملكه، أي ملك دار النشر، ولكنه سيكون مقيدا بعدة عوامل تعتمد على اللغة والمنطقة، فمثلا قد تنشر دار نشر الكتاب باللغة الإنكليزية وفي الولايات المتحدة الأمريكية فقط، ولذلك تقوم دار نشر ألمانية بشراء حقوق النشر في ألمانيا لترجمته ونشره في ألمانيا وباللغة الألمانية.
ومن الجدير بالذكر أن حظوظ الكتاب في النجاح ليست متساوية في جميع البلدان، فقد يفشل كتاب في العراق، إلا أن الناشر العراقي يظن أن السوق الأمريكي ملائم أكثر للكتاب، فيقوم بعرض حقوق النشر لدار نشر في الولايات المتحدة الأمريكية لنشره باللغة الإنكليزية هناك.
إذا أراد المواطن العادي زيارة المعرض، فلن يستطيع شراء تذكرة في الباب الرئيسي، حيث ألغي هذا منذ عدة سنوات، ولذلك عليه شراؤها عن طريق الإنترنت بطريقة معقدة. ولهذه الطريقة عيوبها، فالكبار في السن لا يطيقون العملية المعقدة لشراء التذاكر، كما أنها مفاحأة لمن يأتي إلى المعرض ظانا أنه يستطيع شراء التذاكر بسهولة، وكأنه يدخل إلى صالة سينما. والغريب في الأمر أن شراء التذاكر عن طريق الإنترنت في اليوم نفسه غير ممكن. وليس شراء التذاكر أول ما يعرقل دخول الكبار في السن، فالتجول بين صالات المعرض اختبار حقيقي للياقة البدنية للزائر الذي يجد نفسه يسير لمسافات قد تعادل كيلومترات داخل المعرض، وقلة المقاعد في هذه الممرات ميزة واضحة وسيئة في المعرض كل عام. وعلى الرغم من وجود بعض المطاعم والمقاهي، فالزائر معرّض للشعور بالتعب بسرعة غير متوقعة ولن يستطيع العثور على مقهى أو مطعم للجلوس فيه في الوقت المناسب. ولحسن الحظ أن هنالك دائما سيارة إسعاف في المعرض.
من المضحك أن بعض العاملين في أجنحة الشركات المشاركة يغادرون المعرض عائدين إلى بلادهم بعد يومين من افتتاح المعرض، وقبل أن يسمح للجمهور بالدخول لأن الجمهور بالنسبة لهم ليس فقط عديم الأهمية، بل مصدر إزعاج. ولكن أغلب العاملين في أجنحة الشركات لطفاء ومستعدين للإجابة على أي استفسارات من الجمهور، والتي قد تكون كثيرة. وأحيانا تكون هذه اللقاءات العفوية مفيدة بشكل غير متوقع، فقد يقابل كاتب شخصا قادرا على إيصال كتابه إلى وكيل شهير.
قوى الأمن موجودة في جميع أنحاء المعرض بشكل واضح وهم جميعا بالغو الأدب. ومن موظفي الأمن التابعين للمعرض ورجال الشرطة. ووجودهم ذو أهمية بالغة، ففي مثل هذا التجمع الكبير من الناس قد تحدث مشكلة حقيقية، فمثلا وقعت حادثة غريبة في معرض هذا العام، فقد دخلت مجموعة صغيرة من الرجال من شرق آسيا إحدى القاعات حيث توجد دور النشر الصينية، وكان أحدهم مرتديا كمامة كبيرة ونظارات سوداء وأخذ يصيح بشيء غير مفهوم. واذا به يجد نفسه محاطا برجال أمن المعرض والشرطة الذين أمروهم بمغادرة القاعة فورا. وأما الصينيون في المكان، فقام الكثيرون منهم بتصوير ما حدث بهواتفهم باهتمام واضح.
ما ميز معرض هذا العام بالنسبة لي كان التقلص الواضح للحضور العربي. ويعكس هذا الحالة السيئة التي تعاني منها صناعة النشر في العالم العربي وتناقص عدد القراء ومبيعات الكتب. ويدل هذا على أن المجتمع العربي لا يمر بأفضل حالاته، لأن القراءة من مظاهر الاستقرار النفسي والاقتصادي. وقد تفاقمت مشاكل النشر في العالم العربي بسبب العدد المتزايد من دور النشر العربية التي تطالب المؤلفين دفع تكاليف نشر كتبهم. وهي ظاهرة خطيرة في الحياة الثقافية في العالم العربي.
باحث ومؤرخ من العراق