بيروت ـ «القدس العربي»: حملت زيارة أمين عام جامعة الدول العربية نبيل فهمي إلى جنوب لبنان دلالات سياسية ودبلوماسية تتجاوز مجرد جولة ميدانية، لاسيما أنها الزيارة الأولى من نوعها لأمين عام جامعة عربية في ظل الحرب الإسرائيلية الواسعة التي يتعرض لها الجنوب واحتلال عشرات القرى والبلدات وإمعان الجيش الإسرائيلي في سياسة التدمير الممنهج بشكل يومي.
وشملت جولة فهمي قاعدة الزهراني التابعة لفوج التدخل، وبلدة زوطر الغربية حيث زار كنيسة سيدة البشارة وسط إجراءات أمنية مشددة، معلناً أن «ما يحصل في جنوب لبنان غير مقبول، وأن هناك مساعي عربية للضغط على إسرائيل لأنها مستمرة بممارساتها غير المشروعة».
وأفيد عن حصول غضب في صفوف بعض أهالي زوطر الغربية نتيجة اكتفاء أمين عام الجامعة بزيارة الكنيسة الواقعة عند مدخل البلدة ثم المرور في الساحة من دون توقف أو إنزال زجاج السيارة للتحدث مع الأهالي ورئيس البلدية.
وواصل فهمي جولته الجنوبية، ترافقه وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، وزار ثكنة بنوا بركات في مدينة صور، والتقى قائد جنوب الليطاني العميد نقولا ثابت وكبار ضباط الجيش. وقبل لقاء بعيد عن الإعلام، أشار قائد قطاع جنوب الليطاني إلى «الدلالات السياسية والوطنية لزيارة الوفد العربي»، مؤكداً «عمق الروابط العربية وأهمية التضامن مع لبنان في مواجهة التحديات التي تهدد أمنه واستقراره وسيادته».
ولفت إلى «أن الجنوب اللبناني شهد على مدى أعوام مآسي كبيرة جراء الاعتداءات الإسرائيلية، التي خلّفت دماراً في الحجر والبشر وأدت إلى نزوح آلاف اللبنانيين، فضلاً عن المعاناة الإنسانية التي تفوق قدرة لبنان على احتوائها».
أعلن رفضه الاعتداءات الإسرائيلية ومخالفة القرارات الدولية آسفاً لحجم الدمار
وأكد «أن استمرار الاحتلال والمخاطر الأمنية لا يزالان يحولان دون عودة الأهالي الآمنة إلى قراهم واستعادة حياتهم الطبيعية، كما يعيقان انتشار الجيش اللبناني على كامل الأراضي الجنوبية حتى الحدود الدولية المعترف بها».
وختم «أن الجيش اللبناني يواصل أداء واجبه الوطني رغم صعوبة الظروف ومحدودية الإمكانات»، مقدماً التضحيات في سبيل تعزيز الاستقرار وبسط سلطة الدولة».
أما الأمين العام لجامعة الدول العربية فأكد «أن ما يتعرض له المواطنون في جنوب لبنان من اعتداءات إسرائيلية وتجاوزات أمر غير مقبول»، مشدداً على «مسؤولية المجتمعين العربي والدولي في دعم لبنان وتعزيز قدرات مؤسساته، وتمكينه من مواجهة التحديات وتسهيل عودة أبنائه إلى ديارهم»، موضحاً أنه «جاء إلى لبنان انطلاقاً من مسؤوليته وأمانته تجاه الدول العربية وشعوبها من دون استثناء»، لافتاً إلى أنه «حرص منذ توليه منصبه على تعزيز التعاون مع مختلف الأطراف وترجمة العمل العربي المشترك إلى خطوات سياسية وعملية محددة».
اعتداءات غير مقبولة
وأشار إلى «أن أول قرار صدر عن مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في أيلول/سبتمبر الماضي تناول القضية اللبنانية بصورة شاملة، من خلال مقاربة تستهدف معالجة أسباب الأزمة وجذورها، ولا سيما الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الحدود اللبنانية، بما يخالف القرارات الدولية، واستهداف المواطنين اللبنانيين والإمكانات اللبنانية».
وشدد على «أن التوجه العربي يقوم على دعم الدولة اللبنانية وقدرتها على توفير الخدمات للمواطنين، وتعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية ودورها الوطني»، مؤكداً «أن دعم لبنان يشكل التزاماً سياسياً من المجتمع العربي وجامعة الدول العربية، يقوم على معالجة جذور الأزمة وتوفير الإمكانات اللازمة للمؤسسات اللبنانية للقيام بمهامها».
ولفت فهمي إلى أنه «قصد أن تكون زيارته إلى لبنان من أوائل زياراته الخارجية بعد توليه منصبه، نظراً إلى المكانة الخاصة التي يحتلها لبنان لديه، وحرصاً على الاطلاع عن كثب على حجم التحديات التي يواجهها اللبنانيون وقدرتهم على الصمود والبناء في ظل الظروف الصعبة»، وقال «إن اختياره زيارة الجنوب حمل رسالة سياسية إلى أبنائه، مفادها أن العالم العربي، إلى جانب المجتمع الدولي، يدرك حجم المعاناة التي يتعرضون لها، وهو مستعد للوقوف إلى جانبهم من خلال خطوات إيجابية وملموسة».
كما أكد «أن وجوده في الجنوب يهدف إلى توجيه رسالة واضحة إلى الخارج بأن ما يواجهه المواطنون في هذه المنطقة والتجاوزات الإسرائيلية بحقهم أمر غير مقبول، وأن هناك مسؤولية سياسية وأخلاقية وأمنية تستوجب التحرك لمواجهة هذه التطورات وتعزيز قدرات المؤسسات اللبنانية، وتسهيل عودة المواطنين إلى قراهم ومنازلهم، بما يمكّنهم من بناء حاضرهم ومستقبلهم».
وختم بالتأكيد «أن جامعة الدول العربية ستبقى إلى جانب لبنان ومؤسساته وشعبه، وأن أبوابها ستظل مفتوحة أمام التواصل والتعاون»، معرباً عن «شكره للجيش اللبناني على حسن الاستضافة وإتاحة الفرصة لزيارة الجنوب والاطلاع على الظروف الصعبة التي يمر بها».
وتعليقاً على المشهد الميداني في زوطر ومدينة النبطية، وصف فهمي ما شاهده بـ«المؤسف»، معتبراً أنه «يعكس منهجية إسرائيلية تقوم على هدم التجمعات السكنية والاستيلاء على الأراضي ومحاولة تهجير المواطنين، بما يهيئ المجال لاحتمال الاحتلال الإسرائيلي».
وفيما يتعلق بملف إعادة الإعمار، أوضح «أن هذا الملف يرتبط بالتزامات متعددة ويتطلب العمل في قطاعات مختلفة»، مشدداً على «أن المواقف العربية لا ينبغي أن تقتصر على التنديد والاستنكار، رغم وجوبهما إزاء الممارسات الإسرائيلية المرفوضة بحق لبنان، بل يجب أن تُترجم إلى خطوات عملية وبناءة».
الانتهاكات الإسرائيلية
تزامناً، استمرت الانتهاكات الإسرائيلية، وشنّ الطيران غارة على النبطية الفوقا وأطراف كفرتبنيت وحلّق فوق الهرمل وقرى البقاع الشمالي. ونفذت قوات الاحتلال تفجيراً ضخمًا في الخيام، جنوب مدرسة المبرات. وتوغلت دبابة روبوت إسرائيلية من بلدة المنصوري إلى نقطة بالقرب من نقطة للجيش اللبناني عند مدخل البلدة، حيث مكثت لأكثر من نصف ساعة، ومن ثم انسحبت آلية الروبوت وعادت أدراجها من حيث أتت في اتجاه بلدة المنصوري.
مفاوضات عسكرية في تامبا وواوية تحمّل الجيش اللبناني مسؤولية فشل الإجراءات
إلى ذلك، أعلنت بلدية برعشيت أنها «تتابع ملابسات اتصال هاتفي تلقاه أحد المواطنين في البلدة، طُلب منه خلاله إخلاء منزله الواقع أسفل مركز الشؤون الاجتماعية». وأوضحت في بيان أنها «بادرت فور ورود الاتصال إلى التواصل مع الجيش اللبناني لمتابعة الموضوع والتحقق من ملابساته»، مشيرةً إلى «أن الجيش تولى استكمال الإجراءات اللازمة والتواصل مع لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم»، للتحقق من مصدر الاتصال وما إذا كان صادرًا عن العدو الإسرائيلي ويشكل تهديدًا فعليًا». وأضافت أنها «اتخذت إجراءً احترازيًا تمثل في إقفال الطريق المؤدية إلى المكان المعني، كما جرى إخلاء المنزل المستهدف بالتهديد والمنازل المجاورة له، حرصًا على سلامة المواطنين وتفاديًا لأي خسائر بشرية محتملة».
واوية: فشل الاجراءات
في هذه الاثناء، حمّلت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية الجيش اللبناني مسؤولية الفشل كما ادعت في تفكيك البنية العسكرية لـ«حزب الله»، وكتبت على «أكس»: «بموجب التفاهمات التي تم التوصل إليها عام 2024، والتي استندت إليها إسرائيل ولبنان حتى انطلاق عملية «زئير الأسد»، تولى الجيش اللبناني مسؤولية إزالة الوسائل القتالية والبنى التحتية العسكرية التابعة لتنظيم «حزب الله» من جنوب لبنان. إلا أنه فشل في تنفيذ هذه المهمة على النحو المطلوب، ما أتاح للتنظيم مواصلة ترسيخ وجوده العسكري، وتعزيز تسليحه، وإنشاء بنى تحتية عسكرية في المنطقة».
وزعمت «حتى خلال عملية «درع الوطن» التي نفذها الجيش اللبناني عام 2025، استمرت الفجوة الكبيرة بين التصريحات والواقع الميداني، إذ لم تحقق العملية تفكيك القدرات العسكرية للتنظيم، ولم تمنع استمرار أنشطته وتعاظم قوته العسكرية».
أضافت «في كانون الأول/ديسمبر 2025، طُلب من الجيش اللبناني، عبر الآلية الأمريكية، التعامل مع منشأة عسكرية في منطقة كفرا في جنوب لبنان، كان تنظيم «حزب الله» يستخدمها لتخزين وسائل قتالية. وفي وقت لاحق، أعلن الجيش اللبناني أنه اتخذ الإجراءات اللازمة بشأن هذه المنشأة.
ويؤكد الجيش الإسرائيلي «أنه يتوقع من الجيش اللبناني اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا وفعالية للوفاء بمسؤولياته، ومنع وجود الوسائل القتالية والبنى التحتية العسكرية التابعة لتنظيم «حزب الله» في جنوب لبنان. ويواصل الجيش الإسرائيلي رصد محاولات تنظيم «حزب الله» إعادة بناء قدراته العسكرية وتعزيز تسليحه، ولن يسمح بأي خرق يشكّل تهديدًا لأمن دولة إسرائيل ومواطنيها».
وختمت «لقد جرّ تنظيم «حزب الله» لبنان وسكانه إلى الحرب خدمةً لإيران خلال عملية «زئير الأسد»، وأطلق آلاف القذائف الصاروخية، بما في ذلك من مناطق تقع جنوب نهر الليطاني، حيث يُحظر وجود أي عناصر مسلحة أو منشآت عسكرية أو وسائل قتالية لا تتبع للحكومة اللبنانية أو لقوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان «اليونيفيل».
مفاوضات تامبا
وجاء الموقف الإسرائيلي قبيل ساعات على انعقاد جولة جديدة من المفاوضات العسكرية التقنية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي في مدينة تامبا في فلوريدا برعاية أمريكية مباشرة. واذا كانت الآمال ضعيفة بتحقيق اختراقات ملموسة، إلا أن البعض في لبنان يعتبر أن استمرار المسار التفاوضي يُبقي باب المعالجة مفتوحًا. وقد حمل الوفد العسكري اللبناني مطالب لبنان، مركزاً على المسائل العسكرية التي تهم البلد، وفي مقدمتها وقف الجرف الإسرائيلي للبلدات ووقف القصف وعمليات التفجير، والالتزام بوقف إطلاق النار والانسحاب وعودة الأسرى وعدم استهداف المواطنين في المناطق المحاذية للخط الأصفر الذين يحاولون قطاف محصولهم من الزيتون.
وتزامن ذلك مع مواقف لوزير الحرب يسرائيل كاتس قائلاً: «أي إطلاق نار أو مسيرات نحو إسرائيل سيقابل برد قوي يستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت».