لم ينتظر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أكثر من 7 دقائق كي يسارع إلى استغلال التأييد العلني الصريح الذي منحه إياه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل 9 أيام من انتخابات الكنيست المقبلة، فشكره على الصفة «الهائلة» لذلك الدعم، وشدد على «العمل المشترك» و»إنجاز المهمة». وفي فيديو خاص باللغة الإنكليزية، لم يغفل عن ردّ الجميل، فقال إن «العالم محظوظ، وأمريكا محظوظة، وحلفاء أمريكا محظوظون، وإسرائيل محظوظة، والشعب اليهودي محظوظ، بوجود زعيم مثل ترامب».
والمنطق العام خلف ذلك التأييد، الذي حرص الرئيس الأمريكي أن يبدو مطلقاً وغير مشروط حسب تعبيره، يعطي مصداقية لتقارير صحافية أفادت بأنه لم يصدر إلا بعد نقاش محتدم داخل البيت الأبيض، بين فريق أول عارض التدخل العلني في الانتخابات الإسرائيلية جرياً على تقليد التزم به معظم رؤساء أمريكا، وفريق مقابل ساجل لصالح انتشال نتنياهو من مآزقه لأنه يخدم مصالح الولايات المتحدة وينقذ دولة الاحتلال ذاتها.
ومنذ أسابيع باتت واضحة التباينات بين مواقف ترامب ونتنياهو حيال قضايا عديدة، في طليعتها حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة، وتنفيذ وقف إطلاق النار وتنفيذ خطة ترامب، والحرب المشتركة التي بدأتها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال ضد إيران أواخر شباط/ فبراير الماضي. كذلك سبق للرئيس الأمريكي أن أعلن، قبل أيام قليلة فقط، أنه لم يعد يتدخل في السياسة داخل بلده أو في الخارج، على نقيض ما درج عليه عملياً.
وليس من دون مغزى كبير، بالتالي، أن يذهب تأييده لنتنياهو إلى درجة التلويح بأنّ أي سياسي إسرائيلي سواه سوف يكون «الزعيم الخطأ»، وسيُلزم أمريكا وحدها بإكمال «المهمة» ضد إيران، وهذا ما لا تفضله واشنطن. كذلك لم يتأخر ترامب عن إغداق صفات «الشجاع» و»القوي» و»اللامع» و»الشريك» على نتنياهو، هو نفسه الذي لم يتردد قبل زمن قصير مضى في توصيف رئيس حكومة الاحتلال بمفردات مقذعة.
سلوك نتنياهو في توظيف تأييد ترامب كان منتظراً بالطبع، وليس فقط من واقع غريق يتشبث بأي قشة، فكيف إذا جاء الانتشال من رئيس القوة الكونية الأعظم على الأرض، ما خلا أن الإفراط في التعبير عن الشكر والامتنان كشف المزيد من عناصر التأزم في صفوف نتنياهو وائتلافه الحاكم، حيال مؤشرات عديدة تؤكد تراجع حظوظه حسب استطلاعات الرأي، وما يمكن أن تسفر عنه هذه النتيجة من عواقب شخصية قضائية وسياسية.
وفي التعليق على تدخل ترامب الفاضح لصالح نتنياهو في انتخابات الكنيست، كان سلوك معظم شخصيات «المعارضة» الإسرائيلية قياسياً بدوره، اختلطت فيه خطابات النفاق والحرج والاستياء، لجهة التنافس في امتداح الرئيس الأمريكي والإطناب في احترامه من جانب أول، ومن جانب ثان اجترار المقولة المستهلكة بأن دولة الاحتلال «ديمقراطية» والإسرائيليون وحدهم أصحاب الحق في تقرير نتائج انتخاباتها.
ولن يتأخر الوقت حتى يتضح أن تدخل ترامب في انتخابات الكنيست لم يستهدف انتشال نتنياهو بقدر ما سعى إلى إنقاذ دولة الاحتلال من سيرورة انحدار حثيث نحو أكثر من هاوية.