رواية الوعي في زمن الغُبار


رواية «غُبار الخيول» للروائي العراقي علي لفتة سعيد، تشكل فضاء مشحونا بالأسئلة والمساءلة والقلق والتأمل والتيه؛ فالرواية، منذ عتبتها الأولى، تضع القارئ أمام شكٍّ عميق في التاريخ بزعمه حقيقة نهائية، وتتعامل معه على أنّه سردية قابلة للنقد والتفكيك، أو كما توحي إشاراتها الأولى؛ طبقة ظاهرة تخفي تحتها كتلا من المعنى والدم والالتباس. ومن كل ذلك، يمكن القول إنّ الرواية تتأسس على مشروع فكري وجمالي في آنٍ معا، مشروع يسعى إلى إعادة قراءة الواقع عبر الذات، لا عبر الوقائع وحدها.
بين الصهيل والغُبار
يحمل عنوان الرواية، «غُبار الخيول»، مفتاحها التأويلي الأعمق؛ فالخيول، في رمزيتها التاريخية، تُحيل إلى الحروب والغزوات وصهيل القوة الذي يعبر الأرض ويترك أثره، بينما يُحيل الغُبار إلى ما يتبقى من هذا العبور؛ أثر هشّ، عالق في الهواء، يحجب الرؤية بقدر ما يكشفها. وبين هذين القطبين، يتحرك النص كله؛ فالرواية لا تنشغل بالفعل التاريخي في لحظته الصاخبة، وإنّما بما يخلّفه في النفس والذاكرة، وكأنّها تقول إننا لا نعيش التاريخ نفسه، ولكن نعيش غُباره وآثاره. أما الصهيل، الذي يتردد كصدى، فيحضر بوصفه صوت الماضي الذي لا يغيب، ويتحوّل إلى أثر نفسي يلازم الإنسان ويعيد تشكيل وعيه.
رحلة الخارج والداخل
تبدأ الحكاية من سفر الشاعر العراقي أمجد، إلى تونس للمشاركة في مهرجان شعري، لكنها سرعان ما تتجاوز حدود الرحلة الجغرافية لتتحول إلى رحلة داخل الذات، حيث يحمل أمجد معه ذاكرة عراقية مُثقلة بالحروب والتحوّلات، تبدأ باستدعاء تاريخي مُكثف للعراق، من الملكية إلى الانقلابات إلى الاحتلال الأمريكي، حيث يظهر التاريخ كمسار دموي متكرر لا يكف عن إعادة إنتاج ذاته. وفي تونس، يجد أمجد نفسه في فضاء مختلف، أكثر انفتاحا ومرونة وانسجاما. غير أنّ هذا الانتقال لا يحرره، بل يكشف عمق اغترابه؛ فكل مشهد خارجي في تونس يستدعي داخله مشهدا من بغداد أو كربلاء، وكل تفصيل يومي يتحوّل إلى مدخل لتأمل أوسع في التاريخ والإنسان. وهكذا، لا تتقدم الرواية عبر حبكة تقليدية، وإنّما عبر تراكم الوعي، حيث يصبح التفكير نفسه حدثا.
وجوه متعددة لإنسان واحد
الشخصيات في الرواية لا تُبنى بوصفها كيانات مستقلة بقدر ما تمثل أبعادا متعددة للإنسان ذاته، فأمجد هو المثقف القلق، الذي يرى أكثر مما يحتمل، ويغرق في الأسئلة، من دون أن يبلغ اليقين، وهو لا يعيش الحدث بقدر ما يفكر فيه، ولا يشارك في العالم بقدر ما يتأمله، وهذا ما يجعل رحلته إلى تونس رحلة وعي لا رحلة جغرافية. وفي مقابل هذا الوعي المتردد، يقف الشاعر مسعد العراقي بوصفه نقيضا حادا، شخصية تعيش الحياة كما تشتهي، من دون أن تثقل نفسها بالتأمل، وكأنّها تمثل الجسد في مواجهة الفكر، وهو في الوقت ذاته، مرآة تكشف نقص أمجد بقدر ما تكشف اختلافه. أما عبد الناصر، الأخ الأكبر لأمجد، فيجسد المسار الروحي، الباحث عن الحقيقة عبر التصوف، في محاولة لتجاوز هذا العالم نحو يقينٍ أعلى، كما أنّه يمثل الضمير الفلسفي للرواية، أو العقل الذي يرفض السطح ويغوص في العمق، حتى لو قاده ذلك إلى الحيرة.
وبين هذه المسارات الثلاثة، يظهر «الجنرال» كصوت داخلي، وعيٌ موازٍ يراقب ويوجه ويعلّق ويكسر حالة التردد، محوّلا الصراع النفسي إلى حوار شبه درامي داخل الذات، وهو تجسيد فني للوعي الداخلي لأمجد، من خلال الأنا الثانية أو العقل المراقب أو الضمير/الناقد الداخلي، ووجوده يكشف أنّ أمجد غير متماسك داخليا، ويعيش انقساما بين مَنْ يفكر ومَنْ يفعل، وهذا الانقسام هو جوهر الرواية؛ صراع بين الذات التي تشعر، والذات التي تحاول أن تقود. وبهذا، لا تبدو هذه الشخصيات منفصلة، وتشكّل منظومة فكرية واحدة؛ فأمجد يمثل الذات القلقة الباحثة، ومسعد نموذج الجسد المنغمس في الحياة، وعبد الناصر يرمز للعقل الروحي الباحث عن المطلق، والجنرال هو الوعي الداخلي المنظّم، وكأنّها وجوه متعددة لإنسان واحد، موزع بين التفكير والعيش والإيمان والمراقبة.
مستويات السرد وحديث النفس
تتميز الرواية بعمقها الفكري، وثراء لغتها، وقدرتها على بناء عالم نفسي متماسك، وتتداخل فيها عدّة مستويات سردية، تتمثل في: مستوى واقعي حول تفاصيل السفر واللقاءات والشوارع والمقاهي، ومستوى نفسي يتمثل في القلق والوحدة والاغتراب والحنين، ومستوى فكري يدور حول أسئلة الدين والسلطة والهوية ومعنى الوجود، ومستوى جمالي يتبلور في حضور الشعر بوصفه ملاذا ووسيلة لفهم العالم. كما ينهض بناء الرواية السردي على التداعي الحر، حيث تتنقل بين الحاضر (تونس)، والماضي (العراق)، والحوار الداخلي (الجنرال/ الصديق الداخلي)، والتأملات الفكرية. وهذا التقطيع لا يُضعف النص، وإنّما يعكس طبيعة الوعي الممزق للشخصية، ويجعل القارئ شريكا في إعادة تركيب المعنى.
وتعتمد الرواية على المونولوج الداخلي بوصفه تقنية مركزية، حتى يكاد السرد كله يتحول إلى حديث مع النفس، ولا يكتفي هذا المونولوج بالكشف، بل يصنع الحدث، ويخلق توترا داخليا يُغني عن الصراع الخارجي. وهو أيضا ما يمنح اللغة طابعها الشعري، حيث تأتي الجمل مُشبعة بالصور والاستعارات، قادرة على تحويل التفكير إلى تجربة جمالية. غير أنّ هذا الخيار الجمالي، الذي يضع الفكرة في مركز السرد، يأتي على حساب الحبكة التقليدية؛ فالأحداث محدودة، والإيقاع بطيء في مواضع كثيرة، وهذا ينسجم مع طبيعة الرواية بوصفها رواية تأملية، تنتمي إلى ما يمكن تسميته «رواية الوعي» أكثر من انتمائها إلى «رواية الحكاية».
مساءلة العالم
تتسم رواية «غُبار الخيول» بروح نقدية واضحة، ولكنه نقد متخفٍ داخل السرد والتأمل والذاكرة؛ فالرواية لا ترفع شعارات، ولكن تطرح أسئلة، وتفكك المسلّمات، وتكشف التناقضات عبر تجربة شخصية تبدو بسيطة (سفر شاعر)، لكنها تنفتح على قضايا كبرى. وهذه الروح النقدية لا تتجه إلى جهة واحدة؛ إنّها توجه سهامها إلى: نقد التاريخ الرسمي بوصفه سردية ملتبسة حين يصبح الماضي كذبة متفقا عليها، ونقد السلطة السياسية كقوة تعيد إنتاج نفسها مهما تغيّرت أشكالها، ونقد استغلال الدين المتحوّل إلى أداة ومساحة متوترة بين الإيمان الحقيقي والتوظيف السياسي، ونقد المثقف ككائن مأزوم يمتلك الوعي لكنه يعاني العجز والانشغال بالذات، ونقد المجتمع المتأرجح بين التناقض والازدواجية، ونقد الذات المترددة الخائفة العاجزة، ونقد الحداثة المشوّهة بانفتاح بلا جذور.
وأمجد، في هذا السياق، ليس بطلا، إنّه شاهد، يرى بوضوح، لكنه يتحرك في عالم مغطى بالغُبار. وهذه الصورة، على قسوتها، تبدو صادقة، لأنّها تنبع من داخل التجربة، لا من خطاب خارجي.
مرايا متقابلة
من خلال تجربة السفر، تنشأ مقارنة ضمنية بين العراق وتونس، لا بوصفهما بلدين منفصلين، ولكن كحالتين من المعاناة وخيبة الأمل وانكسار الأحلام مع اختلاف نسبي؛ فالعراق يظهر كثقلٍ تاريخي ونفسي، مُشبع بالعنف والدم والخوف، حيث يهيمن الماضي على الحاضر، مع نفوذ واضح للقيود الاجتماعية والدينية، ونزعة إلى تأليه القائد، وارتباط عاطفي بالسلطة حتى في نقدها. بينما تبدو تونس فضاء أكثر انفتاحا ووعيا وحرية، يسمح بالحياة اليومية أن تتنفس، وتغيرات بلا دماء وصراعات داخلية. وتأتي العلاقة المميزة بين أمجد ومثقفي تونس ممثلة بخيري ونجم وفوزي دليلا على العلاقات القوية بين الشعوب، وأنّ مستقبل الأمة مرهون بالشعوب لا بالحكام.
وعلى أي حال، فإنّ الرواية لا تسقط في فخ التبسيط، إذ تشير إلى أنّ القلق حاضر في الحالتين، وإن اختلفت درجته، وأنّ الإنسان العربي، في النهاية، يظل ممزقا بين ماضٍ لا ينتهي وحاضرٍ لا يستقر.
وبعد؛ فإنّ «غبار الخيول» الصادرة عام 2025 في السويد عن دار ميزر للنشر والتوزيع، رواية تراهن على القارئ الذي يشارك في التفكير ولا يقتصر على المتابعة. إنّها رواية غير معنيّة بتقديم إجابات جاهزة، ولكنها تفتح أبواب الأسئلة، وتترك القارئ في مواجهة ذاته والعالم. والخيول، في هذا النص، ليست سوى لحظة عابرة، أما الغُبار، فهو ما يبقى، ما يلتصق بالذاكرة، ويعيد تشكيل الرؤية، وربما في هذا الغُبار، بكل ما يحمله من التباس وهشاشة، تكمن الحقيقة الوحيدة الممكنة؛ أنّ الإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما يتراءى له عبر ما علق به من أثر.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *