لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “صنداي تايمز” تحقيقا أعده محرر قسم التحقيقات غابرييل بوغروند وفينيسيا مينزيس وإيمانويل ميدولو قالت فيه إن القوات الجوية البريطانية الخاصة (أس إي أس) أرسلت في 3 تموز/يوليو 2022، مجموعة من قواتها إلى واحد من أخطر المناطق في العالم، وكان الهدف هو دحر تنظيم الدولة الإسلامية.
وفي تلك الليلة، في صحراء سوريا، كلفوا بالقبض على زعيم إحدى خلايا التنظيم، ومضوا في أراضي العدو باتجاه هدفهم. وفي الظلام، تعرض خمسة جنود لإطلاق نار، واتخذوا قرارا، ظنا منهم أن حياتهم في خطر، لاحقوا العدوين اللذين كانا في مرمى بصرهم وأطلقوا النار عليهما فأردوهما قتيلين.
وعندما فتشت القوات الجوية الخاصة الموقع، أكدت الاستخبارات المحلية أن هدفهم كان من بين الجثث، ثم عادوا إلى مجموعتهم واختفوا تحت جنح الظلام الليل. وقد برأت مراجعة أولية الرجال، وخلصت إلى أنهم تصرفوا دفاعا عن النفس. لكن الأمور لم تكن كما بدت، ما حدث لاحقا أغرق القوات الخاصة البريطانية في أزمة حقيقية.
وفي البداية، بدأت تظهر على الإنترنت مزاعم بوقوع ضحايا مدنيين. ثم أحال مدير القوات الخاصة البريطانية الجنود إلى الشرطة العسكرية. وفي غضون أيام، أُلقي القبض على الرجال الذين أطلقوا النار، وكان بعضهم يؤدي واجبه في قواعد سرية في سوريا والعراق. ودهمت منازل آخرين وخضع جميعهم للتحقيق بتهمة القتل المزدوج، ما يعني أنهم يواجهون عقوبة السجن المؤبد.
وبعد 48 ساعة من استجوابهم، أُعيدوا إلى ساحة المعركة، حيث قفزوا بالمظلات من المروحيات لتنفيذ غارات خلف خطوط العدو في نفس المنطقة الخارجة عن القانون في سوريا. وتبع ذلك ثلاث سنوات من الترقب والانتظار. واجه الجنود ضغطا نفسيا هائلا جراء خوضهم المعارك بينما يخيم شبح السجن المؤبد عليهم. وفي العام الماضي، برئ الرجال، ولكن مع التحفظ على إمكانية إعادة فتح القضية في أي وقت.
وأثارت هذه التداعيات تساؤلات وجودية حول مستقبل الوحدة، التي كانت تعتبر لعقود “جوهرة التاج” في القدرات العسكرية البريطانية. واليوم، تفقد القوات الخاصة البريطانية جنودا أكثر خبرة من أي وقت مضى.
وقد أحاطت السرية وعلى مدى أربع سنوات، كبار قادة القوات الخاصة وحمتهم من التدقيق، إلا أن فريق التحقيقات التابع لصحيفة “صنداي تايمز، “إنسايت”، جمع شهادات شهود عيان ووثائق مسربة ومعلومات استخباراتية من مصادر مفتوحة ما يعني إمكانية سرد القصة كاملة لأول مرة.
وبحلول تموز/يوليو 2022، كان التنظيم يخوض معركته الأخيرة خارج دير الزور، في القرى التي يسيطر عليها الأكراد والممتدة على ضفاف نهر الفرات. وكانت آخر بؤرة توتر هي قرية الزير التي تقع على ضفاف النهر وتضم نحو مئة منزل.
وبات التنظيم يقود حرب عصابات، وكان العدو خفيا ويتألف من خلايا لا يتجاوز عدد أفرادها في الغالب خمسة أشخاص، يحملون أحزمة ناسفة وأسلحة.
وكانوا يخرجون من الريف، من نقاط تفتيش الكمائن التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهي الميليشيا الكردية المتحالفة مع الغرب، ثم يختفون. وبينما كان التنظيم يعدم المخبرين المشتبه بهم ويلصق ملصقات على المساجد تتوعد بالقتل للخونة، كان المدنيون يعيشون في خوف. وفي الغرب، لم يحظ العنف المستمر إلا باهتمام ضئيل. وكان الرئيس ترامب قد أعلن النصر على التنظيم خلال ولايته الأولى، مدعيا أن الخلافة “تم القضاء عليها تماما”. أما رئيس الوزراء البريطاني في حينه، بوريس جونسون، الذي كان منشغلا آنذاك بكورونا والحرب الأوكرانية، فقد وصفها بأنها “فاشلة ومتفككة”. ومع ذلك، على الأرض، كان التحالف الغربي المناهض لتنظيم، الذي تشكل خلال الحرب الأهلية السورية، لا يزال قائما، ولم ينه المهمة.
وكلفت القوات الخاصة باستئصال التنظيم الإرهابي قرية قرية وشارعا شارعا. وتطلبت مهمة سوريا القفز من المروحيات في جنح الظلام إلى أراضي العدو.
لكن مهمة المجموعة كانت أعقد، وهي القبض على الهدف أو الأهداف ونقلهم إلى مناطق الأكراد. وهناك، كان يتم استجواب المعتقلين للحصول على معلومات استخباراتية حول التسلسل الهرمي المتغير للتنظيم والحصول على معلومات عن مخططات إرهابية محتملة على الأراضي الغربية.
وفي 3 يوليو، تلقت القوات الخاصة البريطانية أوامرها الأخيرة: القبض على هدف يطلق عليه الاسم الرمزي “برافو وان” ويقيم في الزير. وقد تم التعرف عليه كقائد خلية نائمة تابعة للتنظيم، مسؤولة عن هجمات دامية على القوات الكردية. ولأسابيع، كانت أجهزة الاستخبارات الغربية تدرس “نمط حياته” وأصبح لدى محلليها صورة واضحة عن مكان إقامته ومكان نومه والأوقات التي يكون فيها أكثر عرضة للاعتقال. كما كانوا على دراية بالمخاطر التي يشكلها.
ويبدو أن “برافو وان” كان يتميز بقيادته دراجة نارية وهو يرتدي حزاما ناسفا وبندقية كلاشينكوف معلقة على كتفه، في دلالة على التحدي في منطقة تسير فيها القوات الكردية دوريات منتظمة. وكانت قوات العمليات الخاصة تقترب من المصفاة عندما أظهرت لقطات كاميرات المراقبة دخول “برافو وان” إلى مجمعه ليلا. وبحسب مصادر، غير “برافو وان” نمط حياته، وخرج من المجمع برفقة ثلاثة من معاونيه. متحدين حظر التجول المحلي وساروا حوالي 100 متر وتوجهوا إلى مبنى صغير مهجور.
وكانت المخابرات الكردية قد حددت المبنى على أنه مخبأ أسلحة للتنظيم، حيث عثر لاحقا على أحزمة ناسفة في الموقع. وغيرت قوات العمليات الخاصة البريطانية مسارها وتوجهت إلى هناك بالسيارة. وتماشيًا مع البروتوكول، أعاد الجنود التأكيد على هدفهم ، “المهمة هي اعتقال برافو وان” – قبل انطلاقهم في الليل. وكانت القوات على بعد دقائق من الهدف عندما أثار “برافو وان” مخاوف جديدة. فقد غادر هو ومرافقوه مخبأ الأسلحة هذه المرة متجهين عبر قناة نحو مبنى غير مألوف محاط بمراع مفتوحة، وبينما لا تزال الأسباب غير واضحة، يحتمل أن تكون المجموعة قد تلقت معلومات مسبقة، أو سمعت أصوات المركبات القادمة.
وخلال مرحلة التخطيط، أفادت مصادر أن بعض جنود القوات الخاصة البريطانية (حاولوا دون جدوى اتباع نهج أكثر سرية باستخدام سيارات غير مدرعة. ولم يتراجع موكب القوات الخاصة، بل انطلق مسرعا عبر أزقة الزير الخلفية باتجاه الموقع الجديد. وتوقف الجنود على بعد حوالي مئة متر، ورتبوا سياراتهم في تشكيل، ثم ترجلوا منها بتنسيق تام لتنفيذ عملية الاعتقال. وأصبح “برافو وان” ورفاقه الثلاثة الآن في مرمى البصر. ووفقا لجندي كان حاضرا، ففي غضون ثوانٍ من نزولهم من السيارة وضبط نظارات الرؤية الليلية، سمعوا صوتا مألوفا، صوت “الفرقعة والدوي” الناتج عن اختراق الرصاص لحاجز الصوت أثناء تحليقه فوق رؤوسهم. تبع ذلك المزيد من الأصوات. كان من المستحيل تحديد مصدر إطلاق النار.
وبينما كان الجنود يستعيدون مواقعهم، رأوا مجموعة برافو وان تنقسم. انطلق رجلان في اتجاه واحد، واختفيا في الظلام. كانت القوات الخاصة البريطانية تأمل أن تتمكن المروحية من تحديد موقعهما، لكن نظام الاتصالات تعطل. وعلى الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلها كلب عسكري، لكنّ الهدفين فُقدا.
وشعر الجنود في الموقع بالانكشاف، إذ لم تخفف الرؤية الليلية سوى جزء من الظلام، وتضاعفت المخاطر التي سعوا للحد منها بتخطيط دقيق كل ثانية. واتخذ قائد فريق القوات الخاصة البريطانية على الأرض قرارا. سمح لرجاله بمطاردة الاثنين.
ووفقا لتقارير محلية، استخدم المترجمون الأكراد مكبرات الصوت للمطالبة باستسلامهما، لكنهما رفضا. وبدلا من ذلك، تحرك الاثنان في أرجاء الميدان، وانبطحا مرارا على بطونهما في وضع وصفه الجنود لاحقا بأنه يشبه وضع إطلاق النار. ثم نهضا، وانبطحا مجددا، يتحركان جيئة وذهابا فوق التضاريس الوعرة، يصعب تمييز حركاتهما، لكن جسديهما ظلا يواجهان القوات الخاصة البريطانية. اعتقد جنود القوات الخاصة البريطانية أن حياتهم في خطر. قال أحد المشاركين: “هناك الكثير من الأمور كانت تحدث في وقت واحد، وكنت مقتنعا بأننا نواجه تهديدا بالغ الخطورة”.
وفي حوالي الساعة 11:49 مساء، أطلق أربعة رجال النار، في إشارة إلى الضغط على الزناد، ما أدى إلى مقتل الشخصين الظاهرين في الصورة على الفور. وبينما كان الشخصان الآخران طليقين، تحركت القوات الخاصة والأكراد نحو الجثث للتحقق من وجود أي علامات حياة، وجمع أي أدلة، ثم المغادرة بأسرع وقت ممكن. ووفقا لشهادات شهود عيان تم إبلاغ رؤسائهم بها لاحقا، لم يعثروا على أي أسلحة بحوزة أي من الجثتين، أو في المنطقة المحيطة مباشرة. وأكد الأكراد أن “برافو وان” كان من بين القتلى، وعلى إثر ذلك، غادر الموكب. وكانت القوات الخاصة تعرف أنها لم تنجز المهمة كما هو مخطط لها، فقد كان هدفهم هو القبض على “برافو وان”، لا قتله. ومع ذلك، في ظل هذه الظروف، اعتقدوا أنهم تصرفوا ضمن قواعد الاشتباك.
وظهرت المفاجأة الأولى على الإنترنت بعد أقل من 24 ساعة من المواجهة، وكان المتحدث هو “برافو وان”. على الرغم من أن الأكراد تعرفوا عليه في البداية كأحد مطلقي النار، إلا أن أجهزة الاستخبارات الغربية عثرت على مقطع فيديو مباشر على فيسبوك يظهر فيه وهو ينفذ هجوما على نقطة تفتيش محلية. ووفقا لمصدر، فقد توعد بالانتقام لـ”إخوانه في تنظيم الدولة” قبل إطلاق النار على الجنود المحليين. وبالتزامن مع ذلك، بدأت التقارير تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية، متحدثة عن القتلى.
وكانت هيئة الإذاعة والتلفزيون السورية الرسمية من أوائل من نشروا هذه التقارير، حيث ذكرت أن مروحيات أمريكية نفذت غارة أسفرت عن “استشهاد” مدنيين اثنين، واصفة أن “إطلاق نار الكثيف” يعكس “سياسة الاحتلال الأمريكي” لقمع السكان. وزعم تقرير ثان أن الأكراد، وليس الأمريكيين، هم من أطلقوا النار على المدنيين، واصفا ذلك بأنه “انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان” يجب “محاسبة مرتكبيه ووصفت عدة منشورات القتلى بأنهم مراهقون.
وتبين لاحقا أن هذا صحيح على الأرجح. أما التفاصيل الأخرى فكانت غير صحيحة. وكان أحدهم محمد فاتح خلف الدهام، الذي قيل إنه كان يبلغ من العمر 17 عاما. نشأ في دير الزور، المدينة المجاورة. وكان والده رجل دين قضى 12 عاما في السجن بتهمة الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين. أما الثاني، فاسمه عبدالله، وزعمت تقارير محلية أن عمره 14 عاما من حلب.
بعد أيام من التطورات في الزير، بدأت قيادة القوات الخاصة مراجعة لحادثة إطلاق النار، وهي عملية داخلية تهدف إلى التحقق من التزام الجنود بالقواعد خلال فترة الانتشار. ويطلب من الجنود التريث قبل اتخاذ قرار إطلاق النار، وتوضيح سياق تصرفاتهم، ليس فقط ما حدث، بل وأسبابه. وكان الجنود على ثقة بأنهم استخدموا السلاح في محله أو “كارد ألفا”والذي يؤكد بحروف عريضة أن “استخدام السلاح الناري يجب أن يكون الملاذ الأخير”.
وفي النهاية كشف التحقيق أن الخمسة الذين شاركوا في العملية أدخلوا بقرارهم القوات الخاصة في أزمة. وواجهوا تحقيقا استمر ثلاث سنوات بتهمة القتل، بعد إطلاقهم النار على شخصين، تبين لاحقا أنهما مراهقان يعملان لصالح التنظيم.