علماء يكتشفون بقايا بشرية في الدول الاسكندنافية تعود لـ1500 سنة… هذه دلالتها


الدنمارك ـ «القدس العربي»: تؤكد دراسة جديدة حول بقايا بشرية من الدول الاسكندنافية أن حياة الفايكنغ (وهي الشعوب التي كانت تعيش في العصور القديمة في منطقة شبه الجزيرة الاسكندنافية) كانت تتسم بالعنف الشديد، سواء في ساحات المعارك أو في الحياة اليومية.

ورغم أن معظم الأدلة المتعلقة بالحياة والموت في عصر الفايكنغ تستمد عادةً من تلال الدفن والمقابر الجماعية، فقد عثر الباحثون على ما يقرب من 200 جثة خارج هذه المواقع المعتادة. وعثر العلماء على آثار لجثث موضوعة داخل الآبار، ومدفونة تحت أساسات قاعات الولائم، بل وأُخفيت تحت أرضيات المنازل الخشبية، بحسب ما أوردت العديد من التقارير الغربية التي استعرضت هذه الاكتشافات واطلعت عليها «القدس العربي».
وتكشف هذه البقايا غير المعتادة عن مستويات صادمة من العنف، بما في ذلك جماجم مهشمة وأذرع مكسورة، وحالة لامرأة قُطعت عظمة ساقها إلى نصفين.
وقد كشف علماء آثار من مشروع «BODY-POLITICS» عن 12 جثة تحمل آثار إصابات عنيفة، وتعود لفترة زمنية تمتد لـ1500 عام، تشمل العصر الحديدي وعصر الفايكنغ (من عام 500 قبل الميلاد إلى عام 1050 ميلادي).
ومن بين هذه البقايا غير المعتادة، تعرضت ثماني حالات لأعمال عنف متعمدة ومميتة أحياناً، حيث عانى بعض الأفراد من جروح متعددة على مر السنين.
ورغم صعوبة تحديد الأسباب الدقيقة لهذه الإصابات، يرجح الباحثون أنها قد تكون ناجمة عن عنف منزلي، أو شجارات داخل المجتمع المحلي، أو حروب ونزاعات.
ومع ذلك، ثمة مؤشرات مقلقة تشير إلى أن بعض المتوفين ربما كانوا ضحايا لعنف طقسي أو حتى لعمليات تقديم قرابين بشرية.
وتميزت الألفية الأولى بعد الميلاد في الدول الاسكندنافية بصعود كيانات سياسية موحدة (مثل المشيخات والممالك)، ونشوء أيديولوجية المحاربين، وبداية غارات الفايكنغ.
ومع ذلك، ورغم هذا التاريخ المضطرب، فإن الأدلة على الموت العنيف في تلك الفترة تُعد قليلة ومفاجئة، فقد وجدت دراسة حديثة لمقابر تعود لعصر الفايكنغ في السويد أن معدلات الإصابات الجسدية العنيفة تتراوح بين 0.7 و6 في المئة فقط. لكن هذه الدراسات تقتصر على الأشخاص الذين حظوا بامتياز الحصول على مراسم دفن لائقة وفقاً للطقوس الدينية السائدة آنذاك.
ويدرك الباحثون اليوم بشكل متزايد وجود عدد من الجثث التي حُرمت عمداً من الحصول على مثوى أخير طبيعي، كما تكشف بعض هذه الجثث عن حيوات اتسمت بعنف ووحشية مفرطين.
وفي تصريح لصحيفة «دايلي ميل» البريطانية، قالت الباحثة الرئيسية البروفيسورة ماريان هيم إريكسن، من المتحف الوطني الدنماركي: «نعلم أن المجتمعات التي تحتفي بالعنف والعدوان الظاهرين في وقتنا الحاضر، تميل أيضاً إلى تسجيل معدلات مرتفعة من الاضطراب والتوتر داخل المنازل وفي المجتمعات المحلية».
وأضافت: «قد نكون بصدد تكوين لمحة عما كان عليه الحال في العصر الحديدي وعالم الفايكنغ من حيث تشبّع الحياة بالعنف، وكيف كان الناس يفسرون هذا الواقع ويتعاملون معه، أو -في جانب أكثر قتامة- كيف كانوا يحتفون به». وعُثر على أحد الرجال، الذي كان في أوائل الثلاثينيات من عمره عند وفاته، داخل قاعة ولائم ملكية في موقع «جاميل ليجري»، وهي القاعة التي يُحتمل أنها كانت مصدر إلهام لقصيدة «بيوولف» الملحمية الأنكلوساكسونية. واللافت للنظر أن هذا الرجل كان قد عانى من ثلاث إصابات بالغة في الجمجمة قبل وفاته؛ أحدثها كانت كسراً ضخماً متشعباً يبدو أنه نجا منه لبضعة أسابيع.
كما تظهر على ساعدي الرجل آثار ما يُعرف بـ«كسور الصدّ»، وهي إصابات تنجم عادةً عن محاولة الشخص حماية رأسه من الضربات باستخدام ذراعيه. لكن ما يجعل هذه الجثث غريبة حقاً هو أنها غالباً ما كانت تُبتر أو تُقطّع إلى أجزاء، وتُترك عرضة للعوامل الجوية، ثم تُدفن في نهاية المطاف داخل المنازل أو في الأماكن العامة.
وتقول البروفيسورة إريكسن: «لم تقتصر المعاملة المختلفة على حياة هؤلاء الأفراد فحسب، بل امتدت لتشمل معاملتهم بعد الموت أيضاً». ففي إحدى قرى العصر الحديدي بمنطقة «يوتلاند» في الدنمارك، عثر علماء الآثار على جزء من جمجمة تعود لطفل ذكر يتراوح عمره بين عامين وأربعة أعوام. وتظهر على الجمجمة آثار إصابة في الجانب الأيمن من الرأس، ربما تكون ناجمة عن ضربة بسيف أو سلاح آخر ذي نصل ثقيل.
ولم يقم السكان بحرق جثمان الطفل، كما كانت تقتضي الممارسات المعتادة آنذاك، بل وضعوا جزءاً من الجمجمة تحت أرضية منزلهم. وهذا يعني أن السكان كانوا يسيرون بانتظام فوق الأرضية، بينما كانت جمجمة الطفل تقبع تحت أقدامهم. في موقع استيطاني آخر في «ليندفيد» بالدنمارك، عثر علماء الآثار على رفات امرأة يتراوح عمرها بين 17 و25 عاماً، كانت قد دُفنت داخل حفرة مخصصة للطهي.
وإلى جانب العديد من آثار القطع الأخرى، كانت عظمة الساق اليسرى مقطوعة تماماً إلى نصفين بفعل سلاح حاد.
ويرجح العلماء أن تكون هذه الضربة هي التي أودت بحياتها، أو أنها كانت جزءاً من عملية تعامل مكثفة مع جثتها خلّفت آثاراً متعددة للقطع والحرق.
ولا يزال علماء الآثار عاجزين عن فهم حقيقة هوية هؤلاء الأشخاص، أو سبب استهدافهم تحديداً بمثل هذه المعاملة العنيفة.
ومع ذلك، يعتقد الباحثون أن تلك المعاملة ربما انطوت على جانب طقسي. حيث يقول البروفيسور إريكسن: «لا يمكننا أبداً فهم طريقة تفكيرهم بشكل كامل، ولكن يمكننا القول -بناءً على استنتاجات منطقية- إنهم ربما أرادوا الاحتفاظ بعظام أفراد معينين من الموتى بالقرب منهم، أو أن العظام ذاتها أو مشهد العنف قد ولّد نوعاً من القوة أو الجوهر الخاص».
وفي الواقع، تُظهر بعض الجثث التي كشف عنها علماء الآثار أدلة قد تشير إلى أن أصحابها كانوا ضحايا لطقوس تقديم القرابين البشرية.
وقد صرح الدكتور كيفن كاي، من جامعة ليستر وأحد المشاركين في الدراسة قائلاً: «في بعض الحالات، يبدو هذا الأمر ممكناً، بل ومرجحاً أيضاً». فعلى سبيل المثال، عُثر على رفات شخص يعود تاريخه إلى حوالي عام 400 ميلادي، يحمل آثار طعنتين قاتلتين بين الضلوع، يُرجح أنهما ناتجتان عن سلاح طويل ونحيف ذي نصل حاد، مثل الرمح أو الخنجر.
وبعد الوفاة، وُضعت الجثة في حفرة ضحلة تُركت مكشوفة لفترة من الزمن قبل أن يُبنى منزل فوقها. غير أن القائمين على الحفريات لاحظوا أن معصمي الشخص كانا موضوعين معاً تحت القفص الصدري، مما يشير إلى احتمال تقييد يديه تمهيداً لقتله في إطار طقس معين.
وبالمثل، يصعب تصور سبب إصابة طفل صغير بجروح عادةً ما نراها في ساحات المعارك، ما لم يكن ذلك لغرض طقسي ما.
ويضيف الدكتور كاي: «لكن كل حالة تتسم بطابع فريد للغاية؛ لذا، إذا نظرنا إلى الطقس باعتباره فعلاً متكرراً أو منظماً وفق خطوات محددة مسبقاً، فإن هذه الحالات تبدو أقرب إلى الارتجال».
ويختتم قائلاً: «نحن نرى أن القاسم المشترك بين هذه الحالات هو استخدام عملية الدفن داخل المنازل كوسيلة لفهم العنف واستيعابه، سواء كان ذلك العنف قد ارتُكب لأغراض طقسية أم لا».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *