العمل الفني لا يتشكل منفردا



مروان ياسين الدليمي

هناك خطأ شائع في النظر إلى اللوحة، يتمثل في الاعتقاد بأن هويتها كامنة داخلها بالكامل، وأن بمقدور العين أن تستخرج هذه الهوية كما يستخرج المرء معنى كلمة من قاموس. اللوحة، في هذا التصور، تصبح شيئا مغلقا على نفسه، له شفرة خاصة، وما علينا إلا أن نعثر على مفتاحها حتى نعرف ماذا تكون. لكن الفن، لحسن الحظ، أكثر تعقيدا من هذا النوع من الطمأنينة. فاللوحة لا تحصل على هويتها من شفرتها وحدها، كما أن الشفرة نفسها لا تكتسب قيمتها إلا حين تدخل في سياق تاريخي وجمالي يسمح بقراءتها. وبين الشفرة والسياق تنشأ علاقة متبادلة: لا يستطيع أحدهما أن يعيش طويلا من دون الآخر. إنهما أشبه بعينين لا تستطيع إحداهما أن ترى العالم وحدها.
ولنأخذ لوحة «إصرار الذاكرة» لسلفادور دالي. للوهلة الأولى، لا نرى سوى ساعات رخوة تبدو كأنها فقدت صلابتها، موزعة في فضاء غريب، إلى جانب جسد ممدد يشبه حلما لا نعرف من أين جاء. تستطيع العين أن تتعرف إلى العناصر، لكنها لا تستطيع من خلالها وحدها أن تحدد هوية العمل كاملة. فالساعات الذائبة ليست مجرد صور سريالية طريفة، وإنما علامات تنتمي إلى لحظة كان فيها الفن يختبر حدود العقل والمنطق والواقع، ويتأثر بأفكار التحليل النفسي والحلم واللاوعي. من دون معرفة السياق الذي نشأ فيه الفن السريالي، قد تبدو الساعات مجرد اختراع بصري غريب؛ لكن وضعها داخل تاريخ السريالية يجعلها جزءا من لغة فنية كانت تبحث عن واقع آخر خلف الواقع المرئي. ومع ذلك، فإن هذا السياق نفسه لم يكن ليصبح واضحا لولا أعمال دالي وسواه من السرياليين. فالعمل يستمد شيئا من هويته من السياق، لكن السياق يستمد صورته أيضا من الأعمال التي صنعت ملامحه. لقد كان دالي يعمل داخل تاريخ، لا خارج التاريخ. واللوحة التي تبدو لنا اليوم كأنها كيان مستقل كانت في زمنها جزءا من حركة واسعة في الرسم الأوروبي. هويتها، إذن، لا تنبع من شفرتها الداخلية فقط، وإنما من موقعها داخل سلسلة من الأعمال التي سبقتها والتي جاءت بعدها.

ما الذي نعنيه بالشفرة؟

الشفرة ليست بالضرورة رمزا مخفيا ينتظر من يفككه. قد تكون طريقة في استخدام اللون، أو تكوين الجسد، أو توزيع الضوء، أو اختيار الموضوع، أو طريقة النظر إلى الإنسان. وقد تكون أيضا مجموعة من العلامات التي لا يمكن فهمها إلا إذا عرفنا اللغة الفنية التي أنتجتها. فالخط الأسود في لوحة ما قد يكون مجرد خط، لكنه يصبح شيئا آخر إذا عرفنا أنه جزء من نظام بصري طورته مدرسة فنية معينة.
انظر إلى أعمال بيكاسو، وخصوصا إلى «آنسات أفينيون». لن يفيد كثيرا أن نقف أمام اللوحة ونقول إنها رسم غريب لخمسة أجساد نسائية. الشفرة هنا تتمرد على الطريقة التقليدية في تمثيل الجسد والفضاء. الوجوه والأجساد تبدو كما لو أنها تعرضت للتفكيك وإعادة البناء. لكن هذه الشفرة لا تصبح ذات دلالة إلا إذا عرفنا السياق الذي كانت اللوحة تنتمي إليه: أزمة المنظور التقليدي، وتأثير الفن الأفريقي، وتطورات سيزان، والتحولات التي كانت تهز الفن الأوروبي في مطلع القرن العشرين. بعد ذلك فقط نفهم لماذا لم تكن اللوحة مجرد «تشويه» للأجساد، بل كانت محاولة لإعادة اختراع طريقة رؤية الجسد.
وهذا ينطبق بصورة أوضح على «مربع أسود» لماليفيتش. يمكن لشخص أن يرى مربعا أسود على خلفية بيضاء ويقول: هذا كل شيء. وقد يكون محقا من ناحية الوصف، لكنه لم يبدأ بعد في قراءة العمل. فالعمل لا يشرح نفسه لمن يرفض السياق الذي أنجبه. لكي يصبح المربع الأسود أكثر من مساحة هندسية، ينبغي أن نعرف شيئا عن الثورة التي كان يعيشها الفن الروسي، وعن تفكيك التمثيل، وعن السعي إلى تحرير اللوحة من عبء تصوير الأشياء، وعن ظهور»التفوقية» بوصفها محاولة للوصول إلى شكل من النقاء البصري. هنا يصبح السياق ليس هامشا يضاف إلى العمل، بل جزءا من هويته.
لكن علينا ألا نقع في الخطأ المعاكس، فنقول إن السياق هو الذي يصنع اللوحة بالكامل. فهذا يعني أن العمل لا قيمة له خارج كتب التاريخ. والحقيقة أن السياق يحتاج هو الآخر إلى الأعمال التي يفسرها. لا يمكننا أن نتحدث عن التكعيبية من دون بيكاسو وبراك، ولا عن الانطباعية من دون مونيه ورينوار وديغا، ولا عن التعبيرية التجريدية من دون بولوك وروثكو، ولا عن الفن السريالي من دون دالي وماغريت وماكس إرنست.
السياق لا يسقط من السماء. إنه يتكون من تراكم الأعمال، ومن العلاقات التي تنشأ بينها عبر الزمن. وهنا تظهر المفارقة الجميلة: اللوحة تحتاج إلى السياق لكي نعرف هويتها، لكن السياق يحتاج إلى اللوحة لكي يوجد أصلا. ولذلك لا يمكن قراءة لوحة عربية معاصرة بالطريقة نفسها التي نقرأ بها لوحة أوروبية من القرن التاسع عشر. خذ تجربة محمود سعيد، مثلا. في أعماله، ولا سيما في «بنات بحري»، لا نجد مجرد نساء مصريات يجلسن في مشهد شعبي. هناك نظام بصري تتداخل فيه الهوية المحلية مع أثر الفن الحديث الأوروبي. وإذا عزلنا اللوحة عن سياقها المصري والاجتماعي والتاريخي، فقد نراها مجرد تكوين جميل للأجساد والألوان. لكن وضعها في سياق تشكل الحداثة التشكيلية المصرية يجعلها أكثر وضوحا، ويكشف كيف كان الفنان يعيد صياغة الواقع المحلي بلغة حديثة.
والشيء نفسه يمكن قوله عن تجربة شاكر حسن آل سعيد في العراق. إن بعض أعماله لا يمكن اختزالها في سطح مليء بالخطوط والعلامات. «البعد الواحد» لم يكن مجرد أسلوب شخصي، بل كان موقفا جماليا وفكريا يتصل بالحرف العربي، وبالذاكرة البصرية الإسلامية، وبالرغبة في إيجاد حداثة لا تكون نسخة مستوردة من الغرب. إن الخط في أعماله لا يصبح شفرة مفهومة إلا حين نعرف التاريخ الذي يقف وراءه، لكن هذا التاريخ نفسه لم يكن ليأخذ شكله في الفن العراقي لولا الأعمال التي أنتجها آل سعيد ومن جاوره من الفنانين. وهنا أيضا يمكن النظر إلى تجربة إسماعيل الشيخلي أو فائق حسن أو محمود صبري. كل واحد منهم لم يكن جزيرة منفصلة، بل حلقة في نهر طويل. قد تختلف الشفرات، لكن وجودها داخل النهر هو الذي يمنحها قدرة أكبر على إنتاج المعنى.

لوحة ترد على لوحة

الفنان، إذن، لا يبدأ من الصفر، حتى عندما يعتقد أنه يفعل ذلك. إنه يرث عالما بصريا، ثم يغير بعض قواعده. وقد يأتي فنان آخر فيقرأ ما فعله الأول، فيرفضه أو يطوره أو يسخر منه أو يقلبه رأسا على عقب. ومن هذه المواجهات المتتالية يتكون السياق. لهذا السبب فإن تاريخ الفن ليس مجموعة من الصور المعلقة على جدار طويل، كما لو أن كل لوحة وصلت إلى المتحف في موعد مستقل عن الأخرى. تاريخ الفن هو حوار، وأحيانا شجار، بين الأعمال. لوحة ترد على لوحة، وفنان يصحح فنانا، ومدرسة تهدم ما بنته مدرسة سابقة، ثم تعود الأجيال اللاحقة فتكتشف في العمل القديم شيئا لم يره أصحابه أنفسهم.
إن «الشفرة» بلا سياق قد تتحول إلى لغز عقيم، والسياق بلا أعمال يتحول إلى كلام تاريخي بلا جسد. الأولى تحتاج إلى الثانية لكي تجد موقعها، والثانية تحتاج إلى الأولى لكي تجد مادتها. ومن هنا لا ينبغي أن نسأل عن هوية اللوحة كما لو أنها بطاقة تعريف معلقة خلفها، بل ينبغي أن نسأل: أين تقف هذه اللوحة؟ ما الذي سبقها؟ ما الذي قاومته؟ ما الذي أخذته؟ وما الذي غيرته في الأعمال التي جاءت بعدها؟ عندها فقط تتوقف اللوحة عن كونها سطحا مرسوما، وتبدأ في أن تصبح حدثا. والفن العظيم، في النهاية، ليس هو الفن الذي يمنحنا شفرة جاهزة، بل ذلك الذي يجعلنا ندرك أن الشفرة نفسها تتغير كلما تغير السياق. اللوحة التي نراها اليوم ليست بالضرورة اللوحة التي رآها معاصروها، وربما لن تكون هي نفسها التي سيراها بعد خمسين عاما. ليست اللوحة هي التي تتغير، بل شبكة العلاقات المحيطة بها. وهذا هو السبب في أن اللوحة لا تعيش منفردة. إنها تحتاج إلى لوحات أخرى، وإلى زمن آخر، وإلى عيون أخرى. ومن تجمع هذه الأعمال عبر الزمن يتولد السياق، ومن السياق تتضح الشفرة، ومن الشفرة يعود السياق فيتخذ معنى جديدا. إنها دائرة لا بداية واضحة لها، ولا نهاية أيضا. وهذا، ربما، هو أفضل ما يمكن أن يفعله الفن: أن يجعلنا نكتشف أن الشيء لا يكون نفسه إلا بما يحيط به.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *