إسرائيل تعيش حالة «سعار» يُمنح فيها الإسرائيليون خيارات بين حروب غير محسومة



إبراهيم درويش

مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية في نهاية تشرين الأول/أكتوبر وبداية موسم قطاف الزيتون في الضفة الغربية، تعيش إسرائيل «سعار» المستوطنين وتصريحات المتطرفين المتنافسين بمن يتقدم بأحسن طريقة للسيطرة على حياة ستة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، وكان اعتداء المستوطنين «الملثمون» على المصورة الصحافية المخضرمة هيدي ليفين مراسلة صحيفة «واشنطن بوست» صورة عن حالة الشعور بالإفلات من العقاب ووقوف الجيش الإسرائيلي متفرجا بدون أن يفعل شيئا.
وتعكس حالة السعار الإسرائيلية بشكل عام محاولة لمواصلة سياسة من القتل والتشريد والدمار على الفلسطينيين. وكما كتب رئيس الكنيست السابق أبراهام بورغ في صحيفة «أوبزيرفر»( 16/10/2026) فإن الإسرائيليين يمنحون خيارا بين حروب ولكن التغيير ليس على أجندة الانتخابات. وقال إنه وقبل أيام من الانتخابات، تبدو إسرائيل مثل «طنجرة الضغط» حيث يصعد كل مرشح من حدة التوتر.
فمن جهة، يثير المتدينون من الحريديم أعمال شغب لمنع الشرطة العسكرية من اعتقال الرافضين للتجنيد ويهاجم المستوطنون المتطرفون التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية بوحشية قاتلة وتنتشر الجريمة العنيفة في المدن العربية بينما تقف الدولة مكتوفة الأيدي. ولا تزال عائلات ضحايا أحداث 7 أكتوبر تطالب بالمساءلة وتثير أرقام الاكتئاب والصدمات النفسية والانتحار قلقا بالغا، أما الهجرة وانهيار الثقة في المؤسسات العامة فهما غير مسبوقين. ويرى بورغ أن الأزمات كلها تقدم نفس النمط عن تآكل سلطة الدولة وتداعى التضامن المدني وتسيد الوحشية محل المسؤولية السياسية.
ويرى بورغ أنه وبعد ثلاث سنوات من أكبر إخفاقاتها، أصبحت إسرائيل قوية عسكريا، لكنها تعاني من الخوف ومنقسمة لدرجة أنها تقف على حافة حرب أهلية باردة. وتساءل كيف حدث هذا؟
مجيبا أنه في الوقت الذي تتحمل فيه حماس مسؤولية ارتكاب جرائم في 7 أكتوبر إلا أن إسرائيل تتحمل مسؤولية القتل الجماعي للأبرياء والدمار والمعاناة التي ألحقتها بغزة منذ ذلك الحين، إنهما نظامان إجراميان وحشيان، لا يبرر أحدهما الآخر ولا يعوضه.
ويضيف أنه إلى جانب الحساب الأخلاقي، هناك حساب سياسي، فلسنوات، كانت إسرائيل متشبثة بالاعتقاد بأنها قادرة على توسيع المستوطنات وإبقاء ملايين الفلسطينيين تحت الحكم العسكري وعزل غزة وإضعاف السلطة الفلسطينية وشراء الأمن عبر الأسوار والتكنولوجيا والاستخبارات والقوة العسكرية.
وفي 7 أكتوبر انهار هذا الوهم. ومنذ ذلك الحين، حققت إسرائيل مكاسب عسكرية كبيرة وقتلت الكثير من قادة العدو وأظهرت الاستخبارات الإسرائيلية قدرة ملحوظة على الوصول إلى مناطق بعيدة. ومع ذلك، لا تزال جميع حروبها غير محسومة ولا منتهية. لا تزال حماس تسيطر على غزة ويتعمق احتلال الضفة الغربية ولبنان ينتظر الهجوم التالي. وباتت كل جولة تولد حربا أخرى أكثر وحشية، تربح إسرائيل معارك تكتيكية بينما تخسر الاستراتيجية التي يعتمد عليها وجودها.
وقال بورغ إن إيران هي أوضح مثال، فلثلاثة عقود، حث بنيامين نتنياهو رؤساء الولايات المتحدة على قصف إيران، وأخيرا، فعل أحدهم ذلك. ومع ذلك، لا يزال النظام في طهران قائما ويحتفظ علماؤه بمعرفتهم النووية وتعلمت المدن الإسرائيلية معنى العيش تحت نيران الصواريخ الإيرانية.
وفي الخارج، وخاصة في واشنطن، أصبحت الحملة كارثة استراتيجية متزايدة.
أما في إسرائيل، فلا يكاد أحد يسأل عما إذا كان نتنياهو أو المؤسسة السياسية والعسكرية التي دعمته، أخطأوا. وحتى المنافسين له في الانتخابات أيدوا الحرب، ومع تورط الجميع تقريبا، لا يكاد أحد يحاسب.
وأشار إلى أن هزيمة هزيمة نتنياهو في الانتخابات قد تمهد الطريق لإصلاح مؤسسات إسرائيل.
ويعد تحالف التغيير بالكثير من الأمور المهمة: إقالة رئيس وزراء فاسد وتشكيل لجنة تحقيق حكومية وإعادة سيادة القانون والخدمة المدنية، وشفاء المجتمع، واستعادة مكانة إسرائيل في الخارج. ويعتقد بورغ أن هذه ستكون هذه إنجازات حقيقية لو تحققت، إلا أن العقيدة الأمنية التي انكشف عجزها في 7 أكتوبر لا تناقش إلا نادرا. فلا يزال كل منافس جاد يعتقد أن الأمن يتطلب سيطرة عسكرية دائمة على الفلسطينيين وتأجيلا لا نهاية له للحل السياسي.
فخلال الـ25 عاما الماضية ومنذ انهيار مفاوضات كامب ديفيد والانتفاضة الثانية، تسير إسرائيل وبثبات نحو اليمين. واكتسب التحول منذ 7 أكتوبر حالة من الهجوم الشرس أو السعار، ولم يعد اليسار موجودا إلا بالكاد.
ويقول بورغ أن معارضي نتنياهو وهم نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان وغادي آيزنكوت يشككون في نزاهة رئيس الوزراء وكفاءته وانتهاكه لسيادة القانون، لكنهم لا يشككون في موقفه من القضية الفلسطينية.
وأضاف أن غياب الحل، أصبح بحد ذاته إجماعا وطنيا. وبنى نتنياهو إرثه على هذا الأساس، مشكلا جيلا يرى الحرب حتمية كالطقس والاحتلال ضرورة. وهذا ما يفسر عدم وجود سبب يدعو لاستبداله بين نصف الإسرائيليين. فقد شكل الاحتلال إسرائيل التي نراها اليوم. عقود من الحكم الوحشي على الفلسطينيين وسلبهم حقوقهم السياسية وتم طمس الحدود بين القوة الممارسة خارج الخط الأخضر والسياسة داخله. بالنسبة للعديد من الإسرائيليين، يعتبر المواطنين العرب واليسار أعداء أيضا. وأشار بورغ إلى سامي أبو شحادة، أحد أبرز الشخصيات العربية العامة في إسرائيل، الذي انسحب من الانتخابات مطلع هذا الشهر بعد أن أجبرته لجنة الانتخابات الإسرائيلية وقضاة المحكمة العليا على الانسحاب فعليا. وهو ما يشير إلى اعتراف كل من النظام السياسي والقانوني في إسرائيل بعجزهما عن استيعاب صوت فلسطيني يتحدى الرواية السائدة، وعليه تمثل هذه الحملة الانتخابية مستوى متدنيا جديدا للديمقراطية الإسرائيلية. ويضيف أن الأزمة التي تعاني منها إسرائيل، تتجاوز بكثير الانقسام بين اليهود والفلسطينيين. فمفهوم المواطنة المشتركة نفسه مجزأ داخل المجتمع اليهودي وبالكاد يؤخذ الانهيار الداخلي لإسرائيل والحروب التي لم تحسم، والعزلة الدولية، والفقدان الجزئي للاستقلال السياسي في الحسبان لدى الناخب. كما ويهيمن الولاء القبلي والغضب، إلى جانب أبسط الأسئلة: أي مرشح أكرهه أقل، وأي صدمة تؤلمني أقل؟
ويقول بورغ إن التركيز على ذكرى الاضطهاد والإبادة جعلت من أسطورة القوة اليهودية محورا أساسيا للهوية الإسرائيلية، والتهديد الخارجي مصدرا للتماسك الداخلي، لكن من الخارج، تبدو إسرائيل وكأنها تعيش في فراغ، تبحث دائما عن عدوها التالي.
ففي اللحظة التي صمتت فيها المدافع مع إيران، أعاد الوزراء والمعلقون تصوير تركيا واردوغان كخطر أكبر حتى من طهران. ومن هنا يتغير العدو، لكن الحاجة إليه لا تتغير، بالكاد تستطيع إسرائيل أن تتخيل مستقبلا تحدده أي عوامل أخرى. وتساءل: هل ستبقى الدولة اليهودية الحصن الأبدي لشعب مضطهد، أم ستصبح وطنا قوميا آمنا يعيش في سلام ومساواة مع جيرانه؟
والسؤال، هل تستطيع إسرائيل البقاء دون عدو خارجي؟ كلا السؤالين غير موجودين في الاقتراع، وكلاهما سيشكل مستقبل إسرائيل أكثر بكثير من هوية رئيس الوزراء القادم. ولو نظرنا للمرشح الأوفر حظا وهو آيزنكوت فإن برنامجه لا يقدم حلولا جذرية لمشاكل إسرائيل اليوم.
وكما لاحظت صحيفة «الغارديان»(15/10/2026) ويتبنى غموضا مقصودا فيما يتعلق بقضايا سياسية جوهرية ولن تكون إسرائيل في عهده مختلفة كثيرا، إذ اتخذ موقفا غير حاسم تجاه قضايا بالغة الأهمية، بما في ذلك حل الدولتين والاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة. ورغم التركيز على أصوله الاجتماعية الشرقية والمغربية وأنه ابن الطبقة العاملة إلا أن إسرائيل الأيديولوجية هي التي ستحدد في النهاية مسار الفائز. فهو مثلا، يطالب بإجراء تحقيق شامل في الإخفاقات الاستخباراتية التي سمحت بوقوع هجوم حركة حماس.
كما يتبنى موقفا أكثر إثارة للانقسام، وهو دعوته لإلغاء الإعفاء من الخدمة العسكرية الممنوح لليهود المتشددين (الحريديم)، وهي قضية طالما كانت مصدرا للتوتر في المجتمع الإسرائيلي.
أما فيما يتعلق بالقضايا الكبرى، بما في ذلك حل الدولتين الذي يقضي بإنشاء دولة فلسطينية فإن موقف آيزنكوت يتسم بالغموض. وقال آيزنكوت خلال حملته الانتخابية: «لم أقل يوما إن الحل يكمن في دولتين لشعبين، نحن أمام صراع ديني-قومي عميق للغاية، ومن يعتقد بإمكانية التوصل إلى اتفاق في الوقت الراهن فهو واهم تماما». وفيما يخص القضية الأوسع المتعلقة بالمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، يتجنب آيزنكوت تقديم إجابة مباشرة؛ فهو يعارض المخطط الاستيطاني المعروف بـ «إي1» الذي ينظر إليه كعقبة محتملة أمام قيام أي دولة فلسطينية في المستقبل- لكنه في الوقت ذاته يدعم الاستيطان بشكل عام.
ويكمن وجه الاختلاف الجوهري بين آيزنكوت والحكومة الحالية في معارضته لقرار نتنياهو بتعيين الوزير اليميني المتطرف والمؤيد للاستيطان، بتسلئيل سموتريتش، مسؤولا عن الضفة الغربية المحتلة، وهي المنطقة التي شهدت تصاعدا في عنف المستوطنين، ما أثار إدانات دولية واسعة وأدى إلى فرض عقوبات. وقال آيزنكوت بأنه سيعمل فورا على «عكس» ذلك الوضع، وإعادة الجيش إلى تولي زمام الأمور في الضفة الغربية. ويرى المشككون أن آيزنكوت وحلفاءه يسعون للعودة إلى استراتيجية قديمة أثبتت فشلها، وهي إدارة الصراع مع الفلسطينيين -بدلا من حله- بهدف تخفيف الضغوط الدولية على إسرائيل. ويقول البروفيسور يوسي ميكيلبيرغ، من مركز أبحاث «تشاتام هاوس»: «ما يقوله آيزنكوت وآخرون هو، باختصار: سنكون مديرين تنفيذيين أفضل، سندير البلاد بشكل أكفأ، لكننا لن نغير مسارها، إنهم في الواقع لا يتطرقون إلى القضية الفلسطينية».
وفيما يتعلق باستخدام القوة العسكرية، فمن المؤكد أن آيزنكوت ليس من «الحمائم» (دعاة السلام). فخلال توليه قيادة الجبهة الشمالية في إسرائيل إبان حرب لبنان الثانية عام 2006، كان هو مهندس «عقيدة الضاحية» سيئة السمعة، التي توعدت بأن تستخدم إسرائيل «قوة غير متناسبة وتلحق دمارا وخرابا هائلين»، وهي سياسة تجلت بأوضح صورها في الحرب الحالية على غزة.
وبخصوص غزة، فقد تبنى آيزنكوت نهجا عسكريا واقعيا، إذ أكد قبل عامين أنه من غير المرجح أن تحقق إسرائيل «نصرا كاملا» على حركة حماس، داعيا إلى تبني استراتيجية تضع حياة الأسرى المحتجزين لدى الحركة على رأس الأولويات. ومع ذلك، ورغم توقعات المراقبين بأن إدارة بقيادة آيزنكوت قد تتخذ إجراءات صارمة ضد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، إلا أنهم يتساءلون عما إذا كان سيذهب إلى أبعد من ذلك. ولم يبد آيزنكوت أي إشارة عن تعاون مع الأحزاب العربية التي لديها أجندة مشتركة معه للتخلص من نتنياهو، كما أشارت مجلة «إيكونوميست» (15/10/2026)، ولكن آيزنكوت يتهرب من السؤال عن احتمال تحالف أو مشاركة للأحزاب العربية. ومن بين الأحزاب المعارضة، يؤيد الحزب الديمقراطي اليساري فقط التحالف معهم علنا. مع أن هذه الأحزاب قد تكون «بيضة القبان».
وبالعودة لما قاله بورغ نرى الوضع في إسرائيل لا تحله انتخابات ولا تغيير وجوه بل يعبر عن أزمة وجودية تواجه دولة أقيمت كما قال بورغ، على جراحات الإبادة في أوروبا وباتت تعاني من التآكل الداخلي والتهميش في الخارج، فافتعال الحروب الدائمة وغير المحسومة وارتكاب الإبادة في غزة والتي رآى العالم صورها حية على الهواء وكشف عنها فيلم وثائقي بدأت عروضه في بريطانيا يوم الخميس وسيتوفر لكل المشاهدين في العالم مجانا بنهاية شهر تشرين الثاني/نوفمبر. وكان رد الحكومة الإسرائيلية عليه بأنه أكاذيب ودعوات لمعاقبة المشاركين فيه وسحب جنسياتهم، ما دعا لمخرج فيلم «منطقة الاهتمام»، جوناثان غليزر لوصف ردة فعل الحكومة الإسرائيلية بالدنيئة. وباتت حكومة إسرائيل تتعامل مع أي انتقاد لها أو كشف عن جرائمها بتطرف آخر، كما فعلت مع الحكومة البريطانية التي فرضت عقوبات على المستوطنات، وقامت بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية بداية هذا الشهر.
ومع أن الخلاف حل في 8 تشرين الأول/أكتوبر بطريقة تحفظ ماء الوجه إلا أن المشاكل لا تزال عالقة، على حد قول مجلة «إيكونوميست» (15/10/2026) حيث أشارت إلى أن علم المملكة المتحدة يرفرف في القدس، فوق المبنى نفسه الذي ظل عليه لمدة 59 عاما. وسيظل يرفرف فوق «البعثة البريطانية» بدلا من «القنصلية العامة». وقالت إن الخلاف بدأ بينهما بعد فترة وجيزة من تغيير بريطانيا لرئيس وزرائها في تموز/يوليو وتعيين إد ميليباند وزيرا للخارجية، وكان من أولوياته تشديد موقف بريطانيا من الحرب الإسرائيلية الوحشية على غزة وضمها الفعلي للضفة الغربية المحتلة. التي يمارس المستوطنون في بعض مناطقها التطهير العرقي بدعم ضمني من حكومتهم. وقد اعتقد كثيرون، وخاصة في حزب العمال، أن الحكومة البريطانية كانت متساهلة للغاية في السابق حيال هذا الأمر.
وفي 8 أيلول/سبتمبر، أعلن ميليباند فرض عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، كما فعلت فرنسا وكندا. كانت الجهود السابقة التي بذلتها دول غربية مماثلة، والتي استهدفت مستوطنين أفرادا ومنظمات، محدودة الأثر. ويكمن الاختلاف هذه المرة في النية لاتخاذ «إجراءات بشأن الخدمات» و«الشركات التي تدعم أو تسهل أو تستفيد من أنشطة الاستيطان غير القانونية». قد يشمل هذا التعميم كل شيء بدءا من الوزارات الحكومية وصولا إلى أكبر البنوك الإسرائيلية. وردا على ذلك، أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها ستغلق القنصلية البريطانية في القدس، التي تخدم علاقاتها مع الفلسطينيين، وستطرد البريطانيين العاملين في مشروع إعادة إعمار غزة. ثم هددت بريطانيا بتصعيد الأمور بطرد دبلوماسيين إسرائيليين. وساهم الحل الوسط الذي تم التوصل إليه في نهاية المطاف، والمتمثل في تغيير اسم القنصلية البريطانية، في تهدئة الأوضاع مؤقتا.
وتساءلت المجلة عن ماهية الموقف البريطاني الجديد تجاه إسرائيل وإلى أي مدى هي مستعدة للذهاب؟ وقال ميليباند بأنه سيحتاج من ستة إلى تسعة أشهر لإعداد تشريع للعقوبات، وأنها ستستهدف المستوطنات فقط، «وليس إسرائيل»، التي تربطها ببريطانيا «علاقات تجارية مهمة وقيمة». وبالتالي، قد لا تكون العقوبات، عند تطبيقها، أكثر من مجرد بادرة. لكنها قد تكون مصممة أيضا لإلحاق ضرر جسيم. ولعل هذا الغموض يفسر جزئيا سبب عدم تدخل الولايات المتحدة حتى الآن. وقال دبلوماسي إسرائيلي بارز: «إنه تغيير جذري. الجميع يدرك ما قد يعنيه هذا، والبنوك الإسرائيلية قلقة للغاية».
أما السؤال الثاني، فقد تأخر طرحه، إذ رغب بعض المسؤولين في وزارة الخارجية البريطانية تأجيل إعلان ميليباند إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية. ولن يغير بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء، سياسته الاستيطانية طالما أنه بحاجة إلى استمالة ناخبي اليمين. وقد تتشكل حكومة مختلفة في إسرائيل بعد الانتخابات. مع ذلك، فإن لميليباند جدوله الزمني السياسي الخاص. فقد أصبحت القضية الفلسطينية قضية محورية في السياسة البريطانية. ففي انتخابات 2024، خسر حزب العمال خمسة مقاعد لصالح مرشحين مستقلين مؤيدين للفلسطينيين. وكما في الأعوام السابقة، لوح المتظاهرون هذا العام بالأعلام الفلسطينية خارج مؤتمر حزب العمال. لكن بيان العقوبات الذي أصدره ميليباند سهل مع ذلك إزالة القضية من جدول أعمال المؤتمر، وجاءت النتيجة لاحقا، كما قال أحد مستشاري حزب العمال. وقد تتأثر خطواته المقبلة أيضا بالسياسة الداخلية، لا سيما إذا دعت الحكومة إلى انتخابات مبكرة.
وبريطانيا ليست بالضرورة البلد الوحيد الذي باتت سياساته الداخلية تتأثر بممارسات إسرائيل وحروبها ضد الفلسطينيين، وخاصة غزة، فقد أصبحت الإبادة هناك محكا يقاس عليه مدى تسامح الحكومات الغربية مع الرأي المخالف. وباتت غزة، كما قالت شذى إسلام في «الغارديان» (15/10/2026) تغير أوروبا نفسها، فتقاعسها عن محاسبة الحكومة الإسرائيلية كلفها مصداقيتها ونفوذها العالميين. وتقول إن حكومات أوروبا لم تفعل شيئا لوقف الإبادة الجماعية، فلم تفرض عقوبات جماعية ولا قيودا تجارية ولم توقف مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل. وقالت إسلام إن حرب غزة كشفت عن أن التزام أوروبا المزعوم بالحقوق الإنسانية أصبح مشروطا بمن يتم الاعتراف بمعاناته ومن تعتبر مقاومته مشروعة ومن تعتبر مطالبه بالعدالة جديرة بالاهتمام.
وبات عنف الشرطة في المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين أمرا شائعا، حيث يجرم أو يصبح موضع شك أولئك الذين لا ذنب لهم سوى المطالبة علنا بحقوق الفلسطينيين. وقالت إن «غزة كشفت عن زيف الكثير من الأوهام التي كنا نتمسك بها بشأن أوروبا». وحتى في بريطانيا التي تريد الإستجابة لقواعدها الإنتخابية فإن حالة الكاتبة الأيرلندية سالي روني التي قررت دعم «بالستاين أكشن» وقرارها سحب كتبها من بريطانيا نظرا لعدم قدرة دور النشر على التعامل معها، يكشف عن حالة الخوف من الرأي المخالف. فقد قررت روني التبرع بريع كتبها للحركة المحظورة في بريطانيا، وهو موقف كان سيعرضها للاعتقال من الأمن لو دخلت الأراضي البريطانية. وقد أثار قرار وقف بيع كتبها الكثير من النقد باعتبار أن الكاتبة لا تشكل خطرا على أحد وأن كتبها متوفرة في كل مكان في العالم إلا بريطانيا، كما قالت زوي ويليامز في «الغارديان» (16/10/2026). وقالت صحيفة «أوبزيرفر» (16/10/2026) إن قرار روني سحب كتبها ليس له سابقة حديثة وله آثار خطيرة على حرية التعبير ويثير تساؤلات حول تعريف الحكومة للإرهاب. فلم تعد شركة فابر ناشرة أعمال الروائية قادرة على نقل حقوق روني إلى حركة محظورة، وهو الأمر الذي وصفته روني بأنه «وضع غير معقول بالنسبة للناشر»، ولكنها ستستمر في بيع كتبها في بلدان أخرى، وتعد روني أحد أنجح المؤلفين في العالم، وقد باعت أكثر من 6 ملايين كتاب، بما في ذلك 2.3 مليون كتاب في المملكة المتحدة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *