إعلان السيسي عدم المساس بالدستور يفتح النقاش حول مستقبل الرئاسة في مصر بعد 2030


شكك ناشطون في إمكانية احترام التعهدات المتعلقة بعدم تعديل الدستور، وأعادوا نشر تصريحات سابقة للسيسي تعود إلى عام 2017، أكد فيها احترام الدستور وعدم وجود نية لتعديله.

القاهرة ـ «القدس العربي»: فتح إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عدم وجود نية للمساس بالدستور، بابا للنقاش حول مستقبل منصب الرئاسة في مصر بعد انتهاء ولايته عام 2030، وإمكانية تداول السلطة، وسط ترحيب من قوى معارضة بالتصريح، مقرونًا بمطالب باتخاذ خطوات عملية لفتح المجال العام، في مقابل حملات أطلقها مؤيدون تطالب السيسي بالبقاء في الحكم لسنوات إضافية.
وكان السيسي أكد خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، أن للدولة دستورًا وافق عليه المصريون، مشددًا على أنه لن يسمح بالعبث به، داعيًا إلى عدم التلاعب بعقول المواطنين، ومؤكدًا أن الدستور المصري لن يمسه أحد.
ورحبت الحركة المدنية الديمقراطية، التي تضم عددًا من أحزاب المعارضة، بتصريحات السيسي، وقالت إنها استقبلتها بارتياح شديد، معتبرة أنها خطوة إيجابية تعزز احترام النصوص الدستورية، وتؤكد أن الدستور هو الإطار الحاكم للحياة السياسية، ولا ينبغي تعديله وفقًا للظروف أو الأشخاص.
ولفتت الحركة إلى أن التصريح يحمل رسائل طمأنة بشأن استقرار القواعد المنظمة للعلاقة بين السلطة والمجتمع، مؤكدة أن احترام الدستور وتفعيله والتداول السلمي للسلطة تمثل الرهان الحقيقي لإحداث انفراجة سياسية واجتماعية.
وشددت على أن التصريح يمثل مدخلًا لفتح المجال العام أمام الأحزاب والنقابات والإعلام ومنظمات المجتمع المدني، وبث الأمل لدى المواطنين في إمكانية الانتقال الديمقراطي، وفتح مسار للتغيير السياسي والاجتماعي يقوم على المشاركة والمساءلة والشفافية، وتمكين المجتمع من تحديد مصيره والدفاع عن مصالحه عبر آليات ديمقراطية سلمية.
وأكدت الحركة أن احترام الدستور والالتزام بمبدأ التداول السلمي للسلطة وجهان لمسار واحد، وأن ترسيخهما عمليًا يتطلب إجراءات ملموسة، من بينها تهيئة مناخ سياسي يسمح بالمنافسة العادلة، وضمان الحقوق والحريات العامة، والإفراج عن سجناء الرأي، وإفساح المجال أمام حوار وطني جاد وشامل.
وأعربت عن تطلعها إلى تحويل تصريح السيسي إلى التزام عملي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يشعر فيها المصريون بأنهم شركاء حقيقيون في صياغة مستقبل وطنهم.
ورأى حزب التحالف الشعبي الاشتراكي أن تصريحات السيسي بشأن عدم المساس بالدستور لا تبدد المخاوف المتعلقة بمستقبله، في ضوء تجربة التعديلات الدستورية التي أُقرت عام 2019، داعيًا إلى اتخاذ خطوات عملية لضمان احترام الدستور والحقوق والحريات العامة.
وقال الحزب، في بيان أصدره الجمعة، إن تصريحات مماثلة صدرت في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، أكدت الالتزام بمدتين رئاسيتين، مدة كل منهما أربع سنوات، وعدم تغيير الدستور، قبل أن تشهد البلاد تعديلات دستورية جوهرية عام 2019، مددت مدة الولاية الرئاسية إلى ست سنوات، وأعادت صياغة الأحكام المتعلقة بها، بما أتاح للسيسي البقاء في السلطة حتى عام 2030.
ولفت إلى أن تلك التطورات دفعته آنذاك إلى إطلاق حملة «مدتين كفاية»، معتبرًا أن التناقض بين التعهدات السابقة وما جرى لاحقًا يفرض التعامل بحذر مع التصريحات الحالية.
وشدد الحزب على أن المعيار الحقيقي لاحترام الدستور ليس التصريحات في المناسبات العامة، وإنما الالتزام العملي والدائم بها، محذرًا من أن التراجع عن التعهدات أو الالتفاف عليها يقوض الثقة في الخطاب الرسمي ويعمق الفجوة بين السلطة والمجتمع.
ودعا الأحزاب والقوى السياسية والمدنية ومؤسسات الإعلام والشخصيات العامة والمواطنين المهتمين بالشأن العام إلى تنسيق الجهود للحفاظ على الدستور القائم، ورفض أي تعديلات تفتح الباب أمام إطالة أمد السلطة أو تغيير قواعد المنافسة السياسية لمصلحة طرف بعينه.
ولفت إلى أن احترام الدستور لا يقتصر على مسألة الرئاسة، وإنما يشمل أيضًا ضمان الحقوق والحريات العامة، وتوفير الظروف السياسية والقانونية التي تتيح للمواطنين ممارسة حقوقهم والمشاركة بحرية وأمان في إدارة شؤون البلاد.
وطالب الحزب بخطوات عاجلة لفتح المجال العام، في مقدمتها الإفراج عن سجناء الرأي والمحبوسين على خلفية مواقفهم السياسية أو نشاطهم السلمي، ووقف ملاحقة أصحاب الرأي، وضمان حرية الصحافة والإعلام واستقلالهما.
كما دعا إلى الإفراج عن صحافيي منصة «متصدقش» وغيرهم ممن يواجهون الحبس أو الملاحقة بسبب عملهم الصحافي، مؤكدًا أن الحديث عن احترام الدستور يفقد معناه إذا ظلت الحقوق والحريات التي يكفلها عرضة للانتهاك والتقييد.
واختتم الحزب بيانه بالتأكيد على ضرورة تحويل التعهدات المتعلقة بالدستور إلى التزام سياسي ومؤسسي واضح، يضمن احترام الحقوق والحريات والتعددية السياسية، ويفتح المجال العام أمام مشاركة حقيقية، داعيًا القوى المنتمية إلى الجماعة الوطنية، بمختلف توجهاتها، إلى تنسيق جهودها لمنع الالتفاف على الدستور أو توظيف أحكامه لإطالة أمد السلطة، والتمسك بضمانات التداول المدني للسلطة واحترام الحقوق والحريات.
من جهته، رحب علاء الخيام، رئيس حزب الدستور الأسبق، بتصريحات السيسي بشأن عدم المساس بالدستور أو تعديل مواده، لكنه شدد على ضرورة ترجمتها إلى إجراءات عملية واضحة تضمن حرية العمل السياسي وتتيح للأحزاب والقوى السياسية ممارسة أنشطتها بحرية.
وقال الخيام، في منشور، إن التجربة السياسية السابقة والتعديلات الدستورية التي شهدتها مصر عام 2019 تفرضان التعامل بحذر مع التصريحات المتعلقة بعدم تعديل الدستور، مؤكدًا أن القوى السياسية لا تكتفي بالتصريحات، وإنما تنتظر خطوات ملموسة تثبت جدية هذا التوجه.
وأضاف أن فتح المجال العام، وإخلاء سبيل المحبوسين على خلفية قضايا سياسية، وإتاحة الفرصة أمام الأحزاب للتواصل مع المواطنين دون قيود، تمثل مطالب أساسية لتعزيز الحياة السياسية وترسيخ الثقة بين القوى السياسية ومؤسسات الدولة.
وكشف الخيام أنه وعددًا من زملائه بدأوا التفكير في الاستعداد لانتخابات الرئاسة عام 2030، موضحًا أن التساؤل الأساسي يتعلق بمدى قدرتهم على التحرك بحرية على الأرض، وتنظيم الندوات والمؤتمرات، وتعليق اللافتات، وطرح البرامج السياسية، والتواصل مع المواطنين في ظل تكافؤ الفرص بين جميع الأطراف.
وشدد على أن الاكتفاء بالتصريحات بدون اتخاذ إجراءات ملموسة لن يبدد مخاوف القوى السياسية أو يسهم في بناء الثقة المطلوبة، لافتًا إلى أن التجارب السابقة تجعل الأفعال المعيار الأساسي للحكم على جدية الالتزامات المعلنة.
وفي سياق ردود الفعل، اعتبر عمرو موسى، وزير الخارجية المصري الأسبق والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، أن تصريح السيسي يمثل موقفًا فاصلًا ويحمل رسالة سياسية عميقة.
وقال موسى، في منشور على صفحته في «فيسبوك»، إن الدستور هو العقد الذي ينظم العلاقة بين الدولة ومواطنيها، ويحدد قواعد ممارسة السلطة وانتقالها، ويصون الحقوق والحريات، معتبرًا أن احترامه واستقراره يمثلان أساس شرعية الحكم واستقرار الدولة والمجتمع.
ودعا المجتمع السياسي المصري إلى التعامل بجدية مع التصريح، الذي قال إنه يعني بدء مرحلة جديدة تتطلب تطوير الممارسة السياسية، كما طالب البرلمان بالبدء في صياغة القوانين المكملة للدستور.
إلى ذلك شكك ناشطون في إمكانية احترام التعهدات المتعلقة بعدم تعديل الدستور، وأعادوا نشر تصريحات سابقة للسيسي تعود إلى عام 2017، أكد فيها احترام الدستور وعدم وجود نية لتعديله.
وأعاد الناشط السياسي أحمد عابدين نشر تصريحات أدلى بها السيسي لشبكة «سي إن بي سي» الأمريكية عام 2017، قال فيها: «لدينا دستور جديد الآن، وأنا لست مع إجراء أي تعديل فيه»، مضيفًا أنه سيحترم النص الذي يسمح للرؤساء بشغل مناصبهم لفترتين متتاليتين فقط، مدة كل منهما أربع سنوات، وأن أي رئيس لن يستطيع البقاء في السلطة أكثر من المدة التي يسمح بها الدستور والقانون، وهي ثماني سنوات.
وكانت مصر شهدت عام 2019 تعديلات دستورية غيرت مدد الرئاسة، إذ رفعت مدة الولاية من أربع سنوات إلى ست، وسمحت للسيسي بالترشح لولاية إضافية، بما أتاح له البقاء في السلطة حتى عام 2030.
وعلق النائب السابق طلعت خليل على تصريحات السيسي بالقول إن 155 نائبًا تقدموا عام 2019 بطلب لتعديل الدستور، مضيفًا: «ربنا يستر من النواب ولا يتقدموا بنفس الطلب في السنوات القادمة».
في المقابل، أطلق مؤيدون حملات تطالب السيسي بتعديل الدستور والبقاء في الحكم لسنوات إضافية، بالتزامن مع تداول رسائل تدعو إلى ترشيح نجله محمود السيسي لرئاسة البلاد.
وأطلقت صفحة تحمل اسم «خط الدفاع عن مصر» على موقع «فيسبوك» حملة بعنوان «متسيبناش يا سيسي»، قالت إنها جاءت عقب إعلان الرئيس عدم الترشح للانتخابات الرئاسية مرة أخرى.
وكتب القائمون على الصفحة: «بعد قرار الرئيس السيسي بعدم الترشح للانتخابات مرة أخرى، أطلقنا حملة متسيبناش يا سيسي».
وقال محمود سلوع المغازي، مدير الصفحة، إن الحملة حظيت بتفاعل واسع من أكثر من 30 ألف مستخدم لـ«فيسبوك»، أبدوا، بحسب قوله، تأييدهم لتعديل مدد الرئاسة في الدستور بما يسمح للسيسي بالترشح لولايات جديدة.
وكان موقع إلكتروني قد أطلق حملة لجمع توقيعات تطالب بتمديد حكم السيسي حتى عام 2050.
ويعرّف القائمون على الموقع أنفسهم بأنهم «مبادرة مدنية مستقلة لجمع التأييد وتقديمه لمجلسي الشعب والشيوخ لاعتماده»، من دون الكشف عن هوياتهم، مؤكدين أن المبادرة طوعية ولا تتبع أي جهة حكومية.
وتستند الحملة، وفق ما نشرته على موقعها، إلى ما وصفته بـ«التحديات غير المسبوقة والاستهداف المباشر لأمن واستقرار مصر»، معتبرة أن المرحلة الراهنة تستدعي استمرار السيسي لاستكمال ما بدأه من مشروعات وإنجازات، ومواجهة ما سمته «حربًا مكتملة الأركان ومكائد ودعوات هدامة تُعقد خارج مصر لإسقاط الدول التي لم تسقط في الموجة الأولى».
ودعت الرسالة التي يبرزها الموقع مجلسي النواب والشيوخ، اللذين أطلقت عليهما اسم مجلسي الشعب والشورى، إلى إصدار قانون استثنائي يسمح باستمرار السيسي في الحكم، مبررة ذلك بما وصفته بـ«خطر الوجود».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *