بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، دخل الإسلام إلى المجال العام الأمريكي بصورة غير مسبوقة.. وخلال سنوات قليلة امتلأت المكتبات بكم كبير من الكتب والدراسات التي حاولت تفسير الإسلام والمسلمين، بعضها من بوابة الأمن والإرهاب، وبعضها من باب الهجرة والهوية، وبعضها من زاوية العلاقة التاريخية بين الغرب والعالم الإسلامي. في تلك الأجواء، بدا الإسلام وكأنه موضوع تحت المجهر، أو تحت الحصار، وفق التعبير الذي استخدمه عالم الأنثروبولوجيا أكبر أحمد في كتابه «الإسلام تحت الحصار».
رافق هذه الموجة اتجاه آخر حاول تجاوز القراءة الأيديولوجية الصرفة، واتجه نحو فهم أعمق لتاريخ المعرفة الأمريكية في المنطقة، والطريقة التي تشكلت فيها صورة المسلمين في المخيلة العامة. كان المؤرخ الأمريكي زكاري لوكمان من بين الذين تنبهوا إلى هذا المسار. ففي متابعته لتاريخ المعرفة الغربية في الشرق الأوسط، لفت إلى تحول جزء من الدراسات نحو بحث أكثر تعقيدا في كيفية إنتاج المعرفة نفسها، وفي المؤسسات والصور والسياقات الاجتماعية التي صنعت تصور الأمريكيين عن الإسلام.
هذا النوع من القراءة يظهر بوضوح في كتاب المؤرخة ماريان أ. ريت، أستاذة التاريخ في جامعة مونماوث، «تمثيلات الإسلام في الرسوم الكاريكاتيرية والقصص المصورة الأمريكية، 1880–1922». تتعامل ريت مع الكاريكاتير بوصفه سجلا بصريا لتشكل صورة الإسلام في المخيلة الأمريكية، حيث تحولت علامات مثل الطربوش والعمامة والسيف والحريم إلى مفردات ثابتة في تمثيل المسلم والشرق. تبدو أهمية الكتاب في أنه يتعامل مع الإسلام بوصفه صورة اجتماعية مركبة من الجسد واللباس والمكان والجندر واللون والعنف. قطعة صغيرة من اللباس يمكن أن تتحول إلى علامة واسعة الدلالة. الطربوش يصبح اختصارا للتركي، وأحيانا للمسلم والشرقي عموما. العمامة تؤدي وظيفة قريبة، والسيف المعقوف يتحول من سلاح إلى علامة على الاستبداد والعنف، بينما يصبح الحريم صورة تختصر موقع المرأة في الشرق.
في رسوم تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، يظهر الشرق بوصفه عالما يمكن التعرف إليه من خلال مجموعة من العلامات الجاهزة. باشا، طربوش، سيف، بازار، حريم، وشخصيات ترتدي لباسا شرقيا. تقوم الصورة بمهمة التعريف السريع بالمكان والشخصيات، ويكفي ظهور الطربوش أو العمامة أو السيف كي يعرف القارئ أنه انتقل إلى عالم مختلف عن العالم الأمريكي.

هنا تظهر وظيفة الطربوش بوضوح. فهو يعمل كعلامة تصنيف، ويمنح الرسام وسيلة سريعة لوضع الشخصية داخل هوية كاملة، واستدعاء معان مرتبطة بالشرق والعثمانيين والإسلام. ومع تكرار هذه العلامة، يصبح الطربوش جزءا من الذاكرة البصرية للقارئ، ويشارك في صناعة معرفة جاهزة عن الآخر. هذه المعرفة اتسمت بقدر كبير من الالتباس. مفهوم «الشرقي» في الثقافة الأمريكية مطلع القرن العشرين، كان فضفاضا، والمسلم قد يختلط بالهندي أو الصيني أو العربي أو التركي، وقد يجمع الرسام في شخصية واحدة عناصر مأخوذة من ثقافات متباعدة. يكشف هذا الخلط جانبا من عملية أوسع لصناعة صورة الآخر. فاختزال جماعات متعددة في هيئة واحدة، جعل التعامل معها بوصفها عالما متجانسا أكثر سهولة.
بهذه الطريقة ظهر المسلم في الخيال الأمريكي قبل أن تتوسع معرفة الأمريكيين بالمجتمعات الإسلامية فعليا. وقد يكون المسلم تركيا أو عربيا أو سوريا أو هنديا أو فلبينيا، فيما يمنحه الكاريكاتير ملامح تجعل التعرف إليه سهلا ومباشرا.
المثير أن المسلم الذي عاش داخل الولايات المتحدة كان أحيانا أقل وضوحا من المسلم المتخيل في الخارج. تظهر هذه المسألة في الحديث عن حي «سوريا الصغيرة» في نيويورك. الصحافة التي كتبت عن الحي السوري ركزت على المتاجر وباعة الفاكهة والكتب والمدرسة والإشارات المسيحية، بينما بقي المسلمون الذين عاشوا هناك أقل ظهورا. المسلم القريب، الذي يرتدي بدلة ويعمل في متجر ويتحرك داخل المدينة، يصبح أقل قابلية للتصنيف، في حين يحافظ المسلم البعيد، المرتدي طربوشا أو عمامة، على حضور أوضح في الخيال.
ولم يبق الحي السوري في نيويورك مجرد مكان يعيش فيه مهاجرون قادمون من بلاد الشام، فقد تحول بدوره إلى مادة بصرية للصحافة والثقافة الشعبية الأمريكية. ظهرت رسوم لمشاهد من الحي وشخصيات من شارع واشنطن، كما دخل سكان «سوريا الصغيرة» إلى القصص الشعبية المنشورة في مطلع القرن العشرين. وكان اللباس يؤدي دورا أساسيا في تقديمهم إلى القارئ، فالعمامة والملابس الشرقية تجعل الشخصية قابلة للتعرف إليها بوصفها قادمة من الشرق، في حين كان تغيير اللباس كافيا أحيانا لإخفاء هذا الاختلاف داخل شوارع نيويورك. وبهذا أصبحت صورة الشرق في الخيال الأمريكي تتشكل أيضا من لقاء مباشر مع مهاجري الحي السوري، إلى جانب صور من الدولة العثمانية والعالم الإسلامي البعيد.
هذا التفاوت بين المسلم الحقيقي والمسلم المتخيل يكشف بعدا مهما في الكتاب. اقتراب المسلم من الحياة اليومية الأمريكية أظهر تعقيدات يصعب اختزالها، بينما وفرت المسافة الجغرافية والثقافية فرصة أكبر لتحويله إلى رمز بسيط وسهل التداول.
يمتد الخيال الأمريكي حول الإسلام أيضا إلى الجسد والمرأة.. إذ تحول عالم الحريم إلى فضاء خيالي يجمع الجنس والسلطة والغيرة والاستبداد والفضول. المرأة الشرقية تظهر محجوبة أو محتجزة، والرجل الشرقي يظهر صاحب سلطة واسعة عليها. ومع تكرار هذه الصورة، أصبح الحريم أداة تستخدم في الحديث عن الإسلام والمجتمع الشرقي بصورة عامة. وفي الوقت نفسه، أبدت الثقافة الأمريكية افتتانا واضحا بالحريم وعالمهن البصري. في العقد الثاني من القرن العشرين، فانتشرت سراويل الحريم في صفحات الموضة الأمريكية، وأصبحت الحلي والملابس ذات الطابع الشرقي جزءا من الذوق العام. بعض النساء الأمريكيات وجدن في هذه الملابس راحة وحركة أكبر، في فترة كانت المرأة فيها تحاول توسيع حضورها في المجال العام. تكشف هذه الظاهرة عن مفارقة لافتة. الحريم اللاتي قدمن بوصفهن رمزا لعزل المرأة الشرقية تحولن إلى مصدر لملابس تستخدمها امرأة أمريكية تبحث عن حرية أكبر في الحركة. وهكذا أصبحت صورة المرأة الشرقية جزءا من نقاش أمريكي داخلي حول المرأة الحديثة واللباس والجسد والخروج من المجال المنزلي إلى المجال العام. تزداد هذه المفارقة وضوحا مع المقارنة بين أوضاع النساء في الشرق والغرب. بعض الأصوات التركية في تلك المرحلة رأت أن المرأة الغربية نفسها تخضع لأشكال من التبعية الاجتماعية، ومنها حمل اسم الزوج بعد الزواج. مثل هذه المقارنات أربكت التقسيم السهل بين امرأة غربية حرة وامرأة شرقية مضطهدة، وكشفت أن الصورة الشرقية التي استخدمتها الثقافة الأمريكية للتأكيد على تقدمها كانت قادرة أيضا على إظهار بعض تناقضاتها الداخلية.
في المقابل، يظهر الوجه الذكوري للإسلام من خلال التركي والسيف. الشخصية التركية كانت من أكثر الشخصيات الإسلامية حضورا في الرسوم الأمريكية، ومع الوقت أصبحت في كثير من الحالات تمثل الإسلام نفسه. الطربوش يحدد الهوية، والسيف يوحي بالخطر، والسلطان يجسد صورة الاستبداد. بعد أخبار العنف ضد الأرمن والمسيحيين داخل الدولة العثمانية، تكثفت صورة الرجل التركي حامل السيف، وأصبح السيف الملطخ بالدم واحدا من أكثر الرموز حضورا في تمثيل الإسلام الذكوري. هكذا نشأ نوع من التقسيم داخل الخيال الأمريكي، حيث ارتبط جانب من صورة الإسلام بالحريم والمرأة، وارتبط جانب آخر بالطربوش والسيف والسلطان. هذه الرموز كانت قابلة للانتقال مع تغير الظروف السياسية. عند دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، انتقلت بعض سمات «الوحشي الشرقي» إلى صورة الألماني. احتفظ الكاريكاتير بمخزون من الصور والعلامات الجاهزة، وأعاد توظيفها مع تغير الخصوم والتحالفات.
ضمن هذا المخزون احتلت فكرة الجهاد مكانة خاصة، مع الحرب العالمية الأولى، انتشرت في الصحافة الأمريكية مخاوف من استخدام السلطان العثماني مكانته الدينية لإطلاق دعوة عالمية إلى الجهاد ضد القوى الغربية. ظهر العالم الإسلامي في بعض هذه التصورات كجسم مترابط يمكن تحريكه من مركز واحد. وصل هذا الخيال إلى الحديث عن المسلمين في الصين وإمكانية استجابتهم لدعوة جهاد صادرة من إسطنبول، وما يمكن أن يعنيه ذلك للمبشرين الأمريكيين هناك. تكشف هذه التصورات رؤية للمسلمين بوصفهم جماعة متجانسة تتجاوز الفروق القومية واللغوية والاجتماعية. التركي والصيني والعربي والافريقي، يتحولون داخل هذا الخيال إلى أعضاء في جسم ديني واحد. تظهر الفكرة نفسها في طريقة تصوير حركات مثل السنوسية في شمال افريقيا. وجود هذه الحركات كان حقيقيا، بينما منحتها بعض الكتابات الغربية حجما أكبر بكثير من واقعها، حتى ظهرت أحيانا كجزء من شبكة إسلامية واسعة تمتد عبر أكثر من منطقة. وبهذا انتقلت صورة الإسلام من الفرد ذي الطربوش والسيف إلى الخوف من حركة جماعية عابرة للحدود.
هذا الجانب يمنح كتاب ماريان ريت أهمية خاصة، فالصور التي ظهرت في العقود الأخيرة تستند في جانب منها إلى مخزون بصري وثقافي تشكل قبل ذلك بزمن طويل. الحريم والطربوش والسيف والسلطان، والجهاد، والمرأة المحجوبة، كلها كانت حاضرة في لغة سابقة استخدمتها الثقافة الأمريكية في التفكير في الإسلام.

كاتب سوري