لا يُنكر أحدٌ ما لجيل التسعينيات من منزلة خاصة داخل خريطة الشعر المغربي وفي سيرورة تحديثه الجمالي؛ فقد حقق طفرة أساسية في سياق هذا التحديث، وكان ما اضطلع به أفراده من جهود على صعيد ممارساتهم الكتابية امتدادا للجيل الذي سبقهم، لا سيما داخل رهان قصيدة النثر التي اتسعت دائرة متعاطيها بوعي وغير وعي، ومعها نشط عمل التجريب في ما اقترحوه شكليا وجماليا، منوعين المصادر المعرفية التي أخذوا ينهلون منها.
ضمن هذا الجيل يمكن أن نذكر الشاعر عمر بنلحسن، الذي اعتبر أن «القصيدة المغربية المعاصرة أضحت مع شعراء جيل التسعينيات، جسرا للتحاور والتجاور بين التراث والحداثة». انخرط في مغامرة الكتابة منذ أواخر الثمانينيات، وكانت مدينة تطوان التي بزغ فيها صوته، «مركزا إبداعيا وثقافيا بامتياز»، حيث تلاقى الشعراء باختلافاتهم ونشاطهم الإبداعي، سواء فرادى، أو ضمن تجمعات شعرية (أصدقاء لوركا- مجموعة شعراء مكسيكو…). أصدر ديوانين هما: «بالأبيض أيها الليل» (1996) و»أسافر لا أودع أحدا» (2024)، لكنه يعترف بمأزق للنشر، وبـواقع التخليط «وسط فساد وكساد عارمين». يلمس المتتبع لشعره الاعتناء باللغة وثراء المشهدية في التقاء اليومي والعابر، وبقيمة البعد الجمالي للقصيدة، الذي قطع مع الأيديولوجي الصارخ، الذي كان يسلب الشاعر صوته الفردي، وإلى اليوم ما زال يحفظ صفاء هذا الصوت ولا يقايضه بـ»انتماء زائف».
* كيف جاء عمر بنلحسن إلى الشعر، وعقد عليه زمام كينونته؟ هل تذكر واقعة أو أثرا شخصيا وراء ذلك؟
– الشعر، كالحب، هو «ألا تعرف شيئا»… فلا أدري كيف جئت إلى الشعر، ولا كيف حضرتني واحتضنتني القصيدة، حتى وجدتني متورطا فيها تورطا جميلا، أنقذني من العزلة والضياع. غير أنه يمكنني القول: إن تكويني «البدائي» إبداعيا، يعود، أولا، إلى محيطي الأسري والعائلي العام؛ فأخي الأكبر كان يمنح أركان البيت بهاء خاصا من خلال الكتب التي يوفرها. وخالة أمي كانت كريمة معي بهداياها من الحكايات والأمثال التي كانت ترويها لي، والأشعار التي تنشدها على مسامعي، وأنا بعدُ طفل يتفتح بين أركان بيتنا العتيق المتكئ على جبل أبي هلال، في حي الرويضة الشعبي في مدينة وزان، الذي يعج بكل المتناقضات، إضافة إلى عامل التنافس مع أخي منصف الذي سبقني إلى الكتابة والنشر، فتعلمت منه الكثير. ومن جهة ثانية كان لمحيطي التعلمي المدرسي وقعٌ خاص، أثّر إيجابا على موهبتي وساهم باكرا في تطويرها، فقد كان حظي وافرا لأنني تتلمذت على يد أساتذة يحبون الإبداع، وأستحضر منهم الأستاذين محمد بلعافية والرويشي في مدينة وزان، والأساتذة: إحسان البازي وعبد الصمد الجحجاح وأحمد الربودي وحفيظة الحدوثي ومصطفى الحداد في مدينة تطوان… فهؤلاء منحوني الكثير من الثقة والتشجيع، وبفضلهم واصلت الإبحار نحو ضفاف القصيدة.
لقد وجد ذاك الطفل المشاغب الذي كنته في وزان مسقط الرأس، والفتى المندهش بأناقة تطاون وهديلها، المتسلق لأسوار طنجة وأسرارها، المنفي إلى قرية «زمران» ضواحي مراكش.. وجد نفسه فجأة عاشقا للكلمات، مصابا بـ»لوثة» الشعر.. وقد تفاقمت هذه الإصابة الجميلة، بعد لقائي بالشاعر جمال الموساوي في ثانوية جابر بن حيان في تطوان، الذي كان له فضل انطلاقي نحو النشر؛ لتبدأ رحلة إبداعية بين صفحات الجرائد والملاحق الثقافية (ميثاق الشباب – الباب المفتوح على الطريق- حوار – العلم الثقافي…)، فتعرفنا على كوكبة من الشعراء استطاعوا أن يجعلوا لأنفسهم مكانا خاصا في خريطة الشعر المغربي. ومع هؤلاء الشعراء وغيرهم اشتبكنا اشتباكات جميلة، وكانت عُدتنا من كلمات صادقة وحالمة. ربما، هكذا بدأت علاقتي بالكتابة، وتشكل وعيي الأول بالشعر، فعشقت مدنا شردتني وأرشدتني إلى النقطة والفاصلة وما بينهما من علامات ترقيم تضيء خلايا الروح.
* تنتمي إلى جيل التسعينيات في الشعر المغربي، الذي حقق طفرة أساسية في سياق التحديث، وكان امتدادا للجيل الذي سبقه. ما هي أهم المكاسب والعلامات التي ميزت شعراء جيلكم؟ وما المصادر التي أخذوا ينهلون منها؟
-لا شك في أن دور المؤسسات الجامعية في المغرب، بدا واضحا ومؤثرا في تحديث المشهد الثقافي والفكري عموما، والإبداعي والشعري منه على وجه التحديد؛ إذ ساهمت الجامعة المغربية في انفتاح شعراء جيل التسعينيات في المغرب على تجارب مختلفة لكوكبة من الشعراء المغاربة والعرب، وغيرهم من الشعراء في بقاع وقارات متعددة. كما شكل اتحاد كتاب المغرب وبيت الشعر، والمهرجانات والملتقيات الشعرية التي كانت تقام وقتئذ، قاطرة أساسية قادت إلى احتضان عدد كبير من شعراء هذا الجيل الذين أعلنوا، بنزوع فئة عريضة منهم نحو قصيدة النثر، عن ميلاد أصوات شعرية لها تفردها قلبا وقالبا.. حيث تجاوزت القصيدة المغربية هيمنة عمود الشعر، وسيطرة شعر التفعيلة، ومالت ميلا كبيرا إلى التحرر عبر قوارب قصيدة النثر، التي تلاطمتها أمواج مشهد إبداعي، يقسو ويقصي قبل أن يحتضن. فاتسعت دائرة التجريب من حيث البنية والتصوير والإيقاع واللغة والتصور العام للأشياء والأسماء، في وعي واضح للحدود الرابطة والفاصلة بين الاتباع والابتداع. وإذا كانت الجامعة لا تخرّج أفواجا من الشعراء والمبدعين، فإنها فتحت شهيتهم للنهل من مجالات ومجلات ثقافية متعددة، ومدت لهم جسرا واسعا ليعبروا ويسبروا أغوار منشورات، بدا بوضوح أنها ازدهرت، وأزهرت معها أسماء جديدة «تقترف» كتابة الشعر. فقد كانت الملتقيات والمهرجانات الشعرية التي تقام فيها، (مهرجان الشعراء الطلبة في فاس – ملتقى سحر الكلام في تطوان…) إلى جانب الملتقيات الشعرية الأخرى التي كانت تقام في المغرب، فرصة مناسبة لعدد من الشعراء ليعلنوا عن أنفسهم « فرسانا» جددا للقصيدة.. وكلهم حيوية وانطلاق، ليساهموا في حركية معتبرة، بل أحدثوا انعطافا كبيرا في مسار القصيدة المغربية المعاصرة. ولعل خريطة الإصدارات الشعرية المغربية في التسعينيات، تؤكد لنا ذلك التطور الاستثنائي.
وباختصار، يمكن القول إن القصيدة المغربية المعاصرة، أضحت مع شعراء جيل التسعينيات، جسرا للتحاور والتجاور بين التراث والحداثة، فعقدت علاقة متشابكة مع التطورات السياسية عموما ومتطلبات البوح بمكنونات الذات وتفاصيل اليومي، حتى غدا قول الشعر «مشاعا» بين الناس، كل منهم يغرف من البحار التي تأسره، والوديان التي يرتضيها، وتحولت العلاقة بين «الأجيال» من علاقة جدلية إلى علاقة توفيقية.
*صدرت لك في أواسط التسعينيات باكورتك الشعرية «بالأبيض أيها الليل» (1996)، ماذا تذكر عن تلك الحقبة؟ وكيف تستعيد حماس الشباب الذي كان في العشرينيات، وأحلامه التي تفتحت وقتذاك؟
– لقد ظلت أيام الجامعة علامة مشرقة في ذاكرتي، بل وشما جميلا ضد النسيان، إذ من خلالها تحقق سفري الإبداعي الأول، بدعم مادي ومعنوي غير مشروط. كما شكلت مرحلة النشر الأولى في الصفحات الثقافية المغربية والأمسيات الشعرية التي كانت تقام في المؤسسات المدرسية والجامعية ودور الشباب، وبعض المراكز الثقافية، ومقرات الأحزاب، أواخر الثمانينيات وفي بداية التسعينيات، جسرا إبداعيا جميلا جعل شعراء مدينة تطوان والشعراء الآخرين الوافدين على المدينة لمتابعة دراساتهم الجامعية، ينفتحون على بعضهم بعضا… حتى بدت تطوان مركزا إبداعيا وثقافيا بامتياز، يصرف من خلاله الشعراء اختلافاتهم واشتباكاتهم بماء العشق للإبداع.. فمجموعتي الشعرية «بالأبيض أيها الليل» نسيج محبة صافية من صنع أيدٍ مبدعة وقلوب صافية لأصدقاء وطلبة، أذكرهم وأتذكرهم، واحدا واحدا (أصدقاء لوركا- مجموعة شعراء مكسيكو…)، على الرغم من عوامل الانجراف والتعرية التي أصابت أيامنا، وأحالت عددا منهم على الغياب. وإنني، من هنا، أود أن أجدد الشكر لهم جميعا على ذلك البهاء الذي منحوني إياه، ونحن تلاميذ وطلبة في فورة الحلم وعنفوانه، وأقول لهم: إني أراكم باستمرار بعين قلبي، وأصرخ ملء روحي: إن يدا لا ترفع إيقاع سيرها إلى أحبابها هي يد باردة، عليها أن تزم الفم وتكف لسانها عن عطر القصيدة. فلا تخجلوا من كونكم شعراء مبدعين؛ فالشعر، إن لم يطهرنا في هذا الزمن العفن إلى آخره، فهو على الأقل يتركنا أقل قذارة، بل وأكثر قدرة على اليأس الواعي الرفيع.
*أنت شاعر مقل؛ إذ بين ديوانك الأول والثاني المعنون بـ»أسافر لا أودع أحدا» (2024) نحو ثلاثة عقود، فهل هي حبسة الشعر ويأسه مما كان يحدث لك وللعالم؟
– حقا، لقد تأخر إصدار مجموعتي «أسافر لا أودع أحدا». لا أدري كيف أشرح أو أستطيع أن أفسر تأكيدي بأنها صدرت ولم تصدر لحد الآن …وهو تأَخر، لا يعود، فقط، لكوني شاعرا مقلا بالأساس، وإن كنت أجدني كذلك مقلا شعرا ونثرا، مع العلم أن لدي أعمالا شعرية أخرى أرجو أن تجد طريقها للنشر (كلاب فوق العادة- وردة الأعماق- كأنه الرقص كأنها نشوة الفناء).. بل لأن مغامرة النشر والتوزيع مغامرة محفوفة بغير قليل من المآزق، خاصة أنني متطلب بصورة قد تبدو مبالغا فيها بالمقياس الذي يحكم علاقة الكاتب بدور نشر تختلط فيها البضائع الإبداعية المكدسة هنا وهناك، وسط فساد وكساد عارمين. لقد تأجل هذا الإصدار مرارا لأسباب ذاتية وموضوعية متداخلة، غير واضحة، حتى بالنسبة لي، أنا الذي أدعي أن هذا العمل قطعةٌ من ذاتي، أريد التخلص منها لتصل إلى القارئ ولي، كما أشتهي …ولعل أسئلة كثيرة ملحة ومؤلمة تحضرني وتحاصرني الآن، وأنا أجيب عن موضوع تأخر نشر عمل، يعرف الكثير من الأصدقاء أنه عمل أرقني وأقلقني كثيرا، وتحملوا اللامبالاة والكسل اللذين اعترياني مرارا، وترددي غير المفهوم الذي ساهم كثيرا في تأخر وصولي إليهم، فقد كانوا باستمرار يدفعونني دفعا جميلا لـ»اقتراف» النشر مرة أخرى. ولذلك أجدني ممتنا لهم جميعا، عاجزا عن انتقاء الكلمات المناسبة الكفيلة بالتعبير عن شكرهم، مثمنا عاليا كل الملاحظات والتوجيهات التي تلقيتها منهم، معتذرا لهم في الوقت ذاته عن عدم تمكني من تجاوز مأزق مجموعة صدرت ولم تصدر: «أيها الأصدقاء: لم أسافر ولم أودع/ وإني أمسد بالسهو كلامي/ وأصهر صوتي بصمتي/ لا أغزل الفراغ..».
*يلاحظ المتتبع لشعرك الاعتناء باللغة وثراء المشهدية في التقاء اليومي والعابر ضمن سياق قصيدة النثر المغربية ومبادراتها التجريبية، التي قطعت مع التوظيف الشعاري – الأيديولوجي واهتمت بجماليات الكتابة. كيف انتبهت إلى قيمة البعد الجمالي بدل الأيديولوجي الذي كان يسلب الشاعر صوته الفردي، في بناء ممارستك الشعرية؟
– اللغة هبة الله لي؛ موهبة ٌربتها الأيام على أعتاب المسيد، وبين كراسي الدرس ومنعرجات الحياة ومحترف الكتابة، فَرَبَتْ وهَبتْ تجيب الداعي وتستجيب لدعوة: اقرأ.. واغرس سحر الكلام، تقطف فواكه الجمال والجلال، في بحور الكلام متعددة الشطآن. هي حاستي التي أرى بها العالم أوضح من هذا الخراب المحيط بنا. صادفتها في طرق وعرة من عمري الهارب، فصادقتني في مسرح الحياة بأدواره ودوائره، وأخرجتني من الهباء إلى البهاء. لذلك أسوي أوتارها بصدق صافٍ، حتى تفيض لحنا لا يراه العابرون، وإذ أعزف لست أقايضها بانتماء زائف لجهة أو جبهة لا تفرق بين داء المعنى وردائه. لقد أبحرت في دمي، فتبخرتُ في سمائها، وإني ما أزال على قيد القصيدة أربى خطاي على اقتناص حرف يكون مرآة لروحي. فالشعر يتجسد في بسمة طفلة تعشق الحياة. في رقصة دوري يجيد فن البحث عن قوته، ويفرد جناحيه راسما حروف الحرية. في عناق سحابتين تلقيان الغيم تحايا وأملا للفلاحين. في ضحكة شمس دافئة تمنح الأرض القدرة على تحمل سخافات عالمنا المريض بكل العاهات. في أصص من على الشباك، يحيي بأزهاره المفعمة بالجمال المارين إلى تعب الحياة، ويحفزهم على معانقة الأمل. في» تحير» فراشة تسمو فيتخطفها الضوء، وترسل سلاما للتائهين. في تشقق أكف العمال وهم يمسدون جروح حالهم ويهزمون بالتغاضي والرضى حلكة الأزمنة …
إن الشعر في رأيي هو أن نحلم بغرس فسائل تنمو وتنمو، ثم تخضر وتزهر في أرض الله الواسعة، هنا وهناك، ليصيرَ بالوسع عزف نشيد إنساني غامر بالخير والمحبة، بإيقاعات متنوعة وأشكال ممتدة من وإلى قلب الإنسان.
*ما هي طقوسك الخاصة أثناء الكتابة؟ وهل تعود إلى تنقيح ما تكتب؟ لماذا تكتب؟ ولمن تكتب؟
– لا طقوس محددة لديّ أثناء الكتابة… ويمكن أن أكتب في أي وقت، وفي أي مكان.. أحيانا أذبح ببياضي حلكة الليل، وأخرى أستقبل الفجر بحروف نافرة، أو ألَوحُ وجه القصيدة بلفحات شمس دافئة، أو أغسل روحي بزخات المطر، وقد يفاجئ الطلقُ القصيدةَ وهي منشغلة بعذوبة الحياة وعذاباتها. وهي هنا وهناك، ليست هواية عابرة أزجي بها الوقت، بل ضرورة أتنفسها كالهواء. غير أن فعل الكتابة لدي يبقى فعلا مقدسا بمعنى من المعاني.. فمنذ سنوات طويلة لا أكتب نصا على الورقة، إلا بعد أن يأخذ له مكانا قصيا في ذاكرتي؛ مقطعا مقطعا، أو صورة صورة؛ أستنطق الكلمات وأستقطرها؛ أمنحها حق أن تختار الانتماء إلى أو الانطفاء.. ولعل أغلب النصوص التي كتبتها بالذاكرة حفظتني عن ظهر قلب، حتى غدا الرجوع إليها رجوع اكتفاء يشبه الرضا. هكذا يبدو الشعر ذاك الحاضر الغائب في حياتنا جميعا؛ نراه ولا نراه، حتى أنه يحق لنا أن نقول: إن علاقة متينة كائنة وكامنة بين الشعر وهذا الكون بجماله وجلاله.. لكن، قبل هذا وذاك، وأمام هذه الهمجية والوحشية التي يشهدها عالمنا المعاصر، أتساءل بحيرة وحزن فادحين: هل بقي فينا شيء من الشعر لنكتبه ونُرَى من خلاله واضحين كأحلامنا؟
إن علاقتي بالشعر لا تنفصل عن علاقتي بالإنسان، على الرغم من الليل والهواء الفاسد، لذلك كتبت وأكتب للإنسان، حالما بالضوء والهواء وعطر القصيدة. ولن أنسى أبدا، أنني عشت في طفولتي موزعا بين نباح الكلاب وتغريد العصافير، فاخترت أن أجاري العصافير وأجري خلفها بأجنحة من خيال.