هل تكفي تجربة واحدة للحكم على إبداع الآلة؟ سجال مع أمير تاج السر


دافع الروائي أمير تاج السر، في مقاله «استبعاد» المنشور في «القدس العربي» بعدد 12 أكتوبر/تشرين الأول 2026، عن الروائي الكندي الهايتي ثيلسون أورليان، صاحب رواية «إما هذا أو الموت» التي أبعدت روايته عن المنافسة على غونكور وسط اتهامات باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وقد اعترض تاج السر على التسرع في اتهام الكتّاب بهذه التهمة، لكن دفاعه قام جزئيا على اعتقاد يحتاج إلى مناقشة متعمقة؛ ويبدو لي أن الكاتب أمير تسرع كثيرا في حكمه بالقول: تستطيع هذه البرامج إنتاج حكاية وشخصيات، لكنها لن تكتب أدبا رفيعا يستحق جائزة كبيرة. وقد استند في هذا الاستنتاج والحكم الصارم إلى تجربة شخصية، حصل خلالها على قصة نمطية عن الحرب السودانية، وكانت بعيدة عن التفاصيل التي يعرفها وعاش بعضها.
وتكمن المشكلة هنا في المسافة بين هذه التجربة والاستنتاج القوي الذي خرج به. فهو لم يذكر في المقال اسم البرنامج أو إصداره أو تاريخ استخدامه، ولا المواد التي قدمها له، ولا كم عدد المحاولات التي عملها معه. وكل هذه التفاصيل ضرورية ومهمة جدا كي نفهم النتيجة. ربما كانت تجربته قد كشفت عن ضعف أداة معينة، أو عن قصور طريقة قام باستخدامها، أو حتى عن عجزها عن تنفيذ طلب محدد. ولكن أن نجعلها دليلا قاطعا على حدود الذكاء الاصطناعي كله، وعلى ما سيستطيع إنجازه مستقبلا، فهنا نجد أن الروائي أمير قد حمّلها أكثر مما تحتمل وحكمه متسرع جدا.
نعلم جميعا أننا أمام مجال يشهد تطويرا متواصلا ومذهلا وتصب فيه استثمارات ضخمة بمئات المليارات. فمثلا يذكر تقرير ستانفورد للذكاء الاصطناعي لعام 2026 أن الاستثمار المؤسسي العالمي في المجال تضاعف بأكثر من الضعف خلال عام 2025. طبعا هذا الرقم لا يثبت قدرة الآلة على كتابة رواية عظيمة، لكنه يوضح حجم الجهد المبذول لتحسين النماذج وتوسيع استخداماتها وتغذيتها بملايين النسخ من الكتب. إذن؛ إن أي تقييم يتجاهل كل هذا التطور قد يبقى متعلقا بأداة ربما تكون قديمة وتجاوزتها إصدارات لاحقة، أو بخدمة محدودة ربما كانت مجانية ولا تمثل الإمكانات المتاحة للباحثين والمؤسسات والمستخدمين المتخصصين.
ولا يصح اختزال وظيفة هذه الأنظمة في أنها تجمع الأخبار المتداولة فقط وتعيد ترتيبها. فقد اعتمد تطوير بعضها على مجموعات هائلة من النصوص والكتب والتسجيلات الموسيقية والصور والأفلام. ووفق نقابة المؤلفين الأمريكية، نزّلت شركة أنثروبيك نحو سبعة ملايين نسخة من الكتب من مصدرين، واستوفى نحو نصف مليون عنوان شروط الإدراج في التسوية المتعلقة بالقضية. وبالطبع ينبغي علينا أن نميز هنا بين كل هذه النسخ المجموعة والكتب والمواد المختلفة، وبين الجمع والاستخدام الفعلي في التدريب، ورغم ذلك، يكشف الواقع مقدار اتساع المواد التي تسعى الشركات إلى الاستفادة منها.
بالتأكيد لا أحد يمكنه أن يدعي، أن وفرة الكتب وكثرة تدريب هذه البرامج يعني أن الذكاء الاصطناعي أصبح يمتلك خبرة كاتب أو ذاكرته، كما لا تعني أنه يستوعب كل ما يتدرب عليه بالدرجة نفسها. ولكن كل هذه المعطيات تدعونا أيضا إلى اختبار قدرته على بناء مشهد، وتغيير منظور السرد، واقتراحات الحوار، ومراجعة تسلسل الأحداث، بدل ان نفترض أنه لا يستطيع سوى إنتاج كلام مألوف. وتوضح الوثائق التقنية أن اختيار النموذج يتأثر بتنظيم المعلومات والأمثلة المقدمة إليه كل هذه العناصر تؤثر في أدائه. لذلك تختلف المحادثة العابرة عن العمل المتدرج الذي تتبعه مراجعات وتصحيحات وتدخل إنساني قد تمتد لأسابيع أو أشهر. ومن هنا تأتي أهمية ملاحظتنا عن الخدمات المجانية، مع تجنب أي مبالغة فيها أو حكم عليها. لا نعرف إن كان أمير تاج السر قد استخدم خدمة مجانية أصلا، وليس من الإنصاف افتراض هذا. كذلك حتى الخدمة المدفوعة فإنها لا تضمن كتابة أفضل في كل مرة. ما نعترض عليه في هذا المقال هو الحكم دون تحديد شروط التجربة ولم نعرف أي نموذج تم استُخدمه؟ وما هي المعلومات التي تلقاها؟ وغير ذلك من الأسئلة.
في تجربة الحرب السودانية، قدّم البرنامج، حسب المقال، قصة حب تنتهي بموت طرفيها. وكان اعتراض الكاتب مفهوما على اختزال واقع شديد التعقيد في حبكة مستهلكة. أود هنا أن نأخذ نموذج في السينما والتلفزيون، دخل الذكاء الاصطناعي بالفعل إلى بعض عمليات الإنتاج. فقد أعلنت ليونزغيت سنة 2024 تعاونا مع شركة رانواي لتطوير نموذج مخصص يستند إلى رصيدها السينمائي والتلفزيوني. وذكر إعلان توسيع التعاون سنة 2026 استخدامات تشمل التصور البصري المسبق ولوحات المشاهد وإنتاج الصور النهائية. وكل هذا أيضا لا يعني أن الشركة أسندت كتابة سيناريوهاتها كاملة إلى البرامج، لكنه يوضح أن المؤسسات تختبر أدوات متخصصة، تدربها وتدمجها في أعمال تتجاوز المحادثات الفردية. أما كتابة السيناريو، فيوجد مثال معروف وهو فيلم «كاتب السيناريو الأخير» للمخرج بيتر لويزي، الذي أُنجز بسيناريو مولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي. وأثار الفيلم اعتراضات أدت إلى إلغاء عرضه العام المقرر في إحدى صالات لندن عام 2024. لا نقول إن الفيلم تحفة كي نستفيد من المثال ونكرره؛ ولكن كتابة مولدة بالفعل إلى عمل منفذ تمنح المشاهد والناقد فرصة لتقييمه. وهنا يكون السؤال عن نجاح المشاهد والحوار والبناء أكثر فائدة من الجزم باستحالة الإنجاز، كون إنجاز أعمال بدعم وبواسطة الذكاء الاصطناعي أصبحت واقعا وليس شيئا سيحدث في المستقبل. وتوجد نتائج بحثية منشورة دعت إلى ضرورة مراجعة الأحكام المطلقة. ففي دراسة نشرتها مجلة «ساينتيفيك ريبورتس» في أواخر عام 2024، واجه قراء غير متخصصين صعوبة في التمييز بين قصائد بشرية وأخرى مولدة، ومنحوا القصائد المولدة تقييمات أعلى في جوانب عدة. وهذه النتيجة لا تسمح بالقول، أو الحكم بأن الآلة أصبحت أعظم من الشعراء، وقد يصعب نقلها مباشرة إلى الرواية الطويلة. لكنها تضعف الاعتقاد بأن القارئ سيكتشف دائما النص المولد من ركاكته، أو افتقاره إلى التأثير، أو بسبب أنه مصقول كثيرا ويخلو من الأخطاء اللغوية. وفي بعض النقاشات العربية، كما في نقاشات خارجها، تتحول شهادة الاستخدام السريع إلى حكم نهائي على الإبداع بمساعدة الذكاء الاصطناعي. يصعب تقدير مدى انتشار هذا السلوك من دون دراسة، لكن مقال «استبعاد» يقدم نموذجا واضحا للانتقال من خيبة شخصية إلى نفي قدرة عامة. وكان الأجدى أن يصف الكاتب تجربته وحدودها، وأن يترك استنتاجه مفتوحا للمقارنة.
أصل من ذلك إلى استنتاجات محددة.
أولا: إن حدوث نتيجة ضعيفة لا تكفي لإثبات عجز جميع النماذج.
ثانيا: أن الاستثمار وكثرة مواد التدريب قد لا يثبتان وحدهما التفوق الأدبي.
ثالثا: إن الاستخدام السينمائي والفني أصبح واقعا يستحق المتابعة النقدية، مع ضرورة التمييز بين توليد النص والمساعدة في الإنتاج.
رابعا: إن قيمة الرواية وطريقة تأليفها سؤالان، يحتاج كل واحد منهما إلى أدلته. أما الدفاع عن أي كاتب متهم، فيجب أن يتم تقويته عندما نفحص الاتهام وكل المعطيات، من دون الحاجة إلى افتراض أن الأدوات المتاحة له عاجزة سلفا عن كتابة نص مؤثر. ويمكن أن نختلف بشأن قبول المساهمة الآلية في أي جائزة أدبية، لكن هذه الاختلافات تحتاج إلى شروط معلنة وليس إلى تقدير تقني مستمد من تجربة واحدة.
وفي الأخير فإننا ربما أصبحنا نتأثر بلغة الخوارزميات وربما أغلب القنوات الإعلامية تستفيد منه في التحرير. وختاما، فإننا نعلم جميعا أن دور النشر الكبرى تمتلك خبرات وتقدم دعما تحريريا للكاتب ويراجع الأعمال نقاد مختصون، إذن فالكاتب لا يعمل بمفرده وبموهبته فقط.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *