برلين- “القدس العربي”: أصدرت محكمة ألمانية أحكاماً بالسجن بحق رجلين أدينا بالتجسس والتخطيط لاستهداف شخصيات يهودية وألمانية بارزة ومؤسسات مرتبطة بإسرائيل، في قضية اعتبرتها المحكمة مؤشراً على نشاط أمني إيراني داخل ألمانيا يتجاوز جمع المعلومات إلى الإعداد لعمليات عنف.
وقضت المحكمة الإقليمية العليا في هامبورغ بسجن المواطن الدنماركي علي س. ثماني سنوات ونصف السنة، فيما حُكم على شريكه الأفغاني تواب م. بالسجن أربع سنوات ونصف السنة.
وكان من بين الأهداف المحتملة، وفق التحقيقات، فولكر بيك، الرئيس الحالي للجمعية الألمانية-الإسرائيلية وعضو البرلمان السابق عن حزب الخضر، إضافة إلى يوزيف شوستر، رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا.
وقالت رئيسة هيئة المحكمة أثناء النطق بالحكم إن القضية تتعلق بـ«أنشطة إرهابية بترتيب من إيران»، مضيفة أن المتهم الرئيسي كان يستعد لعملية قتل ذات دوافع سياسية.
من التجسس إلى التخطيط للهجوم
تعود القضية إلى مطلع عام 2025، عندما تقول النيابة العامة إن علي س. تلقى تعليمات من جهات مرتبطة بفيلق القدس، الذراع المسؤولة عن العمليات الخارجية في الحرس الثوري الإيراني.
وبحسب التحقيقات، لم تقتصر مهمته على جمع معلومات عامة، بل شملت مراقبة مواقع وشخصيات بعينها وإعداد بيانات يمكن استخدامها في تنفيذ اعتداءات لاحقة.
وخلال إقامته في برلين التقط صوراً لمقر الجمعية الألمانية-الإسرائيلية، ولمبنى يرتبط بعمل يوزيف شوستر، إضافة إلى متجر يهودي للمواد الغذائية.
وتشير نتائج التحقيق إلى أن فكرة استهداف المتجر تجاوزت مرحلة المراقبة، إذ بحث المتهم في إمكانية تنفيذ هجوم حارق، فيما كانت السلطات الأمنية الألمانية تتابع تحركاته خلال فترة جمع المعلومات.
خطة لاستهداف فولكر بيك
وفي ما يتعلق بفولكر بيك، تقول النيابة إن التخطيط وصل إلى مرحلة أكثر تقدماً.
فقد التقى علي س. بشريكه تواب م. عدة مرات بين نهاية مايو/أيار وبداية يونيو/حزيران 2025، وطلب منه البحث عن شخص يمكنه تنفيذ عملية قتل، إلى جانب توفير سلاح مناسب.
وتضمنت الاتصالات بين الطرفين صورة لبيك ومعلومات مرتبطة بمقر الجمعية الألمانية-الإسرائيلية.
أما تواب م. فقال خلال المحاكمة إنه لم يكن على علم بالخلفية السياسية للخطة، وإنه تلقى رواية مختلفة عن الشخص المستهدف، لكن المحكمة لم تقتنع بهذا الدفاع واعتبرت أن الأدلة المتوفرة تشير إلى معرفته بطبيعة المهمة التي طُلبت منه.
اتصالات مرتبطة بإيران
وعثر المحققون، بحسب ما عرض خلال المحاكمة، على اتصالات وبيانات رقمية دعمت الاشتباه بوجود صلة بين المتهم الرئيسي وجهات مرتبطة بإيران.
وأظهرت التحقيقات وجود رقم هاتف إيراني محفوظ باسم مستعار، إضافة إلى مواد وصور اعتبرتها المحكمة جزءاً من الخلفية السياسية للقضية.
وتقول النيابة إن هذه الاتصالات تعزز فرضية أن العملية لم تكن مبادرة فردية، بل جاءت ضمن نشاط منظم هدفه مراقبة واستهداف شخصيات تعتبرها طهران معادية لها أو قريبة من إسرائيل.
الاعتقال في الدنمارك
ألقي القبض على علي س. في الدنمارك خلال عام 2025، قبل أن يتم تسليمه إلى السلطات الألمانية. كما اعتُقل تواب م. لاحقاً في الدنمارك ونقل إلى ألمانيا لمواجهة الاتهامات.
وأثارت القضية منذ البداية توتراً دبلوماسياً بين برلين وطهران، إذ استدعت الخارجية الألمانية السفير الإيراني عقب توقيف المتهم الرئيسي. في المقابل، رفضت السفارة الإيرانية في برلين الاتهامات ووصفتها بأنها مزاعم لا أساس لها.
فولكر بيك يطالب بتشديد الموقف
فولكر بيك، الذي كان من بين الأهداف المحتملة، اعتبر الحكم دليلاً على أن الخطر يتجاوز شخصه إلى السياسة الأمنية الألمانية بصورة عامة.
وقال إن المحاكمة أظهرت، من وجهة نظره، أن إيران تنقل نشاطها الأمني إلى الأراضي الألمانية، مطالباً الحكومة الألمانية باتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه طهران.
ورأى بيك أن ما كشفته القضية يجب أن يُفهم على أنه تحذير، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باستهداف شخصيات يهودية أو مؤيدة لإسرائيل أو شخصيات سياسية ألمانية.
سوابق تقلق الأجهزة الألمانية
وسبق للسلطات الألمانية أن وجهت اتهامات إلى جهات مرتبطة بإيران بمراقبة معارضين أو استهداف مؤسسات يهودية داخل البلاد.
وفي قضايا سابقة، تحدثت المحاكم الألمانية عن صلات بين عمليات جرت على الأراضي الألمانية وجهات مرتبطة بالدولة الإيرانية.
كما اتخذت الحكومة الألمانية خلال السنوات الماضية إجراءات ضد مؤسسات اعتبرتها قريبة من النظام الإيراني، من بينها حظر المركز الإسلامي في هامبورغ.
لكن القضية الحالية أثارت اهتماماً أكبر، لأنها لا تتعلق فقط بمعارضين إيرانيين في المنفى، بل بأسماء ألمانية معروفة ومؤسسات يهودية وإسرائيلية داخل ألمانيا.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات الألمانية الإيرانية توتراً متزايداً بسبب ملفات عدة، من بينها السياسة الإقليمية لطهران، وبرنامجها النووي، والاتهامات الموجهة إلى أجهزتها الأمنية بالنشاط داخل أوروبا.