جدل في إيران بعد انتقاد مسؤول لـ”التجوّل بلا هدف” في شوارع طهران


طهران-“القدس العربي”: أثارت التصريحات الأخيرة لعلي رفيعي، رئيس إدارة الأماكن العامة في طهران، التابعة لقوات الشرطة الإيرانية، بشأن المقاهي في شارعي سنائي وإيرانشهر، وهما من الشوارع المعروفة في وسط العاصمة، جدلاً واسعاً.

وجاء ذلك بعدما انتقد المسؤول الازدحام وكثرة المترددين على هذين الشارعين، مشيراً إلى تجوّل أشخاص فيهما سيراً على الأقدام من دون هدف محدد. ووصف هذا السلوك بعبارة “التجوّل ذهاباً وإياباً للمشاة”.

وأثارت هذه التصريحات ردود فعل وانتقادات واسعة. وكان علي رفيعي قد قال بشأن المقاهي في شارعي سنائي وإيرانشهر، إن من يزور هذين الشارعين سيرى أنهما تحوّلا إلى “مكان للتجوّل ذهاباً وإياباً للمشاة”. وأضاف أن بعض الشباب يسيرون من بداية الشارع إلى نهايته ثم يعودون، وعندما يُسألون عن سبب مجيئهم، فإنهم “لا يعرفون هم أنفسهم”.

ووصف رفيعي الشارعين بأنهما “ضيّقان ومزدحمان”، مشيراً إلى أن تقديم خدمات المقاهي في الأرصفة ونصب الطاولات والمستلزمات فيها يسهمان في زيادة الازدحام وعرقلة حركة المشاة. كما قال إن الشرطة ستتخذ إجراءات بحق المقاهي التي لا تلتزم بقواعد الحجاب.

وتحوّل شارعا سنائي وإيرانشهر، الواقعان في وسط طهران، خلال السنوات الأخيرة، إلى ملتقى ليلي للشباب، مع افتتاح عدد كبير من المقاهي فيهما.

ويقع الشارعان بالقرب من مؤسسات ثقافية وفنية ومعارض فنية ومراكز لتعليم الموسيقى ومكتبات. كما يقع “بيت الفنانين” ومسرح إيرانشهر (مركز الدراما والمسرح) في شارع إيرانشهر، فيما يتصل شارع كريمخان، المعروف بالمكتبات وممثليات دور النشر الأدبية الكبرى، بشارع سنائي.

وعند دخول هذين الشارعين، يمكن مشاهدة عدد كبير من المقاهي ذات الأشكال والأنماط المختلفة. ويقف أمام كثير منها شبان وشابات يتحدثون معاً ويحتسون القهوة. كما تظهر فتيات ونساء كثيرات من دون حجاب، ويرتدين ملابس اعتيادية، بعيداً عن التشادور والمانطو، وهما من الملابس التقليدية الشائعة في إيران.

انتشار المقاهي يغيّر صورة طهران

غيّرت المقاهي خلال السنوات الأخيرة صورة العاصمة الإيرانية. فقد تضاعفت واردات القهوة إلى إيران 7 مرات خلال السنوات الثماني الماضية. وأصبح مشهد المقاهي المختلفة والشباب والفتيات وهم يحتسون أنواعاً متعددة من القهوة أمراً مألوفاً في طهران، بعدما كانت المقاهي وزبائنها محدودين للغاية.

وفي طهران، التي يبلغ عدد سكانها أقل من 10 ملايين بقليل، ينشط نحو 500 إلى 600 مقهى، وفقاً لتصريحات مسؤولين، في حين يرجّح كثيرون أن العدد الفعلي أكبر من ذلك.

كما أعلن رفيعي أن تقديم النرجيلة في المقاهي وإقامة حفلات موسيقية حية من دون الحصول على التصاريح اللازمة أمران ممنوعان. وأضاف أن استخدام منسّقي الموسيقى (دي جي)، إلى جانب وجود بعض الأدوات والمعدات المرتبطة بالقمار، من بين الأمور التي تحظرها الشرطة وتتعامل معها بالإجراءات القانونية.

وأثارت تصريحاته ردود فعل واسعة من ناشطين اجتماعيين ومستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي. وتساءل منتقدون: هل أصبح التجوّل سيراً على الأقدام جريمة أيضاً؟

وجاء نشر هذه التصريحات في أعقاب إغلاق وختم عدد كبير من المقاهي في طهران ومدن إيرانية أخرى. كما طُرح وجود فتيات ونساء من دون حجاب في المقاهي باعتباره أحد أسباب إغلاق بعضها.

وفي الوقت نفسه، انتقد عدد من التيارات الدينية المتشددة في إيران بشدة انتشار المقاهي. ويرى منتقدوها أن توسّع هذه الظاهرة يُستخدم أداة لتغيير نمط الحياة والترويج للحياة الغربية، إذ يعتبرون احتساء القهوة رمزاً لثقافة غربية وغير دينية. في المقابل، يقول منتقدو هذا الطرح إن للقهوة جذوراً في التاريخ الإيراني، مستشهدين بمصطلح “قهوة خانه” یعنی بیت القهوة، وهو تعبير فارسي قديم يعني المقهى.

وكتب موقع “تابناك” الإخباري، المحسوب على التيار المحافظ، تعليقاً على اعتبار رفيعي “وجود بعض الشباب من دون هدف محدد” أحد العوامل التي تسبب الازدحام والاستياء في المنطقة، أن هذه العبارة القصيرة تطرح سؤالاً مهماً أمام الرأي العام: هل يحتاج وجود المواطن في الفضاء العام للمدينة إلى “هدف محدد”؟ وهل يتعين على الشخص أن يقدّم سبباً لوجوده في الشارع؟
وتابع “تابناك”: “قد يتجوّل المواطن في الشارع، أو يتحدث مع أصدقائه، أو يجلس في مقهى، أو ينتظر شخصاً آخر، أو يرغب ببساطة في قضاء ساعة من وقته في الفضاء العام للمدينة. وفي مثل هذه الظروف، ما المعيار الذي يحدد ما إذا كان وجوده هادفاً أم بلا هدف؟ وهل يحتاج الوجود في الشارع، بحد ذاته، إلى تقديم مبرر وتفسير؟”.

إلى ذلك، قال الناشط الاجتماعي وحيد نوروزی: “هل المدينة مخصّصة حقاً للعمل والاستهلاك فقط؟ وما المشكلة في تجوّل المشاة ذهاباً وإياباً؟ الشارع ليس مجرد طريق للوصول إلى وجهة أو مكان للتسوّق، بل هو جزء من الحياة الحضرية نفسها. يحق للناس التجوّل في المدينة والتوقف والتواصل الاجتماعي، بل وحتى عدم شراء أي شيء. المدينة وُجدت للعيش فيها، لا للاستهلاك فقط. المدينة كائن حي، لذا يُرجى مراعاة ذلك”.

وحسب موقع “فرارو” الإخباري، يرى عالم الاجتماع مهدي قوامي بور أن القضية لا يمكن اختزالها في سلوك الشباب وطريقة قضاء أوقاتهم في الشوارع.

وقال إن “هذه التصريحات، أكثر من كونها مجرد وصف لسلوك الشباب أو انتقاد له، قد تعبّر عن تصور معين للشارع وطريقة وجود المواطنين في المدينة، وكأن الشارع ليس سوى طريق للعبور، وأن الوجود فيه لا تكون له دلالة إلا إذا كان الشخص متجهاً إلى وجهة محددة”.

وأضاف: “وفقاً لهذا التصور، إذا وجد شخص في الشارع من دون وجهة محددة، يُصنّف سلوكه على أنه تجوّل ذهاباً وإياباً بلا معنى. وبعبارة أخرى، لا تكتفي السلطة بتحديد السلوك المقبول اجتماعياً، بل إنها تطلق أيضاً تسميات على السلوك الذي تعتبره مخالفاً للمعايير”.

وتساءل قوامي بور عما إذا كان الشارع مجرد طريق للعبور ومسار للوصول إلى وجهة معينة، موضحاً أن “كثيراً من الباحثين في شؤون المدن يرون أن الشوارع والأرصفة تتجاوز كونها مجرد مسارات لحركة المرور”.

وتابع عالم الاجتماع: “يتجوّل الإنسان في الشارع، ويرى الآخرين ويكون مرئياً لهم، ويلتقي أصدقاءه، ويقضي وقته، ويختبر جانباً من حياته الاجتماعية. ولذلك، ليس من الضروري تعريف الوجود في الشارع على أساس وجود وجهة محددة”.

وحسب قوامي بور، فإن التغيّر الذي طرأ على شكل الشوارع خلال القرن الماضي لم يكن هدفه الوحيد تسهيل النقل والوصول إلى الوجهات بسرعة أكبر، إذ يقول: “لطالما كان الشارع فضاءً لقضاء أوقات الفراغ والتواصل الاجتماعي ومشاهدة المدينة والتعبير عن أنماط الحياة أيضاً”.

وفي مقال نشرته صحيفة “اعتماد” الإصلاحية، كتب بهنام فرهنگ، الناشط في المجال القانوني، متسائلاً: “هل يجب على المواطن أن يُبلغ الشرطة بسبب تجوّله في الشارع أو جلوسه في مقهى أو مجرد وجوده في فضاء عام؟”.

وأضاف أن الإجابة القانونية ينبغي أن تبدأ من مبدأ بسيط، وهو أن أي قيد على حرية المواطنين يحتاج إلى أساس قانوني.

وتابع: “لذلك، فإن التجوّل سيراً على الأقدام أو الوجود في الشارع أو الجلوس في مقهى أو عدم وجود وجهة محددة، لا يشكّل في حد ذاته فعلاً مجرّماً. فقد يسير شخص في شارع معين مراراً، من دون أن تكون له أي وجهة سوى التجوّل نفسه”.

وأضاف فرهنگ: “في الحياة الحضرية، يكون الوجود أحياناً هدفاً بحد ذاته. والمواطن ليس ملزماً، من حيث المبدأ، بتقديم تبرير لاستخدام الفضاء العام”.

وجاء في المقال أيضاً: “عندما يصبح الوجود في الشارع بحاجة إلى تفسير، لا تعود القضية مقتصرة على ازدحام شارع معين، بل تتعلق بطبيعة العلاقة بين المواطن والسلطة وحدود تدخل الحكم في الحياة اليومية للناس”.

وأضاف الكاتب أن التعامل مع كل ملتقى اجتماعي باعتباره مشكلة بسبب الازدحام، ومع كل تجمع سلمي باعتباره موضع شبهة بسبب احتمال وقوع مخالفة، ومع كل مقهى من منظور أمني بسبب وجود الزبائن فيه، لن يؤدي إلى تقليل الازدحام فحسب، بل قد يتسبب أيضاً في إضعاف جانب من الحياة الاجتماعية للمدينة وربما القضاء عليه.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *