برلين- “القدس العربي”: أثار قرار السلطات الإسرائيلية منع مراسلة صحيفة “تاز” الألمانية من العمل والدخول إلى إسرائيل جدلاً متزايداً في ألمانيا، بعدما انتقلت القضية من خلاف يتعلق بتأشيرة صحافية إلى نقاش أوسع حول حدود حرية الصحافة وإمكانية استخدام القوانين الإسرائيلية ضد الصحافيين الذين ينتقدون سياسات الحكومة في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتعمل الصحافية سيرينا بيلانتشيري منذ سنوات في تغطية شؤون الشرق الأوسط، وأصبحت منذ حزيران/يونيو الماضي مراسلة رسمية لصحيفة “تاز” في إسرائيل والأراضي الفلسطينية. وخلال الأشهر الأخيرة، تناولت في عدد من تقاريرها عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، ودور الجيش الإسرائيلي، إلى جانب الأوضاع الإنسانية في غزة.
لكن السلطات الإسرائيلية سحبت تصريح إقامتها ورفضت منحها تأشيرة عمل، مستندة إلى اتهامات بأنها دعت إلى مقاطعة إسرائيل، وهو ما تنفيه الصحافية وإدارة الصحيفة.
اتهامات بالمقاطعة
بحسب صحيفة “تاز”، استندت السلطات الإسرائيلية في قرارها إلى تعديل قانوني أُقر عام 2025 يسمح برفض أو سحب تصريح الإقامة في حالات من بينها الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل. وتؤكد الصحيفة أن بيلانتشيري لم تدعُ إلى مقاطعة الدولة، بل طالبت في مقالات رأي بفرض عقوبات سياسية ومالية وعسكرية على الحكومة الإسرائيلية بسبب سياساتها في الأراضي الفلسطينية.
ويرى القائمون على الصحيفة أن الخلاف هنا يتجاوز تقييم مقال أو تعليق صحافي، إذ يطرح سؤالاً حول المسافة الفاصلة بين انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية وبين اعتبار هذا الانتقاد عملاً يستوجب منع الصحافي من الدخول والعمل.
يرى القائمون على الصحيفة أن الخلاف هنا يتجاوز تقييم مقال أو تعليق صحافي، إذ يطرح سؤالاً حول المسافة الفاصلة بين انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية وبين اعتبار هذا الانتقاد عملاً يستوجب منع الصحافي من الدخول والعمل
وكانت بيلانتشيري قد واجهت مشكلات مع السلطات الإسرائيلية قبل الأزمة الحالية. ففي عام 2025، احتُجز حاسوبها المحمول في مطار تل أبيب لعدة أيام قبل أن يُعاد إليها متضرراً. ووفق تقرير لـ”تاغسشاو”، فإن فحص الجهاز لاحقاً أشار إلى احتمال كبير في أن تكون محتوياته قد تعرضت للوصول خلال فترة احتجازه.
الخارجية الألمانية تتدخل
دفعت القضية الحكومة الألمانية إلى التحرك على المستوى الدبلوماسي. وقالت وزارة الخارجية الألمانية إن حالة الصحافية معروفة لديها، وإن برلين أثارت الموضوع مع الجانب الإسرائيلي أكثر من مرة وعلى مستويات سياسية رفيعة.
وأكدت الخارجية أن ألمانيا تدافع عن حرية الصحافة “دائماً وفي كل مكان”، وأنها تسعى إلى إيجاد حل يسمح للصحافية بممارسة عملها، بما يشمل تغطية إسرائيل والأراضي الفلسطينية.
ولم تصل برلين حتى الآن إلى حد توجيه انتقاد قانوني مباشر للتشريع الإسرائيلي، إلا أن دخول الخارجية على الخط يعكس حساسية القضية بالنسبة إلى الحكومة الألمانية، خصوصاً أنها تتعلق بصحافية تعمل لمؤسسة إعلامية ألمانية معروفة.
الضفة في خلفية الأزمة
ترفض الصحيفة الربط بين انتقاد الحكومة الإسرائيلية وبين عدم الاستقلالية الصحافية، معتبرة أن تغطية الاحتلال أو المستوطنات أو الأوضاع الإنسانية في غزة جزء طبيعي من عمل أي مراسل في المنطقة
ما يمنح القضية بعداً إضافياً هو طبيعة التغطية التي قدمتها بيلانتشيري خلال الفترة الماضية. فقد ركز جزء من عملها على عنف المستوطنين في الضفة الغربية وعلى علاقة الجيش الإسرائيلي بالأحداث هناك، وهي ملفات أصبحت موضع نقاش أوسع في الإعلام الألماني خلال الأشهر الأخيرة.
وترفض الصحيفة الربط بين انتقاد الحكومة الإسرائيلية وبين عدم الاستقلالية الصحافية، معتبرة أن تغطية الاحتلال أو المستوطنات أو الأوضاع الإنسانية في غزة جزء طبيعي من عمل أي مراسل في المنطقة.
وتشير القضية أيضاً إلى مشكلة أوسع بالنسبة إلى الصحافيين الأجانب العاملين في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، إذ إن رفض التأشيرة أو تصريح الإقامة لا يعني فقط عدم القدرة على دخول إسرائيل، وإنما يحد عملياً من إمكانية الوصول إلى أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية التي تتطلب المرور عبر نقاط تسيطر عليها إسرائيل.
أبعد من قضية صحافية
بالنسبة إلى المؤسسات الإعلامية الألمانية، تكمن المخاوف في أن تتحول هذه الحالة إلى سابقة يمكن من خلالها توسيع مفهوم “المقاطعة” ليشمل مطالب سياسية أو انتقادات لسياسات الحكومة الإسرائيلية.
أما بالنسبة إلى الحكومة الألمانية، فتضع القضية برلين أمام معادلة حساسة: فهي تؤكد باستمرار خصوصية علاقتها مع إسرائيل والتزامها بأمنها، لكنها تجد نفسها في الوقت نفسه مطالبة بالدفاع عن حرية صحافية ألمانية ترى مؤسستها أنها عوقبت بسبب مواقف نقدية تجاه الحكومة الإسرائيلية.