أصيلة (المغرب) ـ «القدس العربي» : احتفت مدينة أصيلة المغربية بالأديب والباحث مبارك ربيع، في ندوة تكريمية أقيمت ضمن موسم أصيلة الثقافي الدولي، تحت عنوان «حياة في حضرة الكتابة»، بمشاركة عدد من النقاد والباحثين والمبدعين المغاربة والعرب. واستعادت الندوة، التي احتضنتها «خيمة الإبداع»، أكثر من نصف قرن من تجربته الأدبية والفكرية، من خلال قراءات في أعماله الروائية والقصصية، وإضاءات على إسهاماته الأكاديمية في علم النفس الاجتماعي وعلوم التربية، وعلاقة مشروعه السردي بتحولات المجتمع المغربي.
وفي افتتاح الندوة، وصف حاتم البطيوي، الأمين العام لـ«منتدى أصيلة»، مبارك ربيع بأنه أحد أبرز الأدباء المغاربة، مشيراً إلى تنوع اهتماماته بين الإبداع الأدبي والبحث العلمي. وأعلن أن المنتدى أصدر كتاباً تكريمياً يضم دراسات وشهادات تتناول مسيرته الإبداعية والأكاديمية.
من جهته، توقف الأديب والإعلامي عبد الإله التهاني، المنسق العام للندوة، عند خصوصية التجربة السردية لمبارك ربيع، مشيراً إلى عنايته ببناء الشخصيات واختيار الأمكنة والأزمنة وصوغ اللغة الروائية، وقدرته على المزاوجة بين الواقع والتخييل. ولفت إلى أثر تكوينه في علم النفس الاجتماعي في مقاربته لشخصياته، التي لا يكتفي بوصفها، بل يسعى إلى تحليل دوافعها وسلوكها في سياقاتها الاجتماعية والنفسية.
وأكد التهاني أن مبارك ربيع واصل تطوير أدواته وأساليبه على امتداد أكثر من نصف قرن، مع حفاظه على تماسك البناء الفني لأعماله، معتبراً أن ارتباطه بالواقع المغربي وانشغاله بالقضايا الإنسانية والاجتماعية أسهما في ترسيخ مكانته بين رواد السرد المغربي، وفي استمرار حضور تجربته إلى جانب الأجيال الأدبية اللاحقة.

بانوراما لتاريخ المغرب
ويرى الناقد إبراهيم الخطيب أن نصوص مبارك ربيع تعدّ بمثابة بانوراما لتاريخ المغرب وللذاكرة الجماعية والمقاومة والنضال، والأحوال المجتمعية، مستشهدا بأعماله: «الطيبون»، «رفقة السلاح والقمر»، «الريح الشتوية»، «بدر زمانه»، «درب السلطان»، «خيط الروح». وقدم تحليلا للتركيب الروائي في هذه الروايات، من حيث تناوله لثيمات التاريخ الاستعماري والقومي، وعالم الحفريات والاستحاثة والتنقيب عن كائنات عالم ما قبل التاريخ، وتأملات فلسفية عن الحياة والموت، والنهوض والانقراض. كما توقف عند خصوصية الأسلوب وتميزه لدى مبارك ربيع. وتناول الناقد والمترجم الأدبي محمد أيت لعميم تحولات القراءة في أشهر عمل روائي لمبارك ربيع، يتعلق الأمر بروايته «بدر زمانه» الصادرة عام 1983 في المشرق العربي. واعتبر أن هذا النص هو من صنف الأعمال التي تتحول بشكل مثير إلى علامة دالة على صاحبها وبطاقة هوية لديه.
وأكد أن «بدر زمانه» صنفت في مدونة النقد الروائي العربي المعاصر بوصفها «واحدة من أعمق وأجمل الروايات العربية الحديثة». وأشار إلى أنها ولمجرد صدورها توالت الدراسات حولها، مع غلبة النقود ذات المرجعية التحليلية النفسية بالأساس لما تزخر به عوالمها، وأيضا لما استثمره فيها الكاتب من معرفة سيكولوجية هو المتخصص في علم النفس الاجتماعي. وتوقف أيت لعميم عند أشهر المقاربات النقدية إزاء رواية «بدر زمانه»، لكل من جورج طرابيشي ومحيي الدين صبحي، التي جمعت في كتاب تحت عنوان «تمثلات الوعي واللاوعي في رواية بدر زمانه»، وقد أضيفت لهما دراسة تأملية للكاتب نفسه بعنوان: «مبارك ربيع.. معالم قراءة ذاتية في تجربة سردية».
واستعرض الناقد نفسه ما ورد في الدراستين معا والمنهج الذي اعتمده كل ناقد على حدة لكشف عوالم الرواية، معتبرا أن معمارها الباذخ يتشكل من ثلاثة طوابق، الواقع وما يفرضه من لغة واقعية، والكوابيس وما ينتج عنها من لغة ما دون الواقع، ثم الحكاية الشعبية وما ينجم عنها من لغة ما فوق واقعية.
أما الباحث عبد الله الخياري فتناول الفكر التربوي ورهان التحديث البيداغوجي لدى مبارك ربيع في أبعاده الاجتماعية والتربوية والثقافية، من خلال اقتراح مشروع نهضوي مغربي من أجل التحديث والحداثة المعرفية.
وأثار الانتباه إلى ثنائية التخييل والتحليل لدى الكاتب، من حيث الجمع بين الإبداع الروائي والريادة على مستوى البحث والتحليل الأكاديمي، وبمعنى آخر المزاوجة بين الأنساق الفكرية والإبداع السردي. ومن ثم، تجسد أعماله وعي وصرامة الباحث وفي الوقت نفسه شغف وانعتاق الروائي. وذكر الخياري أن مبارك ربيع عمل على خلخلة بداهات في الفكر التربوي العربي، متجاوزا سياجات الانغلاق الأيديولوجي والفكري، بهدف الانتصار للمعرفة السيكولوجية. ثم توقف عند عدد من إصدارات المحتفى به في هذا المجال، خاصة: «نحن والتربية»، «المدرسة والذكاء»، «التربية والتحديث»، ليستخلص أهم الثيمات التي تحفل بها، كالتربية والتراث، والحداثة التربوية والبيداغوجية، ومسار التحديث المجتمعي، والبنية التحتية البيداغوجية. وأكد أن تلك المؤلفات تعكس الحاجة الماسة إلى التفاوض المجتمعي حول تحديث التربية، من منطلق أنه لا إقلاع تنمويا من دون نهضة تربوية تعليمية ذات جودة.
وتناول الكاتب والناقد المصري طارق النعمان بالتحليل رواية «أيام جبلية» لمبارك ربيع، حيث توقف عند سؤال الحقيقة والمجاز فيها، مشيرا إلى أن المكان والزمان فيها ينصهران في فضاء ثالث مغاير. وبعدما لاحظ أن الرواية تدور في مجال استعاري، لاحظ أنها تركز في الوقت نفسه على سؤال الحقيقة، كما ترصد التحولات الاجتماعية والنفسية، وتطرحها بعمق واقتدار تحديثي في رواية ما بعد حداثية.
وتحت عنوان «المشروع السردي لدى مبارك ربيع، من واقعية المجتمع الى شعرية الوعي»، قدم الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس مداخلة أوضح فيها أننا إزاء مشروع روائي كبير، استطاع التقاط التحولات التي يشهدها المجتمع باقتدار. وتابع أنه إذا كان النقد ربط رواياته بقراءة الواقع والمجتمع وتحولاته، فإن جل الكتابات النقدية لم تقارب كيف تنتج الرواية معرفة بالوجود الإنساني وتعيد تشكل وعي الشخصيات وفهم الإنسان في علاقته بنفسه والآخرين والعالم. كما بسط أهم فضاءات الروايات التي تتجلى في ثيمات الخوف والتردد وانكسار اليقين والاغتراب وتصدع الذات وتبدل في الزمان والمكان.

الذاكرة السردية
واختارت الكاتبة الروائية والباحثة الأكاديمية زهور كرام، تخصيص مداخلتها للحديث عن رواية «مسافات حب»، التي قالت إنها تشخص الذاكرة السردية المغربية التي توثق التوليدي الاحتمالي مع العصر التكنولوجي، وفق نسق مختلف. وذكرت أنها تعكس بيئة سردية مجسدة حياة الخيال الذي يعيش اليوم محنة وفقد التأمل مع الثورة الرقمية والنزعة الاستهلاكية والذكاء الاصطناعي. وبعدما تساءلت عن دور الرواية اليوم للحفاظ على قيم الإنسان وإنسانية الإنسان؟ اعتبرت رواية «مسافات حب» ورشة تاريخية سردية لكيفية الانتقال من ذاكرة السرد في بعده اليقيني إلى سرد توليدي في بعده الاحتمالي. ولاحظت أن الرواية نفسها كتبت بإحساسين، أولهما هادئ والثاني مضطرب عند الانتقال إلى سياق وباء كورونا. كما أن لها مرجعيات مختلفة، بعضها واقعي والبعض الآخر تخييلي وافتراضي.
وتطرق الأديب والناقد الجامعي شعيب حليفي إلى الروافد التي تجسد عناصر فنية فاعلة في تشكيل نصوص المحتفى به الروائية، ذلك أن الرواية عنده لا تنقل الواقع المغربي في صورته المباشرة، ولكنها تعيد بناءه داخل حقل رمزي تتقاطع فيه اللغة والحكاية والذاكرة، وتنتظم في صلبه الدلالات التي ينتجها المجتمع عن ذاته وعالمه. وشدد على أن أي قراءة للمشروع السردي لمبارك ربيع ينبغي أن يستحضر السياق الثقافي الذي يندرج فيه، وكذا وعي المؤلف نفسه بالرواية في علاقتها بالتحولات الاجتماعية، معتبرا أن التخييل يغدو بهذا المعنى فعلا ثقافيا واجتماعيا يكشف العالم ويعيد صياغته.
وتناول حليفي في مداخلته حضور الثقافة والمجتمع في سرود مبارك ربيع انطلاقا من مدخلين، الأول يرتبط بوعي الكاتب بطبيعة الرواية، والثاني بالصورة التي رسمتها شهادات النقاد والأدباء عن مشروعه، وبهذا يكون التناول قد طال عمليتي الإنتاج وشكل تلقيه.
وإلى جانب روافد الثقافة والمجتمع في هذا المشروع الروائي الممتد على مدى نصف قرن، تطرق صاحب المداخلة إلى استثمار الأدب الشعبي والذاكرة المتخيلة، وموقع القرية في التحول الاجتماعي، ثم المدينة والذاكرة الاجتماعية والسياسية، بالإضافة إلى النسيان بوصفه موضع سؤال. وانتهى شعيب حليفي إلى أن القيمة الأساسية للمشروع السردي لمبارك ربيع تكمن في طريقة تحويل المرجع الاجتماعي إلى شكل فني يمر عبر الحكاية والرمز واللغة، ومن خلال هذا التحويل تستمد الرواية قدرتها على إنتاج معرفة بالمجتمع لا توفرها الوثيقة أو الشهادة التاريخية وحدهما.
وخصص الباحث الأكاديمي عبد اللطيف محفوظ مداخلته لتحليل رواية «غرب المتوسط» لمبارك ربيع، قائلا إنها تقدم رؤية أيديولوجية، تتجاوز حدود القضية المباشرة التي تنطلق منها. فالهجرة ليست سوى المدخل السردي، الذي يسمح للنص بطرح أسئلة أوسع تتعلق بالعدالة، والحرية والكرامة الإنسانية، وبالعلاقات غير المتكافئة التي ما تزال تنظم العالم المعاصر. ومن خلال هذا الأفق النقدي، يتحول مصير الشخصيات الفردية، إلى تعبير عن وضع إنساني أشمل، فتصير الرواية شكلا من أشكال التفكير في العالم، بقدر ما هي شكل من أشكال تمثيله جماليا. وأوضح أن هذه الرواية لا تنتمي إلى الروايات التي تكتفي بعكس الواقع، أو تسجيل تحولاته السطحية، بل إلى الروايات التي تجعل من تمثيل الواقع، وسيلة لإعادة التفكير فيه، تفكيكا ونقدا. فالهجرة ليست موضوعها الوحيد، والمتوسط ليس فضاءها الجغرافي فحسب، والشخصيات ليست مجرد نماذج اجتماعية جامدة. إن جميع هذه العناصر تتحول داخل النص، إلى أدوات المساءلة العالم وكشف تناقضاته الصارخة.
عابر للأجيال والأجناس الروائية

أما المفكر والأديب سعيد بنسعيد العلوي فقد بدأ مداخلته بالمقارنة بين الروائي المصري نجيب محفوظ والأديب المغربي مبارك ربيع ، مشيرا إلى أن هذا الأخير مرّ بالمراحل نفسها التي مرّ بها الأول، وكان عابرا للأجيال والأجناس الروائية في التطور الروائي، ثم قام بتحليل التغاير بين المنحيين اللذين يسلكهما الكاتب في عملين روائيين مختلفين: المنحى الواقعي الطبيعي الواضح والمباشر في «الريح الشتوية»، والمنحى المغاير في «مسافات حب»، حيث يوجد نفس مختلف من الكتابة الروائية عند مبارك ربيع، نفس إرادة الانفتاح على سبل جديدة في الكتابة الروائية. وقدّم الباحث المتخصص في علم النفس عبد الكريم بلحاج مداخلة بعنوان: «مبارك ربيع وبوادر التأسيس الجامعي لعلم النفس الاجتماعي في المغرب»، حاول فيها استكشاف بعض المحطات والأعمال الشاهدة على إسهامات المكرم من خلال جهوده في التدريس والبحث التأليف لإكساب علم النفس الاجتماعي مكانة اعتبارية.
وأشار في هذا الصدد إلى أن مبارك ربيع، وفي ظل خلو الساحة في البداية من باحثين في هذا المجال، أقدم هو نفسه على مباشرة البحث الميداني في سياق المجتمع المغربي، مسلحا بثقة الباحث نظريا ومنهجيا، إلى جانب ممارسته التدريس في هذا التخصص وتكوين وتأطير أجيال من الباحثين المغاربة لسد الفراغ الحاصل فيه. وفي مجال التأليف في ميدان علم النفس الاجتماعي توقف بلحاج عند دراسة مبارك ربيع الموسومة «مجالات علم النفس في المغرب، إشكالية الموضوع والمنهج»، مثلما سلط الضوء على دبلوم الدراسات العليا في موضوع «عواطف الطفل: دراسة في الطفل والتنشئة الاجتماعية» المنجز عام 1975، ثم أطروحته، التي خصصها لموضوع «مخاوف الأطفال وعلاقتها بالوسط الاجتماعي»، التي نوقشت عام 1988، ونشرت سنة 1991.
وبين عبد الكريم بلحاج وقع هذه الأعمال الباكرة في خلق وضعية جديدة لعلم النفس الاجتماعي، في ظل شروط موضوعية لم تكن مسعفة لقيام هذا التخصص وتطوره. وأكد المتدخل أن مبارك ربيع، وبعصاميته قام بتبني منظور لمجال علمي لم يكن قائما ليس في الجامعة وحدها، ولكن أيضا ضمن دائرة العلوم الإنسانية والاجتماعية في المغرب عامة.
وأكد الناقد الأدبي المصري شوقي بدر يوسف، أن مبارك ربيع حقق مسيرة حافلة ذات بصمات خاصة في مجالات القصة القصيرة والرواية، وأفاد بأنه تابع هذه المسيرة المبكرة في منجز السرد في المغرب، كواحدة من المسيرات التي أرست خطوط مرحلة إبداعية، لها قيمتها وتأثيرها في المشهد السردي المغربي والعربي.
وأضاف أن مبارك ربيع يعدّ أحد كتاب الرعيل الرائد في الكتابة السردية المغربية زمن الستينيات، وهو الجيل الثاني من مبدعي المغرب الذين وضعوا حجر الأساس للإبداع، وشكل الثقافة في المجتمع الثقافي المغربي، والذي وضع مع مجايليه من كتاب هذا المرحلة، منظومة رائدة في الكتابة السردية المغربية، منحت المشهد المغربي تميزا وخصوصية، وسط المشاهد الإبداعية العربية في المشرق والمغرب.
وقدمت الناقدة رشيدة بنمسعود مداخلة بعنوان «رواية أحمر أسود: بين سيميائية اللون وتخييل الحلم»، بدأتها بالتذكير بأن مبارك ربيع يعد من أهم الكتاب الروائيين الذين ساهموا في ترسيخ وتأصيل تقاليد الكتابة السردية في المشهد الثقافي المغربي إلى جانب إبراهيم بوعلو وعبد الكريم غلاب وعبد الله العروي ومحمد برادة.
وتناولت الناقدة مضمرات الرواية، من خلال زوايا متعددة، منها بلاغة العنوان وسيميائية اللون، والحيوات المتجاورة لشخصية هناء، والرؤية النقدية الاجتماعية في الرواية، ثم الحساسية الأنثوية، التي تتصف بها. واعتبرت أن العنوان يمثل البوصلة والخيط الناظم لسيرورة الحكي. واستنتجت بنمسعود أن اللون الأحمر يرمز إلى الحياة فيما اللون الأسود يحيل على الموت في هذا العمل. كما توقفت عند شخصية هناء، باعتبارها نواة الحكاية، التي تنتظم حولها محكيات أخرى لشخصيات نسائية مثل عائشة وزهرة وسعدية وفريدة والحاجة زبيدة النصراوي. وتتبعت مسار هناء وتقلبها في الحياة. وتناولت الناقدة ما تحبل به رواية «أحمر أسود» من رؤية نقدية اجتماعية، عبر ثيمات الأمهات العازبات والأطفال المتخلّى عنهم، والخيانة والمجتمع المدني، والخلفة. وعالجت إلى جانب هذه القضايا الموضوعاتية والفنية ما سمته بـ»الحساسية الأنثوية»، وهو ما يتجلى حسبها من خلال العدد المرتفع للشخوص النسائية، مقارنة مع مثيلاتها من الشخصيات الرجالية، وخلصت رشيدة بنمسعود إلى أن الرواية تتميز ليس فقط بقدرتها على التقاط تفاصيل حياة فئة اجتماعية من النساء، يعشن مصائر مأساوية، بل تحويل واقعهن إلى عالم متخيل يحكي الواقع المعيش ولا يحاكيه، وهي رواية كتبت بماء الحياة وكيمياء الأنوثة ورحيق الأنيما، وفق تعبير الناقدة.

مقام الكتابة
وعبّر الروائي مبارك ربيع، في كلمة ألقاها خلال حفل تكريمه في إطار «خيمة الإبداع»، عن اعتزازه بمؤسسة «منتدى أصيلة»، التي جعلت من تكريم الثقافة والمثقفين، مغربيا وعربيا وعالميا، نهجا راسخا في مسيرتها، وأسهمت في تخليد أسماء أدبية وفكرية كبرى في ذاكرة المدينة وفضاءاتها، لتغدو أصيلة، بما تحتضنه من أعلام الإبداع، نموذجا فريدا لاستثمار الثقافة في بناء الثروة الإنسانية والرمزية. واستعاد ربيع علاقته الممتدة بموسم أصيلة الثقافي، مشيرا إلى أنه واكب مشروعه منذ بداياته، مشاركا ومتحاورا ومتعلما ومستمعا، قبل أن يحظى بجائزة محمد زفزاف للرواية العربية، وصولا إلى التكريم الذي جمعه، هذه المرة، بوجوه ثقافية وأدبية، وزملاء أتاحت لهم المناسبة فرصة اللقاء بعد سنوات من تباعد المسارات. واعتبر أن التكريم يتجاوز مجرد الاعتراف بالمنجز، ليكشف عن كرم إنساني أصيل، تتجلى قيمته الأعمق حين يتخذ طابعا وجدانيا.
وانطلاقا من شعار اللقاء «حياة في حضرة الكتابة»، انتقل الروائي إلى مساءلة مقام الكتابة وطبيعتها، متأملا ما إذا كانت تعاليا روحيا، أم انغمارا في الواقع والوجود، قبل أن يخلص إلى أن السؤال يظل مفتوحا، بوصفه محفزا للتفكير، فيما تتجلى إحدى حقائق الكتابة في كونها خلوة ذاتية يعيشها الكاتب مع نفسه وتجربته.
غير أن هذه الخلوة، في تصور مبارك ربيع، لا تعني الانفصال التام عن الآخرين. فالكاتب، وإن بدا كأنه يكتب لنفسه، لا يستطيع إلغاء حضور الغير من العملية الإبداعية؛ إذ يتسلل الآخر إلى الكتابة قبل إنجازها وأثناءها وبعدها، لكن تأثيره الجوهري، حسب تجربته، يظل متمثلا أساسا في الإلهام. فالآخر قد يكون شخصا أو تجربة أو حضورا إنسانيا، ولا يستمد دوره بالضرورة من قيمته الاجتماعية أو الأخلاقية، بقدر ما يستمده من قدرته على تحفيز فعل الكتابة.
وفي هذا السياق، استحضر المُحتفى به، الذي تسلّم درع التكريم من يدي أمين عام «منتدى أصيلة»، تصورا يستلهمه من نيتشه، متجنبا إخضاع مقام الكتابة لأحكام القيمة الجاهزة، أو اختزاله في ثنائية الخطأ والصواب والخطر والشر. فالكتابة، كما يبدو من تأمله، فضاء تتفاعل فيه الذات مع ما يحيط بها، من دون أن يتحول كل حضور خارجي إلى سلطة تتحكم في استقلال التجربة الإبداعية.
ومع ذلك، لا يلغي استقلال الكاتب ضرورة الآخر في الحياة والمجتمع؛ إذ يظل وجوده أساسيا لصنع التعايش وتحريك الحياة الثقافية وإنتاج الاستجابة الثقافية. كما يتجاوز حضوره موقع الملهم ليشمل القارئ والمتعلم والهاوي والناقد المهني، باعتبارهم أطرافا معنية بما تنتجه الكتابة من معانٍ وتجارب.
وهكذا، تتأسس كلمة مبارك ربيع على مفارقة إبداعية جوهرية: الكتابة خلوة تخص الذات، لكنها ليست عزلة مكتفية بنفسها؛ إنها فعل فردي يستمد شرارته من العالم، ويظل مفتوحا على الآخر، لا بوصفه بديلا عن حرية الكاتب، بل باعتباره أحد منابع الإلهام وشريكا في تشكل الحياة الثقافية.