القاهرة ــ «القدس العربي» : رحل الأربعاء، 14 أكتوبر/تشرين الأول، المؤرخ المصري وأستاذ التاريخ الحديث والمعاصر أحمد زكريا الشِّلْق (1948 ـ 2026)، مخلفاً إرثاً بحثياً غنياً أسهم في فهم التاريخ المصري الحديث وتفسير تحولاته السياسية والاجتماعية والثقافية، والكشف عن امتداد تأثيرها في الواقع المعاصر.
ولم تقتصر اهتمامات الشِّلْق على دراسة الأحداث التاريخية الكبرى وإعادة قراءتها، بل امتدت أبحاثه إلى جذور النهضة المصرية، وتطور الحياة السياسية والحزبية، ودور التنظيمات والتيارات الفكرية في المجال العام، فضلاً عن علاقة النخب السياسية والثقافية بالسلطة وإسهامها في تشكيل مصر الحديثة.
وقد اتسم مشروعه البحثي برؤية تتجاوز مجرد سرد الوقائع إلى تحليل سياقاتها ودلالاتها، والربط بين الأحداث والشخصيات التاريخية والتحولات الاجتماعية والفكرية التي صاحبتها، مع تتبع آثارها الممتدة إلى الحاضر. وفي ما يلي إطلالة على عدد من أبرز مؤلفاته التي تجسد رؤيته للتاريخ ومنهجَه في قراءته وكتابته.
الكتابة التاريخية
في مؤلفه (نهضة الكتابة التاريخية في مصر.. من الحوليات إلى التاريخ العلمي) يذكر الشلْق في مقدمة الكتاب أسباب كتابته.. «نشأت فكرة هذا الكتاب من اعتبارين أساسيين، أولهما النقص الواضح في التاريخ لحركة الكتابة التاريخية عن مصر الحديثة والمعاصرة، لتقييمها على أساس علمي، وليس من المبالغة القول إننا لم نعط هذا الأمر حقه من البحث والدرس، بل إن الأجانب سبقونا إلى ذلك بشكل لافت، ففي ربع القرن الأخير مثلاً صدرت مؤلفات أربعة باللغة الإنكليزية وحدها عن كتاباتنا التاريخية، أما الاعتبار الثاني فيتمثل في أنه تجمع لديّ عدد من الدراسات التي قدمت بها لإصدار طبعات جديدة لأعمال رائدة لمؤرّخينا الكبار، حاولت بها الترجمة لهم والتأريخ لإنتاجهم وتقييم مناهجهم، مع ربطها بسياق واتجاهات حركة كتابة التاريخ المصري الحديث والمعاصر، وقد رأيت أن هذه الدراسات، رغم كتابتها على فترات قد تمثل إسهاما في معالجة بعض أوجه هذا النقص».
من النهضة إلى الاستنارة
في مؤلفه (من النهضة إلى الاستنارة.. في تاريخ الفكر المصري الحديث) يعود الشلْق إلى جذور الفكر الحديث في مصر، حيث تناول وأعاد قراءة مشاريع التحديث، من خلال أصحابها وكتاباتهم الإصلاحية في فترة تمتد من أوائل القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين. فيبدأ بحسن العطار، ثم رفاعة الطهطاوي، حسين المرصفي، محمد عبده، قاسم أمين، أحمد لطفي السيد، وصولاً إلى أحمد فتحي زغلول. هذه الكتابات أو الإسهامات التي تمت وفق سياقات اجتماعية وسياسية وثقافية خاصة بعصرها، وامتد تأثيرها على الأجيال اللاحقة، فهذه الكتابات ـ حسب مقدمة المؤلف ـ أسهمت في تشكيل الثقافة والوعي المعاصرين، وتستطيع تفسير الكثير من الواقع الحالي. كما يُشير إلى أنه قصد تقديم تعريف موجز بكل مفكر وبطبيعة إسهامه، مع إلقاء الضوء على المناخ الذي أسهم في تكوينه، انطلاقا من قناعته بأن كل كاتب أو مفكر هو ابن عصره ونشأته الاجتماعية والثقافية، حتى عندما يتمرد بفكره على واقعه أو يسعى إلى تغييره.
في حضرة التاريخ والمؤرخين
تناول الشْلق في هذا الكتاب العديد من الدراسات العلمية الموثقة عن الجبرتي، والإسكندرية في القرن التاسع عشر، ومحمد علي وحكم مصر. كما يحتوي القسم الثاني منه على مجموعة مقالات عن السير الذاتية لمفكرين وشخصيات تاريخية بارزة. ويذكر المؤلف أنه أمضى ثلاث سنوات في البحث لإنجاز هذا العمل. وفي إحدى الندوات التي أقيمت لمناقشة الكتاب يعطي المؤرخ الراحل رأياً في غاية الأهمية، ربما لا يمتلك الكثير من الأكاديميين هذه الشجاعة في الرأي، فيقول.. «الدراسات الأكاديمية ليست حكراً على الأكاديميين، لكنها تتطلب الالتزام بالمنهج العلمي والتوثيق الدقيق، فجوهر القضية يكمن في المنهج، وعلى أن المؤرخ أن يكون موضوعياً وغير منحاز، حتى تصبح أعماله مرجعاً بفضل مصداقيته». ويُضيف «ينبغي للقارئ ألا يسلّم بكل ما يقرأ، فالتاريخ ليس مجرد سرد، بل عملية تحليلية نقدية».
بيبلوغرافيا
وُلد المؤرخ الراحل أحمد زكريا محمد الشلق في 5 مارس 1948 في قرية كفر الحِمَا في محافظة الغربية، وتلقى تعليمه الجامعي في كلية الآداب في جامعة عين شمس، حيث حصل على ليسانس الآداب في التاريخ عام 1972، ثم درجة الماجستير بتقدير ممتاز عام 1977، والدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى في التاريخ الحديث والمعاصر عام 1981. كما درس في جامعة لندن خلال الفترة من 1978 إلى 1979، في إطار منحة دراسية.
الوظائف الأكاديمية والبحثية
أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في كلية الآداب جامعة عين شمس، كما ترأس قسم التاريخ في الكلية نفسها. أستاذ ورئيس قسم التاريخ في كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية جامعة قطر. رئيس قسم بحوث ودراسات التاريخ الحديث والمعاصر في معهد الدراسات العربية. كما كان عضواً في مجمع اللغة العربية في القاهرة منذ عام 2017، ومقرر لجنة التاريخ والآثار في المجمع، إضافة إلى عضوية المجمع العلمي المصري، والجمعية المصرية للدراسات التاريخية، واللجنة العلمية في مركز تاريخ مصر المعاصر، وعضو لجنة التاريخ في المجلس الأعلى للثقافة. تولى رئاسة تحرير بعض من السلاسل التاريخية والفكرية، منها، ذاكرة الكتابة وتاريخ المصريين.
المؤلفات
«حزب الأمَّة ودوره في السياسة المصرية»، «حزب الأحرار الدستوريين 1922- 1953»، الحزب الديمقراطي المصري 1918- 1923»، «ثورة يوليو والحياة الحزبية.. النظام واحتواء الجماهير»، «العرب والدولة العثمانية.. من الخضوع إلى المواجهة 1516- 1916»، «فصول من تاريخ الدولة العثمانية»، «من الحوليات إلى التاريخ العلمي.. نهضة الكتابة التاريخية في مصر»، «ما التاريخ وكيف نفسره؟»، «رؤى غربية للعالم الإسلامي»، «الحداثة والإمبريالية»، «في حضرة الثقافة والمثقفين»، «تطور مصر الحديثة فصول في التاريخ السياسي والاجتماعي»، «الغزو الفرنسي وإشكالية نهضة مصر»، «طه حسين.. جدل الفكر والسياسة»، «الشيخ مصطفى عبد الرازق ومذكراته»، «أحمد فتحى زغلول وقضية التغريب»، «فصول من تاريخ قطر السياسي»، «أوراق ومراسلات طه حسين»، و»من النهضة إلى الاستنارة».
الجوائز
جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية 2006، جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2010، جائزة جامعة عين شمس التقديرية 2011، وجائزة معرض القاهرة للكتاب عن كتب التراث 2014.