لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “فورين بوليسي” تقريرا أعدته نوزموت غاباداموس قالت فيه إن الجزائر تسعى لاستعادة دورها كوسيط في الشؤون الأمنية بمنطقة الساحل والصحراء المضطربة، مشيرة إلى أنها قد تكون لعبت دورا في استعادة الجيش المالي وحلفائه الروس مدينة كيدال من الانفصاليين الطوارق خلال الأسبوع الماضي. وكان الطوارق قد انسحبوا تكتيكيا من المدينة الإستراتيجية التي سيطروا عليها في نيسان/أبريل.
وقد جاءت هذه التطورات في ظل استئناف العلاقات الثنائية مع الجزائر، التي أعادت فتح مجالها الجوي أمام باماكو في تموز/يوليو، منهيةً بذلك قطيعةً دامت 15 شهرا عقب نزاع حول إسقاط الجزائر طائرة مسيرة ماليةً عند حدودهما المشتركة.
وتعد الجزائر ثاني أقوى قوة عسكرية في أفريقيا بعد مصر، وقد لعبت لعقود دور الوسيط في السلام بين متمردي الطوارق وحكومة مالي.
وفي الأشهر الأخيرة، سعت الجزائر بقوة لاستعادة هذا الدور، إلى جانب مكانتها التقليدية كوسيطٍ أمني في منطقة الساحل، وسط تصاعد التهديدات الأمنية في جميع أنحاء المنطقة. ورغم تبني الجزائر سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، إلا أنها لطالما نظرت إلى منطقة الساحل وغرب أفريقيا كجزء من نفوذها.
ونقل عن انتصار فقير، الباحثة البارزة والمديرة المؤسسة لبرنامج شمال أفريقيا والساحل في معهد الشرق الأوسط، قولها: “لطالما نظرت الجزائر إلى منطقة الساحل كجزء من المنطقة الجيوسياسية العامة التي تمارس فيها نفوذها”. وأضافت: “هناك مصالح مشتركة كثيرة مع مالي فيما يتعلق بقضية الطوارق، وفي مجال مكافحة الإرهاب”. وبحسب عدد من المحللين، تخشى الجزائر على وجه الخصوص من امتداد التمرد إلى مناطقها الجنوبية بين سكانها من الطوارق.
لكن في السنوات الأخيرة، ومع تراجع دور الجزائر في منطقة الساحل، زاد قلقها من الجهات الأجنبية الكثيرة والفاعلة بالمنطقة، بما فيها روسيا والإمارات العربية المتحدة، التي تسعى إلى تعزيز نفوذها هناك.
وقالت فقير: “بدأت الجزائر تجد نفسها معزولة إلى حد كبير في جوارها”، ولطالما استنكرت الجزائر استخدام مالي للمرتزقة الروس، على الرغم من علاقاتها الجيدة مع موسكو. وقد دفع هذا مالي في عام 2024 إلى إنهاء اتفاق الجزائر، وهو اتفاق سلام توسطت فيه الجزائر عام 2015 بين الحكومة المالية وتحالف انفصالي بقيادة الطوارق من أزواد. وتدهورت العلاقات بين الجزائر ودول الساحل أكثر بعد نزاع الطائرات المسيرة العام الماضي، والذي دفع تحالف دول الساحل، الذي يضم بوركينا فاسو ومالي والنيجر، إلى سحب سفرائهم من الجزائر.
وتشعر الجزائر بقلق بالغ إزاء أبوظبي. ففي أيلول/سبتمبر، قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، متهمةً إياها بـ”أعمال استفزازية وعدائية” وزعزعة استقرار المنطقة بدعمها فصائل متمردة في السودان وليبيا ومنطقة الساحل.
وقال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في يوليو/تموز عن الإمارات: “أينما وطئت أقدامهم، سال الدم”.
ويرى محللون أن الجزائر باتت تلعب وبشكل متزايد دورا عسكريا واقتصاديا في شؤون جيرانها.
ولعل هذا التحول يتجلى بوضوح في النيجر، ففي آب/أغسطس أرسلت الجزائر أربع طائرات مقاتلة من طراز سوخوي 30 وطائرة للتزود بالوقود وطائرة نقل عسكرية إلى الحكومة العسكرية في النيجر، في استعراض نادر للقوة لمساعدتها على إحباط محاولة انقلاب.
وفي الشهر نفسه، بدأت شركة سوناطراك، وهي شركة طاقة جزائرية مملوكة للدولة، عمليات التنقيب في حقل كفرا النفطي بالنيجر، لتحيي بذلك مشروعا كان متوقفا لسنوات. وفي حزيران/يونيو، بدأ إنشاء خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي يهدف إلى نقل الغاز الطبيعي من نيجيريا عبر النيجر إلى ساحل الجزائر على البحر الأبيض المتوسط لتصديره إلى أوروبا. وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، أشاد رئيس الوزراء النيجري علي محمد الأمين زين بالجزائر واصفا إياها بـ”دولة شقيقة وجارة”، مضيفاً أن النيجر “تقف على قدميها اليوم” بفضل دعم الجزائر.
ولا تعد الجزائر الدولة الوحيدة في شمال أفريقيا التي عززت مشاركتها في منطقة الساحل والمناطق المحيطة بها. ففي عام 2023، أرسلت مصر معدات عسكرية إلى النيجر للمساعدة في مكافحة الجماعات الجهادية. وتسعى نيجيريا حاليا إلى إبرام اتفاقية لنقل التكنولوجيا العسكرية مع مصر.
إلا أن عملية الدفع الكبرى نحو المنطقة تأتي من المغرب، خصم الجزائر، الذي يأمل أن تدعم العلاقات الإقليمية المتينة خطته بشأن الصحراء الغربية، فيما تستضيف الجزائر جبهة البوليساريو، الفصيل الذي يناضل من أجل استقلال الإقليم.
وتعود العلاقات التاريخية للمغرب مع دول غرب أفريقيا إلى قرون مضت، لكنها توترت في ثمانينيات القرن الماضي بسبب تزايد الدعم لاستقلال الصحراء الغربية. ومنذ انضمامها مجددا إلى الاتحاد الأفريقي عام 2017، اتجهت الرباط بشكل متزايد إلى الدبلوماسية الاقتصادية لتعزيز مكانتها في المنطقة.
ومن المتوقع أن تبدأ أعمال بناء خط أنابيب الغاز بين نيجيريا والمغرب خلال العامين المقبلين، وهو مشروع لنقل الغاز الطبيعي النيجيري عبر 12 دولة قبل وصوله إلى المغرب، الذي سيصدره إلى أوروبا. كما يتعاون المغرب مع موريتانيا في خطط لربط دول الساحل غير الساحلية بالمحيط الأطلسي عبر ميناء الداخلة المغربي في الصحراء الغربية.
ومع ذلك، ترى فقير أن النظر إلى هذه التطورات الإقليمية من منظور التنافس الجزائري والمغربي فقط سيكون تبسيطا مفرطا، مضيفة: “لم يعد المغرب هو الفاعل الوحيد المعني بأمن منطقة الساحل، لذا فإن أي إجراء تتخذه الجزائر ليس بالضرورة رد فعل على المغرب، بل يتعداه إلى الاستجابة لعدد من الظروف المتغيرة المختلفة”.