قُتل عشرات المعدّنين السودانيين («الدهّابة» كما يسمون في المنطقة)، وجرح آخرون، في غارات جوية استهدفت السبت الماضي مواقع للتنقيب الأهلي عن الذهب في منطقة شمال الوادي قرب الحدود المصرية – السودانية. اتهمت مجموعة «محامو الطوارئ» السودانية الجيش المصري بتنفيذ الهجوم، وقدّرت حصيلة القتلى بنحو 72 شخصا، فيما تحدّث ناجون عن وقوع خمس غارات استهدفت تجمعات تضم آلاف العاملين.
لم تعترف السلطات المصرية مباشرة بالمسؤولية عن القصف لكنها أعلنت، في الوقت نفسه، عن استمرار حملتها العسكرية «لمكافحة التنقيب غير المشروع عن الذهب»، وقالت إنها ألقت منشورات تحذيرية على من وصفتهم بـ»العناصر الإجرامية»، وبرّرت الحملة بـ»حماية سيادة مصر وثرواتها الوطنية».
لا يمكن فصل الغارات عن النزاع التاريخي بين مصر والسودان حول حلايب وشلاتين، وبغض النظر عن أن إمكانية التأكد من أن المجزرة وقعت داخل المثلث المتنازع عليه، فإن المنطقة الحدودية المجاورة، الغنية بالذهب، تشهد عمليات عسكرية مصرية متكررة لفرض السيطرة على الحدود والتعدين فيها، في ظل خلافات مستمرة حول السيادة والنفوذ.
تفتح الواقعة، وهي الثانية خلال أشهر، أسئلة للجميع: للجهات التي قصفت السودانيين الفقراء الباحثين عن الذهب تحت طائلة الموت، وللأطراف العسكرية السودانية المتحاربة، وهو: هل يعتبر التنقيب غير المرخّص عن الذهب تهديدا يستدعي القصف الجويّ؟ وهل يعتبر عبور المعدّنين لحدود مختلف عليها، تمنح الجيوش تفويضا بقتل المدنيين؟ وهل تعتبر «حماية الثروات الوطنية» حقّا مطلقا لاستخدام القوة ضد من يبحثون عن لقمة عيشهم؟
تكشف المأساة تناقضا مريرا في العلاقة بين الثروة والسلطة في المنطقة، فالسودان الذي مزّقته الحرب منذ نيسان / إبريل 2023، تحوّل ذهبه إلى أحد المصادر الرئيسية لتمويل أطراف النزاع، وإلى سلعة يتنافس الخصوم على استخراجها وتهريبها وتداولها عبر شبكات محلية وإقليمية، حيث تبرز الإمارات في هذه المعادلة كوجهة رئيسية للذهب السوداني، تقوم بالتخديم عليها شبكات تجارية مرتبطة بـ»قوات الدعم السريع»، التي تؤكد تقارير دولية استخدامها عائداته في تمويل عملياتها.
استخدمت الأطراف المتحاربة المجزرة الأخيرة لترويج دعايتها السياسية، فأدان محمد حمدان دقلو «حميدتي»، قائد «الدعم السريع» مقتل المعدّنين وتحدث عن سيادة وكرامة السودانيين، فيما تواجه قواته اتهامات بارتكاب مذابح وانتهاكات فظيعة ضد المدنيين، فيما أعلن عبد الفتاح البرهان، رئيس «مجلس السيادة» تشكيل لجنة للتحقيق في مقتل مواطنيه، لكنه تجنّب توجيه اتهام مباشر إلى مصر، الحليف الإقليمي الذي تعتمد عليه سلطته سياسيا وعسكريا، وبذلك تحوّلت عذابات الضحايا ودماؤهم إلى مادة للمزايدة بين معسكرين أسهمت حربهما في تدمير شروط حياة هؤلاء الضحايا أصلا ودفعت الآلاف منهم نحو أشداق المقتلة الأخيرة.
يصعب فصل هذه المفارقات عن التاريخ الطويل للعلاقة غير المتكافئة بين مصر والسودان، فمنذ الحكم المصريّ العثماني إلى الحكم الثنائي البريطاني المصري، وصولا إلى النزاع على حلايب وشلاتين، ظلت العلاقات محكومة بتصورات للهيمنة والنفوذ والتبعية تهمّش بقوة فكرة المساواة بين سيادتي الدولتين، وانضاف إلى هذا الإرث الاستعماري خطابات قومية استعلائية تجاه السودانيين والأفارقة، يجسّدها في الواقع منطق أمني يتعامل مع سكان المناطق الحدودية باعتبارهم مصادر تهديد، لا بشرا يتمتعون بحقوق لا تسقط عند اجتيازهم حدودا لأراض عاش فيها أسلافهم مئات الأعوام.
المعدّنون الذين خاطروا بحيواتهم في الصحراء جاؤوا مدفوعين بظروف الحرب وانهيار الاقتصاد للتنقيب في مناطق نائية في شروط تفتقر إلى أبسط وسائل الحماية والرعاية الطبية، وبينما تستمر الدول والميليشيات والجيوش بالاستفادة من الذهب، لا يجد الذين يستخرجونه من يكترث بموتهم أو حياتهم.