هناك لوحتان شهيرتان سُرقتا وتمت استعادتهما هما الأشهر في تاريخ الجريمة التي تُنسب إلى عالم الفن. الأولى هي «موناليزا» لرسام عصر النهضة ليوناردو دافنشي (1452 ــ 1519) والثانية هي لوحة «الصرخة» للنرويجي أدفارد مونك (1863 ــ 1944). لم تر السيدة ليزا اللوحة التي رسمها دافنشي لها، لأن الرسام حمل اللوحة معه إلى باريس ومات هناك، فصارت جزءا من مقتنيات متحف اللوفر. ستة ملايين شخص يزورون فرنسا سنويا من أجل رؤية صورتها التي لم ترها.
أما الصرخة التي تمثل كائنا يمر على جسر وهو يصرخ فإن مونك رسم منها أربع نسخ، اثنتين بالأصباغ الزيتية واثنتين بالباستيل ما بين عامي 1893 و1910. المفارقة أن واحدة من لوحتي الباستيل، بُيعت عام 2012 بمبلغ 120 مليون دولار. سُرقت موناليزا عام 1911 وكان السارق هو أحد العاملين في اللوفر، إيطالي يُدعى فينشو بيروجا الذي أدعى حين إعادته اللوحة بأنه سرقها من أجل أن تستقر في وطنها الأصلي إيطاليا. أما صرخة مونك فقد سُرقت عام 1994 من المتحف الوطني واحدة من نسختيها الزيتيتين، وفي عام 2004 سُرقت النسخة الأخيرة التي رُسمت بالباستيل عام 1910. لقد تم العثور على اللوحتين، الأولى كانت سليمة، أما الثانية فقد تضررت، ولكن ألا يمكن أن تكون اللوحات المستعادة، سواء الموناليزا أو الصرخة ليست اللوحات الأصلية، بل هي نسخ مزورة رُسمت بطريقة احترافية قبل وقوع السرقة؟ ذلك يعني أن الملايين التي دأبت على الحضور إلى باريس منذ أكثر من قرن لم تر اللوحة التي رسمها دافنشي وأن لوحتي مونك قد استقرتا في مجموعات فنية خاصة محمية لا يعرف أحد عنها شيئا. صناعة موناليزا جديدة، أمر ممكن ويسير وليس إعجازيا. أما لوحة مونك فلا يتطلب تقليدها جهدا عظيما. ليس شكل اللوحة أي ما يظهر على سطحها إلا الجزء الخارجي من التزوير. مادة العمل الفني، قماشها وأصباغها هي الأهم. المزور المتمكن هو الذي يجعل الخبراء يودون لو سمح لهم بالاقتراب منه والتعلم منه.
حين سطا اللصوص على مركز الفن

ليس لسرقة الأعمال الفنية تاريخ في العالم العربي. لا يتورط اللصوص بجرائم، لا تعود عليهم بالنفع. ليست هناك سوق للفن الذي لم يكن أحد يجرؤ على التفكير فيه باعتباره بضاعة صالحة للتسويق. ذلك مفهوم يخشى أصحابه أن يفقد الفن نبله ورفعة مكانته وترفه النخبوي. وهو مفهوم صحيح قياسا للواقع التداولي الضيق في زمن لم يكن هناك فيه جمهور يتمتع بذائقة جمالية أساسها التعليم المدرسي والتربية المنزلية بالمعنى السائد في الغرب. كان تداول الأعمال الفنية محصورا بطبقة صغيرة من الأثرياء، لا يحتاج أفرادها إلى وسيط يرشدهم إلى الأعمال الفنية التي تنسجم مع ذائقتهم. فهم يملكون علاقات جيدة مع الفنانين، الأمر الذي يسر لهم الحصول على الأعمال التي يحبونها مباشرة من الفنانين حتى من غير الحاجة إلى دفع النسبة التي يحصل عليها أصحاب القاعات الفنية.
حين سُرقت لوحة «زهرة الخشخاش» لفنسنت فان غوخ من متحف محمد محمود خليل في القاهرة عام 1977 تمت استعادتها، غير أنها حين سُرقت مرة ثانية عام 2010 ذهبت إلى المجهول. تلك أول وآخر لوحة سُرقت من متحف يقع في العالم العربي.
عام 2003 سطا اللصوص على مركز صدام للفنون في بغداد، حدث ذلك في اليوم الأول التي أعلنت فيه الولايات المتحدة عن أكمال عملية غزوها للعراق واحتلاله. ليست هناك رواية مؤكدة عما جرى في ذلك اليوم الذي عمت فيه الفوضى أرجاء العراق، بعد سقوط الدولة المركزية التي قادها حزب البعث عبر أكثر من خمس وثلاثين سنة. وكما يُقال فإن المركز لم يتم اقتحامه من قبل الغوغاء إلا بعد أن أنهى عدد من العارفين بمحتوياته مهمتهم في سرقة الأعمال التي يعرفون قيمتها التاريخية والفنية. يومها تمت سرقة تاريخ العراق الفني الحديث في وضح النهار تحت أنظار الأمريكيين الذين تمتعوا برؤية همج يسطون على تاريخ بلادهم.
ما يثير الشبهات في تلك الجريمة ويدفع إلى الحكم بأنها كانت منظمة، هو أن السجلات الورقية لمحتويات المتحف كانت قد اختفت، أو تم إتلافها. ولهذا فقد بُيعت بعض المسروقات في المزادات العالمية من غير أن يتمكن أحد من إثبات ملكيتها التي تعود إلى الدولة العراقية.
تزوير ملكية العمل الفني

أما التزوير فإن حكايته مختلفة. لم ينشط مزورو الأعمال الفنية إلا حين صار هناك طلب على أعمال فنانين معينين، وهم قلة أكثر من غيرهم تحت وقع تأثيرين. الأول هو ضعف الدولة، الذي يمهد لانهيارها والثاني هو ما ارتبط بهذا الفنان، أو ذاك من الشائعات التي تتعلق بإمكانية الاستثمار في أعماله مستقبلا. وقف في مقدمة أولئك الفنانين الرائد العراقي فائق حسن واللبناني بول غراغوسيان والسوري فاتح المدرس. وإذا ما كانت شبكات التزوير قد نشطت في تسعينيات القرن الماضي فإن المستفيدين من نشاطها لم يظهروا إلا بعد عشرين سنة. وهو زمن تعاقب فيه على ملكية تلك الأعمال أفراد مختلفون. لقد رأيت بنفسي أعمالا فنية مزورة لجواد سليم وشاكر حسن آل سعيد وإسماعيل فتاح الترك في بيروت، تعود ملكيتها لرجل أعمال لبناني كان قد اشتراها من مالكها السابق. وهكذا صار لتلك الأعمال تاريخ ملكية يمكن من خلاله تأكيد هويتها الأصلية.
ولكن أما كان في إمكان خبراء المزادات العالمية أن يميزوا بين العمل الأصلي والمزور؟ في ما يتعلق بالفن (العربي) لم تكن المزادات معنية كثيرا بذلك السؤال. ما كان يهمها أن تمر الأعمال بسلام من غير ضجة، كما أن خبراءها في ذلك الشأن غالبا ما كانوا من المستفيدين من تلك الصفقات. لم يكن مفاجئا بالنسبة لي أنني حين تعرفت على المسؤولة عن مشتريات الشرق الأوسط في أحد المزادات اكتشفت أنها كانت جاهلة بتاريخ الحركة الفنية في تلك المنطقة. ما من رقابة محايدة ومسلحة بالمعرفة. وهو ما يعني أن الكثير من الأعمال الفنية العربية المزورة، قد تم تمريرها من خلال المزادات لتكتسب شرعية مخادعة. كان الأمر أشبه بغسيل الأموال.
رسام يرسم بعد موته
من المضحك أنني رأيت لوحات نُسبت إلى شاكر حسن آل سعيد لم يكن زعيم تجمع البعد الواحد قد رسمها في حياته. يبدو أنها رُسمت بعد موته. لا أعتقد أن أحدا في إمكانه أن يشكك علنا بشرعية تلك اللوحات في مواجهة تبنيها من قبل مزادات عالمية، لست في حاجة هنا إلى التذكير بما تملكه من نفوذ يؤهلها لإسكات كل الأصوات المعارضة في ظل انهيار غير مسبوق تشهده سلطة النقد في العالم العربي.
هناك إذن نوعان من التزوير.. الأول يقوم على إعادة رسم لوحة كان رسام ما قد رسمها وتم توثيقها في الإدلة والكتب الفنية. أما الثاني فإنه عبارة عن استرسال في الرسم كما لو أن الرسام لا يزال حيا بعد موته. ليست كل الأعمال المزورة المعروضة في السوق تستند إلى أصل بعينه. هناك لوحات يمكن أن تُوصف بأنها أعمال أصلية وليست نسخا، ولكنها ما كان لها أن تصل إلى صالات المزادات لولا أنها ذيلت بتوقيع فنان معروف، صارت أعماله محط اهتمام المقتنين.
لقد سبق للمزادات أن سوقت لوحات مزورة لدافنشي ورامبرانت وفريمير وكاندنسكي وحتى بيكاسو. ما الذي يمنعها من تسويق لوحات تُنسب إلى فنانين عرب، وبالأخص أن خبراءها بفنون الشرق الأوسط وشمال افريقيا (مصطلح سياسي مضلل) لهم باع طويل في تجارة الأعمال الفنية، وهم ليسوا محايدين في تقييم سلامة الأعمال الفنية التي تقع ضمن منطقة استثمارهم. لا أعتقد أن المزادات بريئة مما يفعله خبراؤها.
بدأ المصريون بأرشفة وتوثيق أعمال فنانيهم، محمود سعيد على سبيل المثال. ذلك جهد عظيم من جهة أنه أقفل باب تزوير لوحات فنان صار المقتنون يتسابقون على الاستحواذ على نتاجه. غير أن خبراء المزادات ما زالوا يملكون مسافة كبيرة للحركة تتيح لهم ضم الكثير من الأعمال المزورة إلى تاريخ الفن في العالم العربي.
كاتب عراقي