الشرع ونتنياهو والقانون الدولي


أُطلقت قبل أسابيع في نيويورك تصريحات مثيرة من قبل أحمد الشرع وبنيامين نتنياهو، كانت تستحق اهتماماً أكبر من حيث مضمونها، وأكثر بعد من حيث علاقتها بالهياكل السياسية والفكرية لكل من سوريا الحالية وإسرائيل. الرئيس الانتقالي السوري قال إن الجولان أرض سورية، وقرارات ضمها إلى إسرائيل باطلة بحسب القانون الدولي، وذكر بالتحديد قرار مجلس الأمن رقم 497 بهذا الخصوص. رئيس الوزراء الإسرائيلي رد مخاطباً الشرع بأن اليهود في الجولان منذ زمن النبي موسى، وأحاله إلى الكتاب المقدس، يعني التوراة.
سليل القاعدة، الإرهابي السابق، السلفي الجهادي، الذي كان يصدر عن خلفية عقدية سياسية عدمية تجاه القانون والنظام الدولي، يحيل اليوم إلى القانون الدولي بخصوص مرتفعات الجولان، هذا بينما يتكلم نتنياهو الذي يصدر عن تراث صهيوني علماني ويميني عن النبي موسى والكتاب المقدس، وضمناً يرفعهما فوق القانون الدولي الذي أقام كيان إسرائيل. الأصولي الإسلامي يتكلم بلغة علمانية، والعلماني اليميني يتكلم بلغة دينية أصولية. واحد يتكلم بلغة الشرعية الدولية المقبولة من الجميع من حيث المبدأ، وليس بلغة الشريعة الإسلامية الخاصة، وواحد يتكلم بلغة «الشريعة اليهودية» إن جاز التعبير، ويستخف بالشرعية الدولية. نتنياهو يعبر عن مسالك انفصالية عن العالم، مستنداً إلى دعم أمريكي وغربي لكيانه (وإن ليس حتماً له شخصياً ولسياساته)، وإلى قوة إسرائيلية فتاكة، ليس في مواجهة سوريا وحدها، بل وجميع البلدان العربية ودول الشرق الأوسط. أما الانفصالي الإسلامي السابق، الذي كان معادياً لفكرة العالم وشرعيته وقوانينه، فيتبنى موقفاً «اتصالياً» وتواصلياً بالأحرى، لكن في افتقار شديد إلى القوة.
هذا مثير. كان نقد المثقفين العقلانيين العرب لسياسات الدول العربية بخصوص فلسطين إنه يستند إلى منطق الحق التاريخي لا القانون الدولي، وأنه يتكلم بلغة عاطفية غير مفهومة عالمياً، هذا بينما كان الإسرائيليون يتكلمون بلغة القانون والمصالح العقلانية، رغم أن لديهم سردياتهم كذلك بخصوص الحق التاريخي والمعاناة الحديثة والأقدم.
التحول الجاري يبدو مرتبطاً من الجهة السورية، والعربية بعامة، بالضعف الشامل، العسكري والاقتصادي والسياسي، وقد زادته الانهيارات الداخلية حدة. من الجهة الإسرائيلية هناك فائض القوة الذي يحيل الكلام على القانون الدولي إلى لغة للضعفاء والعاجزين. القوي يستبد، ونتنياهو يعرض ميلاً متطرفاً للاستبداد في مواجهة أي قوى فلسطينية أو عربية أو إقليمية، لها مطلب وتطلعات نحو حد أدنى من المساواة. تاريخ إسرائيل هو تاريخ فجور متزايد في استخدام القوة، في الانفصالية والفوقية اليهودية، في ازدراء القانون الدولي، في النزعات اليمينية والعنصرية. نتنياهو شخصياً تكثيف لكل ذلك.
قامت إسرائيل أصلاً على شكل ارتباط بالعالم وقواه الفاعلة كان إيجابياً على كيانها حتى وقت قريب. فهي مركز متقدم للحضارة الغربية في مواجهة آسيا والشرق الإسلامي المتخلف والعنيف، مثلما تصورها هرتزل في وقت مبكر من ظهور الحركة الصهيونية، وهي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط مثلما صار يقال بعد قيام كيانها، وتربطها علاقات وثيقة بالقوى الغربية وعلاقات تتحسن بغيرها، وتنال شبه إجماع بين يهود العالم على دعمها، وإن مع انتقاد بعض مسالك زعمائها أحياناً. كان هذا الشكل من الارتباط العالمي سنداً وطيداً لقوة إسرائيل وازدهارها، وهو يبدو اليوم مضعضعاً بعض الشيء، بفعل ظهور شكل من البربرية الإسرائيلية يقارن بأبشع قوى الإبادة الحديثة، واتساع رقعة الاعتراض على مسالكها عالمياً، بما في ذلك في الغرب بعد غزة (وهو ما تمثل في مقاطعة وفود نحو سبعين دولة لكلمة نتنياهو إياها)، وانقسام أوسع في الأوساط اليهودية.
شكل ارتباط العرب بالعالم المعاصر مغاير تماماً. نراه خطراً وعدوانياً، قواه الفاعلة تعادينا ولا تحترمنا. وجوارنا نفسه بين معاد وغير ودود. هذا «عالم ليس لنا» بحسب عنوان مجموع قصصية لغسان كنفاني. نشارك في المنظمات الدولية، لكن بدون روح شراكة وإرادة تطوير لها. نظرتنا إلى العالم تؤسس لارتباط غير إيجابي به، لموقف حرون وانسحابي، أو حتى لتعامل عدمي معه، وهذا مما كان أحمد الشرع بين من تربوا عليه. تنفرد عدميتنا بأنها استندت إلى عمق إسلامي، يحتكر المعنى لنفسه ويجرد منه العالم، فيحكم عليه بالدمار بوصفه عالماً كافراً.
لهذا يثير كلام الرجل على القانون الدولي أسئلة تتصل بما إذا كان الأمر يتعلق بنظرة مغايرة إلى العالم، ربما تفكر فيه كفضاء لمشكلات وتحديات كبيرة، يتعين العمل مع آخرين لمعالجتها، وبالتالي شكل ارتباط يقوم على التعاون والشراكة، ولا يستبعد الاعتراض والمخاصمة، لكنه ليس منسحباً ولا عدمياً. ليس هناك مؤشرات على ذلك. البعد الفكري للحكم الجديد ضامر، وما ينسب إليه من براغماتية هو أقرب إلى استغناء عن الأفكار منه إلى تعامل مرن معها. ليس في تراث القوم ما يقبل التعامل المرن، فإما العدمية وإما التخلي.

 تاريخ إسرائيل هو تاريخ فجور متزايد في استخدام القوة، في الانفصالية والفوقية اليهودية، في ازدراء القانون الدولي، في النزعات اليمينية والعنصرية

ثم أكثر من ذلك يثير الكلام على القانون الدولي أسئلة بخصوص البنية السياسية والقانونية للحكم الذي يقف الشرع على رأسه في سوريا اليوم. وبالتحديد عما إذا كانت هذه البنية تدعم الكلام على القانون الدولي وتسنده. الإجابة متشككة. ما هو قائم في سوريا اليوم ليس حكم القانون ولا يبدو سائراً في هذا الاتجاه. ما يمكن تبينه من واقع اليوم يتراوح بين مكافأة المحررين لأنفسهم على التحرير بنفاذ امتيازي على الموارد العامة، فوق الاستئثار بالسلطة، ومحاباة شاملة للأقارب وتقديم للموالين، مع مساع من بعض أوساطهم لأسلمة الحياة العامة، وهذا مع إعلان دستوري يركز السلطة في يد الشرع نفسه، وسلطة تشريع خفيفة الوزن وغير منتخبة.
كان قد أضعف سوريا والبلدان العربية أن حالها لا يكف عن تكذيب مقالها المعترض على التمييز وانعدام العدالة الدولية، ذلك أنها حال تقوم على ضروب فادحة من التمييز وانعدام العدالة. ربما صارت الخطابات العربية أكثر عقلانية على مستوى المنظمات الدولية، لكن البنى الاجتماعية والسياسية العربية ليست كذلك. وهناك واقعة بنيوية مديدة توضح الفارق بين سوريا وعموم الدول العربية وبين إسرائيل. دولنا سياسية حيال الخارج الدولي، قواه النافذة بخاصة، وسيادية في داخل بلدانها، تتعامل معها كـ»جبهة داخلية» ينبغي أن تكون متراصة وخالية من التعدد. تنظر دولنا إلى الداخل بعين السيادة الواحدة، وهي مثل عين ميدوزا، تحيل من يرى نظرتها إلى حجر. بينما تنظر إلى المجال الدولي بعين السياسة التعددية القابلة للحلول الوسط والتسويات والمساومات. فهي بذلك دول مقلوبة، تسوس حيث ينبغي أن تسود، وتسود حيث ينبغي أن تسوس. إسرائيل، بالمقابل، تنظر إلى داخلها اليهودي بعين السياسة التعددية، وإلى خارجها الدولي بعين السيادة الواحدية فلا تقبل التدخل في شؤونها الداخلية، وإلى المحيط العربي بعين ما فوق السيادة إن جاز التعبير، أي عين الاستثناء الدائم، فلا ترتضي منه غير الرضوخ والتبعية، وإلى الشعب الفلسطيني كموضوع للمحو والإزالة.
واقع سوريا كدولة مقلوبة هو ما يجب أن يتغير إن كان لها أن تستطيع تحمل الطور الحالي من العدوانية الإسرائيلية الفائقة، وإن كان للكلام على القانون الدولي أن يكون شيئاً آخر غير تمسح به بفعل الضعف.
كانت سوريا بلا عالم طوال سنوات ما بعد الثورة، مجتمعاً منكشفاً تركت قطاعات منه للإبادة دون حماية من العالم الذي هو جزء منه. اليوم سوريا بلا عالم داخلي، عالم جامع للسوريين يرتكز إليه طلبهم بأن يكونوا محميين على قدم المساواة. أي أن تكون لهم الحقوق نفسها لأن لهم «الحق في الحقوق» كمواطنين، ليس بينهم من هو ضيف عند أحد أو لاجئ عند أحد. هذا ما يسند الإهابة بالقانون الدولي كأساس للحق السوري في الجولان، لأنه قبل ذلك يجعل سوريا دولة عامة والسوريين أمة مواطنين.

٭ كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *