نواكشوط ـ «القدس العربي»: بين موجات النزوح التي تدفع بها دوامة العنف وعدم الاستقرار في مالي المجاورة نحو الأراضي الموريتانية، وتزايد ضغوط الهجرة غير النظامية المتجهة إلى أوروبا عبر المسالك الصحراوية والساحلية، تجد موريتانيا نفسها أمام معادلة أمنية وإنسانية بالغة التعقيد.
في وقت تتزايد فيه أعباء استقبال الفارين من النزاع في منطقة الساحل، تواجه نواكشوط تحديات متنامية في ضبط تدفقات الهجرة وإدارة الحدود، من دون التفريط في التزاماتها الإنسانية تجاه الفئات الأكثر هشاشة.
وفي مواجهة هذه الضغوط المتشابكة، أعلنت السلطات الموريتانية عن آلية وطنية جديدة لتنسيق التعامل مع قضايا الهجرة، في خطوة تعكس اتجاهاً نحو توحيد الجهود الحكومية وتحقيق التوازن بين متطلبات الأمن ومقتضيات الحماية الإنسانية، غير أن فعالية هذه الآلية ستظل مرتبطة بقدرتها على الاستجابة لتعقيدات الواقع الميداني، في بلد يتقاطع فيه موقعه الجغرافي مع اضطرابات إقليمية متواصلة، وتتحول فيه إدارة الهجرة إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على التوفيق بين حماية حدودها وصون كرامة الوافدين إليها.
اختبار حماية الحدود واستقبال المحتاجين للحماية
وهكذا تتلاقى في موريتانيا رحلتان مختلفتان: رحلة الهاربين من العنف في مالي بحثًا عن الأمان، ورحلة الساعين إلى عبور الأطلسي نحو أوروبا بحثًا عن فرصة. وبين هاتين الرحلتين، تواجه موريتانيا التي تمر بظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، اختبارًا متصاعدًا لقدرتها على حماية حدودها واستقبال المحتاجين إلى الحماية، من دون أن تتحول أعباء الهجرة واللجوء إلى مصدر ضغط على الخدمات أو توتر داخل المجتمع.
وفي ظل اضطرابات الساحل والاهتمام الأوروبي المتزايد بطريق الهجرة نحو جزر الكناري الإسبانية، تتحرك نواكشوط لتعزيز مقاربة تقول إنها تجمع تنظيم التنقل واحترام كرامة الأشخاص وصيانة التماسك الاجتماعي.
وتبرز خلف هذه المقاربة معادلة تتجاوز الحدود الموريتانية: كيف يمكن لدولة مستقبِلة للاجئين وبلد عبور وإقامة للمهاجرين أن توفّق بين أولوياتها الأمنية والتزاماتها الإنسانية وتطلعات شركائها الدوليين؟
ضمن هذا التوجه، أعلنت السلطات الموريتانية عن إطلاق أنشطة شبكتين للعمد، تُعنى إحداهما بالهجرة واللجوء، وتختص الثانية بثقافة المواطنة واللحمة الاجتماعية والسلم الأهلي، في محاولة لإسناد السياسات الوطنية بأدوات ميدانية أقرب إلى مناطق الاستقبال والعبور.
بين اضطرابات الساحل وضغوط الهجرة نحو أوروبا
وجاء الإطلاق خلال ورشة نظمتها رابطة العمد الموريتانيين بدعم من مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية، مخصصة لاستعراض خارطتي طريق الشبكتين وتفعيل عملهما.
وتكتسب الخطوة دلالتها من جغرافية موريتانيا، الواقعة عند ملتقى الساحل والصحراء وغرب إفريقيا والمحيط الأطلسي؛ ففي الشرق، تستقبل البلاد تدفقات الفارين من الأزمة المالية، وعلى الساحل تتداخل حركة الباحثين عن العمل مع محاولات الوصول إلى أوروبا، وعلى امتداد الحدود تستمر تنقلات التجارة والرعي والزيارات العائلية التي تشكل جزءًا من حياة المجتمعات المتجاورة.
وأشار الوزير المنتدب المكلف باللامركزية والتنمية المحلية، يعقوب سالم فال،
إدارة الهجرة مسؤولية مشتركة، إلى هذا التنوع مؤكدًا أن حركة الأشخاص لأغراض اجتماعية واقتصادية وتجارية ورعوية تجعل إدارة الهجرة مسؤولية مشتركة تتطلب تنسيقًا دائمًا بين مختلف المتدخلين، وهي رؤية تضع السلطات أمام ضرورة التمييز بين التنقل المشروع، وطلب الحماية، وأنشطة الشبكات الإجرامية، بدل التعامل مع جميع الوافدين باعتبارهم فئة واحدة. وفي عرضه للسياسة الحكومية في مجال الهجرة، قال ولد سالم فال إن السلطات اعتمدت منذ منتصف عام 2022 مقاربة شاملة، للانتقال من المعالجة الظرفية إلى التسيير المؤسسي المنظم.
وأوضح أن هذه المقاربة تجمع الجوانب القانونية والإدارية والأمنية والتنظيمية، مع الحفاظ على تقاليد الانفتاح وحسن الاستقبال واحترام كرامة الأشخاص.
وحسب الأرقام التي قدمها الوزير، فقد أسفرت عملية تسوية أوضاع الأجانب عن منح نحو 136 ألف شخص من 85 جنسية، إقامات نظامية مجانية، بما يتيح للمستفيدين وضعًا قانونيًا أكثر وضوحًا؛ كما فُتح 29 معبرًا حدوديًا جديدًا، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 82 معبرا، في مسعى لتشجيع العبور النظامي والحد من استخدام المسالك غير الرسمية.
وأضاف الوزير أن السلطات أطلقت نظامًا للتأشيرات، وراجعت وطورت الاتفاقيات الثنائية مع دول الجوار لتعزيز تبادل المعلومات والتنسيق ومواجهة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.
وتعكس هذه الأرقام، وفق العرض الحكومي، اتساع جهود التنظيم، لكنها لا تمثل تعدادًا شاملًا للأجانب الموجودين في البلاد، ولا يجوز جمعها تلقائيًا مع أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء، فالإقامة الإدارية وصفة اللجوء فئتان مختلفتان، وقد تتقاطعان حسب الحالات.
مراكز إيواء مؤقتة ومجهزة
ومن التفاصيل التي أبرزها الوزير، إنشاء مراكز إيواء مؤقتة ومجهزة في نواكشوط ونواذيبو، قال إن مدة الإقامة فيها لا تتجاوز 72 ساعة، باعتبارها فضاءات انتقالية للتكفل والتنظيم. وشدد على مراعاة احتياجات النساء والأطفال والمرضى والقُصّر غير المصحوبين والأشخاص الذين قد يكونون ضحايا للاستغلال أو التهريب.
ويطرح هذا التحديد أسئلة تتعلق بما يلي مرحلة الإيواء: كيفية تقييم الحالات، وإحالة المحتاجين إلى الحماية أو العلاج، وضمان الإجراءات المناسبة لكل وضع. فالمدة القصيرة لا تكفي وحدها للحكم على مستوى الحماية، الذي يتوقف أيضًا على ظروف الاستقبال والضمانات المصاحبة.
ويظهر حجم التحدي الإنساني بصورة أوضح في منطقة الحوض الشرقي، المحاذية لمالي، فحسب نشرة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الخاصة في فبراير/شباط 2026، والمنشورة في أبريل/نيسان، تجاوز عدد اللاجئين وطالبي اللجوء في موريتانيا 300 ألف شخص، بعد وصول نحو 50 ألفًا خلال عام 2025.
وكانت الولاية تستضيف أكثر من 290 ألف لاجئ مالي، بينهم نحو 120 ألفًا في مخيم امبره، وأكثر من 170 ألفًا موزعين على ما يزيد على 70 قرية مضيفة.
ويكشف انتشار اللاجئين خارج المخيم أن الاستجابة تتجاوز الإغاثة داخل فضاء محدد، لتشمل مناطق واسعة تحتاج إلى المياه والمدارس والعلاج وفرص كسب العيش، وقد أشارت تقارير للبنك الدولي إلى محدودية الفرص الاقتصادية والتنافس على المياه والمراعي ومصادر الطاقة في مناطق الاستضافة في موريتانيا.
وهنا يتصل ملف اللجوء مباشرة بالتماسك الاجتماعي، فالمجتمعات المضيفة تتحمل بدورها كلفة الاستقبال، وقد يؤدي شعورها بأن احتياجاتها غائبة عن برامج المساعدة إلى إضعاف قبول تلك البرامج. أما توسيع الخدمات المشتركة، فيتيح تخفيف الضغط وتحويل الدعم الدولي إلى منفعة تشمل اللاجئين والسكان معًا.
برامج الحماية الاجتماعية
ويجد هذا الاتجاه ترجمة في برامج الحماية الاجتماعية المدعومة من البنك الدولي، إذ تشير صفحة البرنامج المعني بموريتانيا إلى دعم أكثر من 54 ألف أسرة عبر المشروع، بينها أكثر من 18 ألف أسرة لاجئة أو مضيفة.
وعلى الضفة الأطلسية، يتداخل التحدي الإنساني مع حسابات الشراكة الأوروبية. فقد أعلنت المفوضية الأوروبية في مارس/آذار 2024 إطلاق شراكة للهجرة مع موريتانيا، مرتبطة بحزمة دعم قدرها 210 ملايين يورو، وتشمل مجالات التعاون الفرص الاقتصادية والحماية واللجوء والتنقل النظامي، إلى جانب مكافحة التهريب وإدارة الحدود.
ويعكس هذا التعاون اختلافًا في ترتيب الأولويات: فالشركاء الأوروبيون يولون اهتمامًا لضبط الوصول عبر الأطلسي، بينما تواجه موريتانيا أيضًا احتياجات استضافة طويلة الأمد وتنظيم سوق العمل والخدمات والعلاقات مع دول الجوار. ومن ثم، فإن تقييم الشراكة يحتاج إلى النظر في أثرها على الحماية والتنمية، إلى جانب نتائج مراقبة الحدود.
وتظل حقوق المهاجرين موضع تدقيق دولي؛ ففي تقرير نشرته «هيومن رايتس ووتش» في أغسطس/آب 2025، وثقت المنظمة انتهاكات قالت إنها وقعت خلال عمليات ضبط الهجرة، شملت الاعتقال التعسفي وسوء المعاملة والإبعاد دون ضمانات كافية. وهذه اتهامات منسوبة إلى المنظمة، وقد فندتها الحكومة الموريتانية وأكدت لا تقوم على أس أساس.
في هذا السياق، يمنح إشراك البلديات للسلطات فرصة لتعزيز الإنصات إلى المجتمعات ورصد الاحتياجات وإحالة الحالات الهشة إلى الجهات المختصة؛ لكنه يطرح كذلك سؤال الموارد والصلاحيات: فالقرب من السكان لا يعوض نقص التمويل والكفاءات والبيانات اللازمة لتوجيه التدخلات.
محاربة التمييز والإقصاء
أما شبكة المواطنة، فتفتح ملفًا يتجاوز استقبال الأجانب إلى العلاقات داخل المجتمع الموريتاني نفسه، فقد شدد الوزير على الوحدة والمشاركة والمساواة ومحاربة التمييز والإقصاء، مستحضرًا توجيهات الرئيس بتغيير العقليات وترقية الإنصاف.
وأكد رئيس رابطة العمد، بمب ولد درمان، أن بناء دولة جامعة يقتضي احتضان التنوع العرقي واللغوي والثقافي وجعله رافدًا للوحدة الوطنية، معتبرًا أن معرفة المنتخبين بانشغالات السكان تمنحهم دورًا في تعزيز التعايش بين مكونات المجتمع والمقيمين من جنسيات أخرى.
وتكتسب هذه الدعوة معناها العملي حين ترتبط بإنصاف الناس في الخدمات والمشاركة، وبمواجهة الشائعات والصور النمطية التي قد تحمّل جماعة بعينها مسؤولية البطالة أو ضعف المرافق. فالسلم الأهلي يحتاج إلى ثقة تتغذى من عدالة المعاملة، بقدر حاجته إلى خطاب يدعو إلى الأخوة.
وأبدى ممثلا «كونراد أديناور» الألمانية والمنظمة الدولية للهجرة استعدادهما لمواصلة التعاون مع السلطات والعمد، ودعوا المجتمع الدولي إلى مساندة موريتانيا.
وبين تداعيات الأزمة المالية المتفاقمة وضغوط الهجرة نحو أوروبا، تبدو موريتانيا أمام تحدٍ يتجاوز مجرد ضبط الحدود أو تنظيم حركة العبور، ليشمل إدارة أزمة إقليمية متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع المسؤوليات الإنسانية والتنموية.
ومن هذا المنطلق، تمثل الآلية الوطنية الجديدة خطوة نحو تنسيق الاستجابة الرسمية، لكن نجاحها سيُقاس بمدى قدرتها على تحويل التنسيق المؤسسي إلى إجراءات فعالة على الأرض، تضمن حماية البلاد من المخاطر الأمنية، وتكفل في الوقت نفسه معاملة المهاجرين واللاجئين وفق الضوابط القانونية والمعايير الإنسانية.
وفي ظل استمرار الاضطرابات في الساحل، لن يكون بمقدور موريتانيا مواجهة هذه التحديات بمفردها؛ إذ تظل الحاجة قائمة إلى دعم إقليمي ودولي أكثر توازناً، لا يختزل ملف الهجرة في منع الوصول إلى أوروبا، بل يعالج أيضاً جذور النزوح، من النزاعات المسلحة إلى الفقر وانعدام الأمن. فبين واجب حماية السيادة الوطنية وضرورة احترام الكرامة الإنسانية، يتحدد الاختبار الحقيقي للسياسة الموريتانية الجديدة في مجال الهجرة.