لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “ذي أتلانتك” تقريرا أعده ديفيد غراهام، تناول فيه مزاعم الرئيس دونالد ترامب المشكوك فيها بأنه لا علاقة له بعمليات البحث والتفتيش في مقر إقامة النائبة الديمقراطية عن ولاية مينيسوتا، إلهان عمر، في واشنطن، حيث تعتبر النائبة من أصل صومالي من أشد نقاده.
وقال غراهام إن ترامب رئيس غامض، فمن ناحية يتمتع بسلطة مطلقة، وفي الوقت نفسه يحاول الظهور بمظهر الشخصية البريئة، الغافلة تماما عما يفعله مساعدوه.
فترامب الأول هو الذي قال إنه “بإمكانه وحده إصلاح الأمور”، وكان في المكتب البيضاوي الأسبوع الماضي، مؤكدا سلطته المطلقة في اضطهاد خصومه السياسيين. وقال: “كان بإمكاني فعل أشياء سيئة جدا بهيلاري كلينتون، وكان بإمكاني فعل أشياء سيئة جدا بجو بايدن، وكان بإمكاني فعل أشياء سيئة جدا بباراك حسين أوباما، وأستطيع فعل ما أريد ومتى أردت”.
لكن بعد أن أجرت سلطات إنفاذ القانون الفدرالية تفتيشا لمنزل النائبة عمر في واشنطن العاصمة صباح الإثنين، أصر ترامب على أنه لم يكن متورطا على الإطلاق.
بعد أن أجرت سلطات إنفاذ القانون الفدرالية تفتيشا لمنزل النائبة عمر في واشنطن العاصمة صباح الإثنين، أصر ترامب على أنه لم يكن متورطا على الإطلاق
ويقول غراهام إنه، من دون مزيد من المعلومات، يعد التفتيش الذي أجراه عملاء من قسم التحقيقات الأمنية الداخلية، وهو قسم تابع لإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية “أيس”، ويعنى بالتحقيقات المعقدة، مثيرا للقلق الشديد.
فقد شنت إدارة ترامب سلسلة من التحقيقات وعمليات التفتيش والاتهامات، كثير منها ذو ذريعة واضحة أو دوافع سياسية، ضد منتقديها الصريحين. ويختلف هذا اختلافا جوهريا عن عملية تفتيش جرت في آب/أغسطس 2022 بمنتجع مار-إيه-لاغو، والتي أسفرت عن العثور على صناديق عديدة تحوي مواد بالغة الحساسية، مخزنة بشكل عشوائي.
وكانت النساء السوداوات، بمن فيهن النائبة لامونيكا ماك إيفر من نيوجيرسي، والمدعية العامة لولاية نيويورك ليتيتيا جيمس، ومحافظة مجلس الاحتياطي الفدرالي ليزا كوك، أهدافا محددة، وإن لم تكن حصرية. ويخالف هذا التفتيش أيضا عرفا يمنع اتخاذ إجراءات علنية في القضايا ذات الطابع السياسي البارز خلال الستين يوما التي تسبق الانتخابات، وتعد محاولات ترهيب حزب معارض أو تجريمه من سمات الاستبداد.
وأضاف الكاتب أن هناك الكثير مما نجهله بشأن عملية التفتيش، بما في ذلك الأدلة التي استخدمت للحصول على إذن التفتيش، مع أن صحيفة “نيويورك تايمز” ذكرت أنه “كان موضوع نقاشات مطولة بين المدعين العامين والقاضي الفدرالي الذي وافق عليه في نهاية المطاف”. ونجهل أيضا ما عثر عليه العملاء من أدلة، والتهم التي قد تفكر الحكومة في توجيهها، إن وجدت.
وتشير بعض التقارير إلى أن المدعين العامين يبحثون فيما إذا كان والد عمر الراحل قد كذب أو أغفل معلومات في طلبات الهجرة. وركزت الإدارة على محاولة سحب الجنسية من الأشخاص الذين قدموا إجابات كاذبة في طلباتهم.
ولكن عمر، عندما وصلت، كانت طفلة، وحصلت على الجنسية بالتجنس في سن السابعة عشرة.
وبحسب ترامب، فهو أيضا لا يعلم الكثير عن التحقيق. وقال ترامب أمس: “أعتقد أنه شخص سيئ، لكن الأمر في النهاية يعود إلى وزارة العدل، ليس لي أي علاقة بالأمر”.
وقد أبلغت وزارة العدل صحيفة “نيويورك تايمز” أن عملية التفتيش كانت جزءا من تحقيق جار، لكنها رفضت الإدلاء بمزيد من التعليقات. وهذا نمط سبق للكاتب أن حدده: عندما يواجه الرئيس أسئلة صعبة أو معارضة شديدة، فإنه يميل إلى الإصرار على أن المحامين هم المسؤولون، وأنه غير مطلع على ما يجري.
أبلغت وزارة العدل صحيفة “نيويورك تايمز” أن عملية التفتيش كانت جزءا من تحقيق جار، لكنها رفضت الإدلاء بمزيد من التعليقات. وهذا نمط سبق للكاتب أن حدده: عندما يواجه الرئيس أسئلة صعبة أو معارضة شديدة، فإنه يميل إلى الإصرار على أن المحامين هم المسؤولون
ومن الصعب تصديق ادعائه، فقد قال ترامب أكثر من مرة إن له “الحق” في توجيه المدعين الفدراليين للتحقيق مع من يشاء، ورغم إصراره عموما على أنه لم يفعل ذلك، فإن الأدلة تشير إلى عكس ذلك.
ففي أيلول/سبتمبر الماضي، نشر ترامب على موقع “تروث سوشيال” تعليمات للمدعية العامة آنذاك، بام بوندي، باتخاذ إجراءات ضد منتقديه، بمن فيهم ليتيتيا جيمس، ومدير مكتب التحقيقات الفدرالي السابق جيمس كومي، والسناتور آدم شيف. وكتب: “لا يمكننا التأخير أكثر من ذلك، فهذا يدمر سمعتنا ومصداقيتنا، لقد عزلوني مرتين، وجرموني (خمس مرات!)، على لا شيء. يجب تحقيق العدالة، الآن!!!”. وأفادت عدة وسائل إعلام لاحقا بأن الرسالة كانت موجهة في الأصل كرسالة خاصة. وقد أقيلت بوندي هذا الربيع، ويقال إن السبب هو إحباط ترامب من بطء محاولات الانتقام.
وفي شباط/فبراير، داهم عملاء مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) مركزا انتخابيا في مقاطعة فولتون بولاية جورجيا، بحثا عن أدلة تدعم مزاعم ترامب بتزوير الانتخابات الرئاسية لعام 2020. وقد استندت مذكرة التفتيش إلى حد كبير إلى مزاعم تم دحضها. وفي اليوم التالي، تحدث ترامب مباشرة إلى بعض العملاء المشاركين، في تدخل غير مسبوق.
وفي نهاية المطاف، وجهت إلى كومي تهمة تهديد الرئيس، بعد أن نشر صورة لأصداف عثر عليها على شاطئ، كتب عليها “86 47″، وهي مجموعة أرقام قال مؤيدوه إنها تشير إلى رغبتهم في عزل ترامب من منصبه.
وأصرت وزارة العدل على أن المنشور كان تهديدا بالعنف، وهو ما نفاه كومي. وتظهر وثائق نشرها محامو كومي هذا الصيف أن ترامب كان متورطا بشكل وثيق في القضية، حيث طالب بإحاطات وملاحظات من مقابلات مع كومي قبل توجيه الاتهام إليه.
ومما يعزز الانطباع بأن قضية عمر هي جهد من البيت الأبيض، نشرت كاتي ميلر، المساعدة السابقة لترامب وزوجة ستيفن ميلر، منشورا حول القصة على منصة إكس يوم الإثنين، قائلة: “وعد قطع ووعد وفى به”. ثم قامت بحذف المنشور.
حتى لو لم يكن ترامب متورطا بنفسه في تفتيش منزل عمر، فقد عبّر من خلال تصريحاته عن تأييده للتحقيق مع عمر ومعاقبتها
لكن حتى لو لم يكن ترامب متورطا بنفسه في تفتيش منزل عمر، فقد عبّر من خلال تصريحاته عن تأييده للتحقيق مع عمر ومعاقبتها. ففي عام 2019، اقترح على عضوات “الفرقة” التقدميات، التي ضمت عمر، “العودة إلى بلادهن والمساعدة في إصلاح الأماكن المنهارة والمليئة بالجريمة التي أتين منها”. وبعد أيام قليلة، وبعد أن انتقد عمر في تجمع انتخابي، شاهد حشدا يهتف: “أعيدوها إلى بلادها!”. وفي كانون الأول/ديسمبر، وصف عمر بـ”القمامة”، وقال إن على الصوماليين مغادرة الولايات المتحدة: “بلدهم كريه الرائحة، ولا نريدهم في بلدنا”.
وفي الشهر التالي، عندما تعرضت عمر للهجوم في فعالية، اتهمها ترامب بتدبير ذلك. وفي آذار/مارس الماضي، قال نائب الرئيس جيه دي فانس لمذيع: “نعتقد بالفعل أن إلهان عمر ارتكبت تزويرا في الهجرة”. ورسالة البيت الأبيض واضحة وفاضحة بدرجة كبيرة.
وإذا كان ترامب متورطا في ملاحقة خصومه السياسيين، كما تشير الأدلة العلنية، فإن سلوكه غير لائق ويضر بسيادة القانون. وإن كان حقا جاهلا بما يجري، فهو ليس القائد البطل القوي الذي يدعي أنه كذلك. وفي النهاية، عليه أن يوضح أي الموقفين يريد أن يعبّر عنه.