حكم قضائي يعمّق الخلاف على رئاسة البرلمان وسط مخاوف من انقسام جديد


طرابلس – «القدس العربي»: دخل الخلاف داخل مجلس النواب الليبي بشأن شرعية هيئة رئاسته الجديدة مرحلة أكثر تعقيدًا عقب صدور تفسير قضائي من المحكمة الدستورية العليا في بنغازي يحدد آلية احتساب الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس، في خطوة تأتي بالتزامن مع تصاعد الاعتراضات على انتخاب الصالحين عبد النبي العبيدي رئيسًا للبرلمان خلفًا لعقيلة صالح، وتحركات نيابية في العاصمة طرابلس لإجراء انتخابات موازية، ما يثير مخاوف من انتقال الانقسام السياسي والمؤسسي إلى داخل السلطة التشريعية نفسها.
وأعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب، برئاسة أسامة حماد، أن المحكمة الدستورية العليا في بنغازي فصلت، الإثنين، في طلب تقدم به حماد بشأن تحديد الأساس القانوني لاحتساب الأغلبية المطلقة لأعضاء البرلمان، ضمن الدعوى الدستورية رقم ثمانية لسنة اثنين قضائية دستورية.
وبحسب البيان، خلصت المحكمة إلى أن الأغلبية المطلقة تُحتسب وفق العدد الفعلي للأعضاء الذين يحتفظون بصفتهم النيابية قانونًا، وليس استنادًا إلى العدد الإجمالي المقرر لعضوية المجلس، بما يعني استبعاد المقاعد الشاغرة من عملية الاحتساب.
وأوضحت الحكومة أن عدد النواب الذين يحتفظون بعضويتهم القانونية يبلغ 160 عضوًا، وفق إفادة مقرر مجلس النواب، وهو ما يجعل الأغلبية المطلقة المطلوبة 81 صوتًا، بدلًا من احتسابها على أساس العدد الأصلي لمقاعد البرلمان.
ويكتسب هذا التفسير أهمية خاصة بالنظر إلى الجدل الذي رافق جلسات الخامس والسادس من تشرين الأول/أكتوبر الجاري في بنغازي، التي شهدت تعديل النظام الداخلي لمجلس النواب واعتماد مبدأ الدورة البرلمانية، قبل انتخاب هيئة رئاسة جديدة برئاسة الصالحين عبد النبي العبيدي.
وكان 98 نائبًا قد صوتوا لصالح تعديل النظام الداخلي وتفعيل الدورة البرلمانية، من أصل 102 عضو شاركوا في جلسة التصويت، وهي أرقام تتجاوز الحد الذي حدده التفسير القضائي الجديد للأغلبية المطلقة، لكن ذلك لا يحسم بالضرورة بقية الاعتراضات المتعلقة بإجراءات عقد الجلسات أو انتخاب هيئة الرئاسة.
وأكدت الحكومة المكلفة من مجلس النواب أن التفسير يهدف إلى توضيح القواعد المنظمة للعمل النيابي ووضع حد لاختلاف التأويل بشأن احتساب الأغلبية، معتبرة أنه يعزز استقرار المؤسسات الدستورية وسلامة الإجراءات البرلمانية.

تحركات مضادة في طرابلس

وفي مقابل المسار القضائي في بنغازي، تتصاعد تحركات نيابية في العاصمة طرابلس للطعن في شرعية رئاسة البرلمان الجديدة، وسط حديث عن إجراء انتخابات أخرى لهيئة الرئاسة خلال الأسبوع الجاري.
وقال عضو مجلس النواب علي أبو زريبة إن مقر المجلس في طرابلس أُغلق مؤقتًا، تمهيدًا لإجراء انتخابات جديدة لهيئة رئاسته، مرجحًا عقد جلسة لهذا الغرض يوم الثلاثاء أو الأربعاء.
وأوضح أبوزريبة، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن إغلاق المقر جاء على خلفية صدور حكم قضائي ببطلان انتخابات هيئة رئاسة مجلس النواب التي جرت في بنغازي، مؤكدًا أن المقر سيعاد فتحه عقب استكمال العملية الانتخابية الجديدة.
وتضع هذه التطورات مجلس النواب أمام احتمال وجود رئاستين تتنازعان تمثيل المؤسسة التشريعية، خصوصًا مع استمرار الخلاف بشأن المرجعية القضائية المختصة بالفصل في النزاعات الدستورية، في ظل الانقسام الذي طال المؤسسات القضائية الليبية خلال السنوات الماضية.
وتتجاوز الأزمة مسألة اختيار رئيس جديد للبرلمان، إذ تمتد إلى مدى قانونية القرارات الصادرة عن المجلس، والجهة المخولة بالتوقيع عليها وتمثيله أمام المؤسسات المحلية والأطراف الدولية، بما قد ينعكس على الملفات السياسية والتشريعية المرتبطة بالعملية الانتخابية.
ترحيب أمريكي بالرئاسة الجديدة
وعلى المستوى الدولي، حظيت هيئة الرئاسة المنتخبة في بنغازي بترحيب أمريكي، بعدما هنأ كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، الصالحين عبد النبي بتوليه رئاسة مجلس النواب، إلى جانب طارق الأشتر ومصباح دومة، اللذين انتُخبا نائبين أول وثانيًا للرئيس.
وقال بولس إن واشنطن تتطلع إلى العمل مع المجلس وقيادته الجديدة، إلى جانب مختلف الأطراف والمؤسسات الليبية، لدفع العملية السياسية نحو توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية.
وأكد استمرار التنسيق مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والشركاء الدوليين لدعم جهود توحيد البلاد، في موقف يكتسب أهمية سياسية بالنظر إلى توقيته، لكنه لا يمثل في حد ذاته حسمًا للخلاف القانوني بشأن إجراءات انتخاب الرئاسة.
ويأتي ذلك بينما كثف الصالحين عبد النبي لقاءاته في بنغازي عقب انتخابه، حيث التقى اللواء المتقاعد خليفة حفتر وعددًا من الشخصيات السياسية والعسكرية في شرق البلاد، في إطار تحركات أعقبت تغيير رئاسة المجلس.

أزمة تهدد المسار السياسي

وتعيد التطورات الأخيرة إلى الواجهة الخلافات المتراكمة داخل مجلس النواب منذ انتخابه عام 2014، التي تسببت في تعطيل مسارات سياسية وتشريعية عديدة، وسط استمرار الانقسام بين المؤسسات والسلطات المتنافسة في البلاد.
كما تتزامن أزمة الرئاسة مع جهود بعثة الأمم المتحدة لدفع التفاهمات المتعلقة بالقوانين الانتخابية وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ضمن مسار لجنة 4+4 بين مجلسي النواب والدولة.
وتزداد حساسية هذه التطورات في ظل تحذيرات أممية سابقة من أن انقسام القضاء الدستوري وتضارب الأحكام والمرجعيات القانونية قد يهددان الإطار التشريعي للانتخابات، ويجعلان نتائجها عرضة للطعن والتشكيك.
وفي حين يوفر التفسير الصادر عن المحكمة الدستورية في بنغازي سندًا قانونيًا يستند إليه مؤيدو القرارات البرلمانية الأخيرة، فإن استمرار الاعتراضات والتحركات المضادة في طرابلس يضع مستقبل رئاسة مجلس النواب أمام اختبار جديد، قد يحدد ما إذا كانت التغييرات الأخيرة ستقود إلى إعادة ترتيب المؤسسة التشريعية، أم ستفتح الباب أمام انقسام إضافي يعقّد جهود توحيد السلطة وإنهاء المرحلة الانتقالية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *