لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “أوبزيرفر” تقريرا أعده غايلز وايتيل قال فيه إن إعلان وزير الدفاع الأمريكي عن خطة لبث إعدام الرائد نضال حسن رميا بالرصاص على الهواء مباشرة ستضع الولايات المتحدة في نفس مصافي الدول القمعية مثل كوريا الشمالية.
وقال الكاتب فيه إن طقوس وآليات الإعدام رميا بالرصاص ربما تكون متباينة في القواعد العسكرية، لكنها تجري في زنزانات الإعدام المدنية بهذه الطريقة: يتم اختيار قناصة، عادة خمسة من قوات فرض القانون المحلية ويعطى أحدهم طلقة فارغة، بينما يعطى الباقون طلقات حية. وفي ليلته الأخيرة، يعرض على السجين وجبة من اختياره، وقبل منتصف الليل بدقائق، يجرد من ملابسه، ويفتش ويربط إلى كرسي فولاذي محاط بأكوام من أكياس الرمل ثم يغطى رأسه بغطاء وتوضع رقعة بيضاء بحجم العملة المعدنية، مصنوعة من الفيلكرو على بذلة السجن فوق قلبه. ويدعى الشهود إلى غرفة مجاورة تطل على غرفة الإعدام من خلال ثلاث نوافذ كبيرة. وبعدها يصوب القناصة مستخدمين بنادق “وينشستر” قديمة نحو الرقعة من خلال فتحات إطلاق نار أفقية في الجدار المقابل للكرسي على بعد حوالي عشر خطوات. وبعد عد تنازلي قصير، يطلقون النار.
وعادة ما يكون معظم الشهود من مسؤولي الدولة وأقارب ضحية أو ضحايا السجين. أما ممثلو الصحافة، فيتم اختيار عدد قليل منهم عن طريق القرعة.
ويقول الكاتب إنه لم يكن يوما واحدا منهم، لكنه غطى آخر عمليتي إعدام رميا بالرصاص في ولاية يوتا من ملعب كرة سلة تابع لمصلحة السجون، يقع على الجانب الآخر من الطريق السريع مقابل جناح الإعدام. وفي هذه العملية الغريبة لتقديم تفاصيل حية عن الإعدام، اعتمد الكاتب على كلام ممن شهدوا كل شيء.
وكانت الأولى عام 1996، لجون ألبرت تايلور، المدان بقتل أطفال، والذي تناول البيتزا حوالي الساعة الخامسة مساء، ثم بكى قليلا مع كاهن كاثوليكي. وفي تمام الساعة 12:01 صباحا، نطق بكلماته الأخيرة: “كما جاء في القصيدة: ‘تذكروني، لكن دعوني أرحل’”.
وقال أحد شهود العيان إن صدره كان يرتفع وينخفض وقبضته اليسرى تنقبض وتنبسط مع خروج روحه من جسده.
أما العملية الثانية، فكانت عام 2010، لروني لي غاردنر، المدان بجريمتي قتل، والذي أعدم بعد يوم قضاه في مشاهدة ثلاثية “لورد أوف ذا رينغ” (سيد الخواتم) وشرب الكولا ومشروب ماونتن ديو. ولم ينطق بكلمات أخيرة ولم يتناول وجبة في ذلك اليوم، لكنه كان قد تناول شريحة لحم وذيل جراد البحر وآيس كريم وفطيرة تفاح قبل ثلاثة أيام.
وفي حال عدم تقديم أي استئناف، ستكون عملية الإعدام التالية رميا بالرصاص في الولايات المتحدة من نصيب الرائد السابق في الجيش نضال حسن، الذي قتل 13 من زملائه العسكريين عام 2009 في قاعدة فورت هود بولاية تكساس.
وإذا سارت الأمور كما يشتهي وزير الدفاع، بيت هيغسيث، فسيتم بث الإعدام مباشرة عبر الإنترنت، ولن تعود الولايات المتحدة كما كانت. فستكون الدولة التي واجهت واقع قوانينها أو التي استسلمت لأحط غرائزها، بحسب وجهة النظر.
وبالنسبة للمؤمنين بالتقدم الاجتماعي، ستوصم الولايات المتحدة بالعار إلى جانب إيران وكوريا الشمالية، على الأقل حتى يتم الإعدام في عام 2026.
ولو عاش هيغسيث في روما عام 80 قبل الميلاد، أو لندن عام 1649 لوجد تعاطفا أكبر، فقد أدرك قتلة الملك تشارلز الأول تماما قوة الإعدام العلني في حشد الجماهير وحبس أنفاسها، كما حول اليعاقبة في الثورة الفرنسية الإعدام إلى أداة للترهيب الجماعي، ولم يتعلم أسوأ مجرمي هذا القرن الكثير من عصر التنوير الفرنسي، لكنهم يجيدون بث الرعب.
ووثقت أمنستي إنترناشونال مئات عمليات الإعدام العلنية في إيران خلال العامين الماضيين، بما في ذلك إعدام اثنين من المتظاهرين المناهضين للنظام شنقا في ساحة بأصفهان في تموز/يوليو.
وفي عام 2013، أمر كيم جونغ أون، “صديق” دونالد ترامب، بإعدام عمه علنا، ويقال إنه استخدم مدفعا مضادا للطائرات.
وما يثير الاستغراب والحيرة في إعلان هيغسيث، هو أنه لا يواجه أعداءً داخليين حقيقيين يرهبهم. ويبدو أن حسن قد تأثر بالفكر المتطرف للداعية اليمني الأمريكي أنور العولقي، لكن لم تشهد الولايات المتحدة هجمات مماثلة على أفراد عسكريين أمريكيين منذ 17 عاما.
وتساءل الكاتب عن أهمية قتل نضال الآن علنا وعلى الهواء مباشرة؟ ويجيب أنه قد تكون نزعة هيغسيث الذكورية المتطرفة جزءا من ذلك.
فنحن أمام هذا الرائد السابق في الجيش الأمريكي ومقدم البرامج السابق في قناة فوكس نيوز، صاحب وشم الصليب المقدس على صدره، الذي أمر العام الماضي نحو 800 جنرال بالعودة من قواعدهم المتفرقة إلى مقر قيادة مشاة البحرية الأمريكية في كوانتيكو، بولاية فرجينيا، لإذلال كبارهم لأنهم حاولوا زيادة التنوع في القوات المسلحة الأمريكية وجعل البنتاغون جهة توظيف أفضل.
ومثل ترامب، يخلط هيغسيث بين القيادة والقدرة على الصدمة. كما يطمس مثل رئيسه بين الواقع والخيال، مظهرا حنينا وتعطشا للدماء، وماضيا متخيلا من أبطال محاربين وخونة أشرار. كان يكاد يلهث من فرط الحماس الأسبوع الماضي وهو يذكر أحد مقدمي البودكاست اليمينيين المتطرفين على متن حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” بأن الجيش الأمريكي لم يعدم أحدا رميا بالرصاص منذ الحرب العالمية الثانية. وقال هيغسيث: “أعجبني نوعاً ما العقلية التي كانت لدينا في الحرب العالمية الثانية، والتي انتصرنا فيها”، على الرغم من فشل قواته في تحقيق النصر في الحرب الإيرانية، التي كانت حاملة الطائرات عائدة منها وعلى متنها 5،000 من أفراد الطاقم المنهكين.
ويبدو أن هيغسيث ليس بمنأى عن الثقافة الأمريكية، وللإعدامات دور فيها. فقد وثق نورمان ميلر، أول إعدام رميا بالرصاص في ولاية يوتا، وهو إعدام غاري غيلمور عام 1977 بعد أن أعادت المحكمة العليا العمل بعقوبة الإعدام، وذلك في روايته الواقعية عن الجريمة “أغنية الجلاد”. أما الأخت هيلين بريغان، المناصرة المناهضة لعقوبة الإعدام، والتي ألهم كتابها الأكثر مبيعاً عام 1993، “رجل ميت يمشي”، الفيلم الذي يحمل الاسم نفسه عام 1995، فقد أرسلت رسالة إلى تايلور في ليلته الأخيرة، تطلب منه السماح لها بالتوسط من أجل العفو عنه حيث رفض تايلور العرض، لكن الفيلم حقق نجاحا كبيرا.
ومن الصعب غض الطرف عن الإعدامات، حتى بالنسبة لمن يشعرون بالاشمئزاز منها. وإذا تم بث الإعدام مباشرة، فسيكون من شبه المستحيل على أي شخص على وسائل التواصل الاجتماعي ألا يشاهده، فهو عرض مصمم لإذلال جميع المشاركين فيه. ويقدمه أقوى جيش في العالم ويجمع ما بين التكنولوجيا والشعبوية والاستعراض الرجولي.
وفي الماضي، كان على من يرغبون في مشاهدة الموت على أرض الواقع، البحث عن أقراص مدمجة لتنظيم القاعدة في السوق السوداء. أما هيغسيث، فيريد موت حسن على فيسبوك.
وعندما أعدم تايلور كانون الثاني/يناير 1996، في جوف الليل، توافد 150 صحافيا من جميع أنحاء العالم إلى بلافديل في ولاية يوتا لتغطية الحدث. وقد “كنا هناك لأنه كان من الصعب تصديق ما يحدث، لذا كان علينا التأكد من أنه حقيقي. وبعد أقل من ثماني ساعات من إعلان وفاة تايلور، قدمت شيريل آلان، وهي مشرعة جمهورية، مشروع قانون في ولايتها لحظر فرق الإعدام رميا بالرصاص وتم إقرار القانون، لكنه سمح باستخدامها لمن اختاروا الرصاصة بدلا من الحقنة المميتة وكان غاردنر من بينهم”.
ولم يكن الحضور الإعلامي كبيرا في حالته، وكان موظفو السجن في غاية اللطف. ويبدو أنهم تلقوا تعليمات بمحاولة تخفيف حدة الدعاية السلبية. وقدمت البيتزا للصحافة وانطلقت موسيقى صاخبة قبل الإعدام، وموسيقى كلاسيكية بعد انتهائه. ولم يتمكن الحاضرون من سماع إطلاق النار، وقيل لهم إن ثلاث رصاصات أصابت الهدف، والرابعة كانت قريبة. لم يكن الأمر بلا دماء ولا فوريا. قال شاهد عيان إن الدماء تجمعت تحت زي السجن الذي كان يرتديه غاردنر، وبدا وكأنه يقاوم الموت حتى بعد إطلاق النار عليه. تم هدم السجن منذ ذلك الحين، لكن جناح الإعدام في ولاية يوتا لا يزال قائما على الطريق السريع، فلا تزال فرقة الإعدام متاحة، كخيار احتياطي، في حال ثبت عدم جدوى الحقنة القاتلة.
وفي حالة حسن، تقول “أوبزيرفر” في تقرير آخر لهيو توملينسون، إن نائب الرئيس الامريكي جيه دي فانس ألقى بظلال من الشك على خطة هيغسيث ببث الإعدام على الهواء مباشرة. وفي الوقت الذي أكد فيه ترامب للصحافيين أنه وافق شخصيا على البث المباشر، لكنه قال إنه لم يتخذ قرارا نهائيا بعد بشأن السماح به. أما فانس، فشكك بإمكانية تنفيذ الإعدام بهذه الطريقة، ولن يشاهده لو بث مباشرة.
وقد اختير موقع وتوقيت الإعدام ليتزامن مع لحظة إطلاق حسن النار على زملائه الجنود في قاعدة فورت هود. وكان هذا الحادث، الذي وقع في ذروة الحرب على الإرهاب، الأكثر دموية على الإطلاق في قاعدة أمريكية، وهز الجيش الأمريكي. وردا على سؤال حول ما إذا كان حسن قد قدم أي طلبات أخيرة، أضاف وزير الدفاع: “لا يهمني. سنراه في 3 كانون الأول/ ديسمبر”.
وأثار إعلان هيغسيث إدانات واسعة النطاق محليا ودوليا، وكان آخر إعدام علني مرخص من الدولة في الولايات المتحدة عام 1936، حين شاهد الآلاف إعدام رجل أسود شنقا بتهمة اغتصاب امرأة بيضاء. ووصفت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية السابقة، الاقتراح بأنه “همجي” و”لا يليق بكرامتنا كدولة”. وقالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن الإعدام العلني “ينتهك الحظر المطلق للتعذيب”.
كما أعرب بعض ضحايا حسن عن مخاوفهم. وقال ألونزو لانسفورد، رقيب سابق في الجيش الأمريكي، والذي أطلق عليه حسن النار سبع مرات، إنه مصمم على حضور الإعدام، لكنه يعارض بثه مباشرة عبر الإنترنت “كحدث مدفوع الأجر أو ما يعرف بعروض المصارعة الحرة”. وأضاف: “أعتقد أن العقوبة تتناسب مع الجريمة، الحقنة القاتلة أو غرفة الغاز أو الشنق؛ في رأيي، هذا إنصاف له”. وتابع: “أريد أن ينظر إلي ذلك الرجل وجها لوجه. أن يعرف: لقد فشلت، لم أعد ضحيتك أنا ناجٍ”.
لكن لانسفورد أعرب عن قلقه من أن يشاهد الأطفال، حتما، بثا مباشراً للإعدام، مع نشر مقاطع منه على وسائل التواصل الاجتماعي في غضون ثوان. وقال: “أؤمن إيمانا راسخا بضرورة أن نكون قدوة، لا أريد أن يشاهده أي طفل”.
وقال كلايف ستافورد سميث، مؤسس منظمة “ريبريف” الخيرية المعنية بالعمل القانوني، إن الولايات المتحدة تقدم بانتظام “مثالا صارخا على مدى وحشية عقوبة الإعدام”. وجادل بأن بث الإعدام مباشرة سيشجع على عمليات قتل مماثلة.
وقال حسن، وهو الآن من ذوي الاحتياجات الخاصة، بأنه نفذ الهجوم لشن جهاد ضد الولايات المتحدة انتقاما لغزوها العراق وأفغانستان. قال أمام لجنة عسكرية إنه كان يأمل أن يموت في الهجوم ويصبح شهيدا.
وقال ستافورد سميث: “يعتبر حسن بطلا في نظر بعض المتطرفين. لو وضعناه أمام فرقة إعدام على التلفاز وهو على كرسيه المتحرك، فأنا أضمن لكم أن أمريكيين آخرين سيواجهون المصير نفسه، ويقتلون برصاص مختل عقليا”.