إسرائيل تواصل سياسة الأرض المحروقة في غزة



إبراهيم درويش

في ذكرى هجمات 7/10/2023 حاولت إسرائيل التي تشهد نهاية الشهر انتخابات ستحدد مصير رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التأكيد على مظاهر إحيائها بشكل جذب اهتمام الصحافة المحلية والغربية والتي نقلت مشاهد وصورا من الذكرى التي عملت إسرائيل على إخراجها بطريقة تثير تعاطف العالم معها.
وفي مدينة نيويورك هوجم عمدتها زهران ممداني الذي شارك في الذكرى حيث قال إن المعاناة لم تنته بتلك الهجمات. فقد أصدر العمدة بيانا هاجم فيه حماس التي نفذت الهجوم والتي قال إنها ارتكبت «جريمة حرب مروعة» إلا أنه خصص الجزء الأكبر منه للحملة العسكرية الإسرائيلية التي قال إنها إبادة جماعية. وكتب قائلا: «لم تبدأ المعاناة ولم تنته في ذلك اليوم، بل استمرت من خلال الإبادة الجماعية المدمرة التي ترتكبها الحكومة الإسرائيلية في غزة، والتي راح ضحيتها أكثر من 74.000 فلسطيني، بينهم أكثر من 21.000 طفل». وبحلول يوم الأربعاء 8/10/2026 حصل البيان على أكثر من 11 مليون مشاهدة على منصة إكس وبحلول مساء الأربعاء، وكان رد الفعل عليه واسع النطاق، ما أثار إدانات حتى من بعض زملائه الديمقراطيين الذين يحملون آراء مختلفة حول الصراع، على حد تقرير مجلة «بوليتيكو» (8/10/2026). وأشارت لما قاله النائب الديمقراطي عن نيويورك دان غولدمان ساكس، بأن البيان «شنيع ومهين». وأضاف أن «ما فعله بيان العمدة اليوم هو إلقاء اللوم على الإسرائيليين في الهجوم الذي تعرضوا له قبل ثلاث سنوات، بغض النظر عن رأيك في الصراع وما حدث منذ ذلك الحين أو قبله، فلا يوجد أي مبرر لإلقاء اللوم على الضحية». وأشارت المجلة أيضا إلى أن ممداني بدأ مسيرته السياسية في النشاط المؤيد للفلسطينيين وحفزت انتقاداته لإسرائيل بعضا من قاعدته الشعبية على دعمه في انتخابات رئاسة البلدية العام الماضي. مضيفة أن هذا التوجه ينعكس على الساحة الوطنية، حيث يتزايد لدى الديمقراطيين في جميع أنحاء البلاد شعورهم السلبي تجاه حليف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، في ظل استمرار مواجهة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية على خلفية الحملة العسكرية التي تشنها حكومته في غزة. كما وانتقد المحافظون من مختلف أنحاء العالم، بمن فيهم مسؤولون حكوميون إسرائيليون وحاكمة ولاية أركنساس، سارة هاكابي ساندرز، فيما كتب مايك هاكابي، والد هاكابي ساندرز وسفير الولايات المتحدة الحالي لدى إسرائيل، على منصة إكس أن تصريح العمدة كان «خطابا بغيضا» يشبه إدانة الرد العسكري الأمريكي على أحداث 11 أيلول/سبتمبر. إلا أن رسالة رئيس البلدية كانت متسقة مع آرائه الراسخة والمستمرة بشأن الصراع، وهو موقف ساهم في حشد الناخبين الشباب لدعمه في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي العام الماضي، وهزيمة الحاكم السابق أندرو كومو. وأظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة تراجعا في شعبية الأمريكيين، وبين الديمقراطيين على وجه الخصوص، تجاه الحكومة الإسرائيلية والدعم المالي الأمريكي لها، مع دخول الحرب في غزة عامها الرابع. ومع ذلك كان بيان رئيس البلدية متوافقا بشكل عام مع بيانات أخرى منتمية إلى الجناح اليساري للحزب الديمقراطي، بمن فيهم السيناتور بيرني ساندرز، وهو مستقل ومستشار مقرب لرئيس البلدية. وقال ساندرز، وهو يهودي، في بيان: «كأي دولة تواجه هجوما إرهابيا، يحق لإسرائيل الدفاع عن نفسها وملاحقة حماس، لكن للأسف، لم تشن حكومة نتنياهو في إسرائيل حربا ضد حماس وحدها، بل شنت إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزة».
وبدا الغضب على ممداني واضحا في الصحف المؤيدة لإسرائيل مثل «وول ستريت جورنال» (7/10/2026) التي خصصت افتتاحية لها بعنوان «الاحتفال بهجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر»، قالت فيها إن ممداني وغيره استخدما المناسبة لتحميل اليهود المسؤولية. وقالت إن العمدة استخدم ذكرى الهجمات في 2026 بنفس الطريقة التي استخدمها في عام 2023 وأنها فرصة لتشويه سمعة إسرائيل. وقالت إن حماس اختفت إلى الأنفاق بعد شجبها في بيانه للتركيز على الإبادة الجماعية أو «ما يطلق عليه وقف إطلاق النار» و«التمييز العنصري» و «جرائم الحرب» التي ترتكبها إسرائيل.
وشككت الصحيفة في صحة الأرقام التي يسوقها ممداني قائلة إنها مستقاة من إحصائيات حكومة حماس التي لا تفرق بين المدني والمقاتل. ولا حاجة للمزيد من افتتاحيتها، فهي تحاول تصوير حرب إسرائيل في غزة بأنها غير إبادية وأن ممداني وزوجته ومن يمثلانهما من اليسار لا يفهمان الكثير عما تقوم إسرائيل بعمله. ووصف بريت ستيفنز من صحيفة «نيويورك تايمز»(9/10/2026) بيان ممداني بأنه «بغيض» وبنفس الطريقة لو قام عمدة نيويورك بتذكر الذكرى الـ 25 لهجمات 9/11 التي أحيا ذكراها الأمريكيون في الشهر الماضي. وأضاف أن حماس هي من بدأت الحرب كما بدأ اليابانيون الحرب ضد أمريكا بقصف بيل هاربر أثناء الحرب العالمية الثانية. وأن ممداني يضلل الناس عندما يتحدث عن معارضته لإسرائيل في كل ما فعلته بعد الهجمات. وما يريده ستيفنز وغيره من المعلقين والساسة المؤيدين لإسرائيل هو الاحتفاء بالحياة اليهودية في ذكرى 7 أكتوبر أما ما حدث بعد ذلك في غزة فيمكنه أن يؤجله ليوم آخر. وكما قال نائب أمريكي السنة فيها 365 يوما، ويمكن لممداني اختيار كل أيامها الباقية للحديث عن الإبادة الجماعية. ومشكلة هذا النقاش أنه ينكر الفجوة بين مواقف هذه النخبة المتمسكة بدعم إسرائيل وتلك التي بات يؤمن بها الرأي العام. وتتناقض مع مواقف الجماعات المؤيدة لإسرائيل في أمريكا.
وكما أشار إريك أولترمان في صحيفة «نيويورك تايمز» (5/10/2026) فاللجنة الأمريكية – الإسرائيلية للشؤون العامة المعروفة اختصارا بأيباك فشلت في مهمتها لحشد الدعم لإسرائيل، وتصر في الوقت نفسه على التصرف بأن الوضع كما كان عام 1991 عندما كان الدعم الشعبي لإسرائيل يصل إلى 81 في المئة وعندما كانت تحظى بدعم الحزبين لها.
ويرجع أولترمان سبب التراجع إلى الحرب الإسرائيلية الدامية على غزة في عام 2023 والتي جعلت إسرائيل شبه منبوذة على الصعيدين الدولي والمحلي. وقال إن عهد النفوذ السياسي الهائل الذي تمتعت به أيباك قد انتهى، فالمنظمة لا تكتفي بتجاهل استطلاعات الرأي بل وتدفن رأسها في الرمال. وبحسب آخر استطلاع رأي أجرته شبكة إن «بي سي نيوز» عام 2026، فإن 32 في المئة فقط من الناخبين الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل بإيجابية، أما بين الديمقراطيين، فتنخفض هذه النسبة إلى 13 في المئة فقط. بل وخسرت إسرائيل حتى العديد من اليهود الأمريكيين. وبهذه المثابة أصبح دعم إسرائيل اليوم عبئا ثقيلا على كاهل السياسيين الديمقراطيين، ومصدر صراع داخلي عميق لليهود الأمريكيين الذين يسعون إلى الموازنة بين صهيونيتهم وليبراليتهم. فعندما يعبر ساسة مثل ممداني عن مواقف مخالفة لما تريده أيباك والساسة الأمريكيون الداعمين لإسرائيل فإنهم يستجيبون لاستطلاعات الرأي والنقاشات التي تجري بعيدا عن الإعلام الداعم للدولة اليهودية.
ومع ذلك يواصل الساسة المنتخبون التزامهم بإسرائيل، وهو ما يظهر أيضا في مواقف دول الاتحاد الأوروبي التي تسجل استطلاعات الرأي فيها تراجعا لشعبية إسرائيل، لكن الكتلة عاجزة حتى عن اتخاذ أي موقف واضح من الاستيطان أو عنف المستوطنين، ما يعني زيادة في تهميش مجموعة مكونة من 27 دولة مهمة وقادرة على فرض موقفها على إسرائيل. وقالت صحيفة «الغارديان» (9/10/2026) إن الاتحاد الأوروبي يفشل دائما بالتوصل إلى سياسة واضحة تدين الإنتهاكات الإسرائيلية للفلسطينيين وتصاعد عنف المستوطنين في الأراضي المحتلة. وقد عبر عدد من الدبلوماسيين الأوروبيين عن أملهم في أن يحدث القرار البريطاني فرض عقوبات شاملة على التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية أثرا قويا على بقية أوروبا، ولم يحدث هذا. بل وما يسود هو جمود في مواقف الكتلة الأوروبية يتناقض مع تصاعد الانتقادات الشعبية في أوروبا للحكومة الإسرائيلية. فقد أظهر استطلاع رأي شمل عشر دول أوروبية، من بينها إسبانيا وفرنسا والسويد، أن غالبية كبيرة من الناس لديهم رأي سلبي تجاه إسرائيل. وكشف الاستطلاع الذي أجراه مركز «بيو» للأبحاث أن الآراء أصبحت أكثر سلبية مقارنة بالعام السابق، لا سيما بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي أشعلت فتيل أزمة جديدة في الشرق الأوسط وصدمة اقتصادية عالمية.
وتواجه إسرائيل عزلة متزايدة في الساحة العامة، حيث اختارت خمس دول مقاطعة مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) هذا العام بسبب مشاركة إسرائيل، بعد أن رفض المنظمون استبعادها بسبب سلوكها في حرب غزة وتصاعد العنف في الضفة الغربية.
وبعد 3 أعوام على الحرب، تعاني غزة من كارثة إنسانية، حيث يواجه السكان نقصا حادا في المياه والمواد المغذية للأطفال والمعدات الطبية والأدوية، في ظل تفشي الأمراض والبطالة والانهيار الاقتصادي وخطر الموت أو الإصابة. فيما تستمر الغارات الجوية الإسرائيلية: وتشمل حصيلة القتلى 1.400 فلسطيني قتلوا منذ إعلان وقف إطلاق النار قبل عام. وتمارس إسرائيل في القطاع سياسة «الأرض المحروقة» كما تشير صحيفة «فايننشال تايمز»(9/10/2026)، حيث أشارت إلى عمليات القتل والغارات المستمرة وتغيير معالم الخط الأصفر الذي يتم توسيعه بشكل مستمر. وفي محاولاتها لاغتيال وتصفية من تراهم قادة في حركة حماس لا تفرق إسرائيل في عملياتها بين المدني ومن تراه مقاتلا، وهو ما بدا في العملية الأخيرة لمحاولة اغتيال قيادي في حماس وهو علي أحمد العمودي بحي الرمال في مدينة غزة. فبدلا من وقف القتال، واصلت إسرائيل خلال تلك الفترة حملة عسكرية شرسة في القطاع المدمر. شنت قواتها غارات جوية متكررة، وهدمت مبانٍ، وأطلقت النار على فلسطينيين تعتبرهم تهديدا للجنود المتمركزين حول المنطقة المحتلة المتوسعة بشكل دائم والتي تضم الآن أكثر من 60 في المئة من غزة. ونقل عن أمجد عراقي، كبير محللي شؤون إسرائيل وفلسطين في مجموعة الأزمات الدولية ببروكسل قوله: «من الواضح جداً أن إسرائيل تنظر إلى وقف إطلاق النار كغطاء لتحقيق أهدافها، وليس كأمر تلتزم به فعلياً، إنها تستغل وقف إطلاق النار لترسيخ الاحتلال». وأضاف: «إنهم يتبعون سياسة الأرض المحروقة. يمحون قرى وبلدات بأكملها ويهجرون أكبر عدد ممكن من السكان لجعل عودة الناس صعبة». وقال مايكل ميلشتاين، ضابط المخابرات الإسرائيلي السابق، إنه على الرغم من أن الضربات تلاقي استحسان الرأي العام الإسرائيلي، إلا أنها كانت أقرب إلى تصفية حسابات شخصية منها إلى دافع استراتيجي أوسع، ما يعكس فشل المسؤولين الإسرائيليين حتى الآن في وضع خطة طويلة الأمد. وأضاف: «للأسف، في الوقت الراهن، باستثناء الوعد مجددا بالنصر الكامل والحديث عن نزع التطرف من سكان غزة، لا توجد استراتيجية».
من جهة أخرى أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» (8/10/2026) إلى أن إسرائيل تستخدم المواقع العسكرية الجديدة لحماية قواتها من الأراضي التي تسيطر عليها حماس، في الوقت الذي يقوم فيه جيشها بتطهير الأنفاق على الجانب الذي تسيطر عليه إسرائيل، وهي مهمة تقول إنها أوشكت على الانتهاء. وفي هذه العملية، تقوم إسرائيل بإزالة كل مبنى تقريبا تصادفه قواتها، وفقا لمسؤولين عسكريين.
وخلال زيارة حديثة، لم تر الصحيفة أي مبان متبقية على الجانب الإسرائيلي من الخط الأصفر.
ويبرر مسؤولون إسرائيليون أن المواقع العسكرية والمناطق المسورة تهدف إلى تعزيز دفاعات إسرائيل. وبحسب تحليل أجراه جيك غودين، الباحث البارز في مؤسسة بيلينغكات، وهي مؤسسة استقصائية، أظهر 32 موقعا عسكريا إسرائيليا في غزة على صور الأقمار الاصطناعية وتمتد هذه المواقع على طول الخط الأصفر، وتتراوح المسافة بينها وبين حدود غزة مع إسرائيل من ميل إلى ثلاثة أميال تقريبا. ونشرت وكالة رسم الخرائط التابعة للحكومة الإسرائيلية، الشهر الماضي، لفترة وجيزة على الإنترنت صورا عالية الدقة وغير مشوشة لشمال غزة تعود لعام 2025، تظهر العديد من المواقع العسكرية الإسرائيلية. وقامت الحكومة الإسرائيلية لاحقا بتشويش هذه الصور. وأوضح غودين أن بناء هذه المواقع استغرق عدة أشهر، وهي مصممة على شكل مستطيل. معظمها معبد على الأرجح لتسهيل وصول المركبات العسكرية. وتضم هذه المواقع هياكل مؤقتة لينام فيها الجنود ويأكلوا ويعملوا، كما توجد أبراج اتصالات قريبة منها تراقب سكان غزة وتعمل القتل اليومي بهم.
وعام آخر يحرم أطفال غزة من الذهاب للمدارس التي حولتها إسرائيل إلى أنقاض ولم يتبق أمام التلاميذ إلا الخيام التي يذهبون إليها 3 مرات أسبوعيا أما بقية الأيام فهم منشغولون بالوقوف في الطوابير للحصول على الطعام والماء. وقدم الشاعر الفلسطيني مصعب أبو توهة بمقال نشرته مجلة «ذي نيويوركر» (7/10/2026) صورة عن هذه المعاناة واستعاد دراسته في مدرسة الفاخورة بمخيم جباليا وتدريسه بعد ذلك الإنكليزية في مدارس أونروا التي ظلت إسرائيل تعمل على تشويهها. ويقول ابو توهة إن إسرائيل تستهدف مدارس الفلسطينيين منذ سنوات ولكنها زادت من الهجمات بعد الحرب الأخيرة، وظلت تقتل تلاميذ المدارس حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار العام الماضي. وختم أبو توهة مقالته بالتالي: «في التاسع من نيسان/أبريل 2026، بعد ستة أشهر من ما يسمى بوقف إطلاق النار، كانت ريتاج ريحان، البالغة من العمر تسع سنوات، في المدرسة داخل خيمة عندما أصابتها رصاصة إسرائيلية في فمها. أخبر زملاؤها قناة «الجزيرة» أنها كانت بالقرب من مقدمة الخيمة، تنتظر معلما ليراجع عملها. وقد نصبت الخيمة على أنقاض مدرسة أبي عبيدة بن الجراح الثانوية، حيث أنهيت الصف الثاني عشر». و«عندما أصيبت ريحان، كانت تجلس بالقرب من ابن أخي يزن. في وقت لاحق من ذلك اليوم، عندما التقى بأختي آية، قال لها: أمي، فتاة بجانبي أُصيبت في فكها. حاول طمأنتها قائلا: لكنها كانت لا تزال تتنفس. وما لم يكن يعلمه هو أنه بحلول الوقت الذي وصلت فيه عربة تجرها الحيوانات لنقلها إلى عيادة طبية، كانت قد فارقت الحياة. وفي اليوم التالي لمقتل ريحان، عثرت على صورة لدفترها على الإنترنت وفي مصادفة قاسية، كانت ريحان تتعلم الطرح في حصة الرياضيات، كما كانت تتدرب على كتابة عدة كلمات عربية: تفاحة، موز، وبرتقال. من آخر ما كتبته ريحان في دفترها: قريتنا نظيفة. كان دمها يغطي الصفحة». والغريب أن مدارس تابعة لجمعية يديرها فلسطيني أمريكي مولود في الكويت تريد مراقبة ما يتعلمه أطفال غزة خشية تلقينهم الكراهية، حسب تقرير بوكالة أسوسيتدبرس (8/10/2026) واقترح استخدام الذكاء الاصطناعي لهذا الغرض. وهو ما يذكر الفلسطينيين بالحرب التي استخدمت فيها إسرائيل الذكاء الإصطناعي وقتلت آلافا مؤلفة منهم بدون تناسب أو تحقيق، كما كشف فيلم «نازا» الأخير. والغريب أن إسرائيل حاولت أن تدضح ما لا يمكن دحضده بفيلم مضاد لذلك الفيلم، الذي فاز مخرجاه بجائزة مهرجان البندقية. وأشار عومير بارتوف الخبير في الإبادة الجماعية بمقال نشرته صحيفة «الغارديان» (9/10/2026) إلى أن فيلم نازا يخفي في نبرة المشاركين الهادئة أن الإبادة الجماعية الحديثة هي نتاج أولئك الذين ينتمون إلى التكنوقراط والبيروقراطيين والمخططين الباردين للإبادة، الذين لا يلطخون أيديهم بالدماء. و«نازا» هو اختصار عبري لعبارة «نيزك أغافي»، أي الأضرار الجانبية. وكما هو الحال مع الاختصارات، فإن مصطلح «نازا» يبعد القائمين على هذه العمليات أكثر عن معناه الحقيقي، الذي هو في حد ذاته مجرد كناية. ولا يسأل المرء كم عدد البشر الذين قد يحكم عليهم القائم بالعملية بالموت باستهداف عدو مشتبه به ولا يسأل حتى عن حجم الأضرار الجانبية التي قد تحدث. السؤال ببساطة: «كم عدد نازا؟ ومعظم ما يكشفه الفيلم معروف بالفعل من خلال الصحافة الاستقصائية المنشورة في السنوات الأخيرة، إلا أن الاستماع إلى شهادات الأشخاص الذين أداروا هذا النظام المتطور للمراقبة والاستهداف يمنحنا منظورا بالغ الأهمية. والأهم من ذلك هو أن هؤلاء الرجال والنساء الأربعة والعشرين يكشفون ما يحدث عندما تتلاشى المسافة بينهم وبين الأهوال التي يرتكبونها: حين يدخلون منازل من هم على وشك قتلهم باختراق هواتفهم ويسمعون أصواتهم ويرون صور أحبائهم يرونهم للحظات كبشر عاديين قبل أن يفجروهم. وفي غزة، يعتمد عدد قنابل «نازا» المعتمدة على رتبة الهدف، ليصل إلى مئات المدنيين الأبرياء، وفقا لمن تمت مقابلتهم. حتى لو تم تطبيق 20 قنبلة نازا، التي أصبحت معيارا، على كل هدف من عشرات الآلاف من أهداف إسرائيل، «سينتهي بك الأمر إلى غزة بأكملها»، أي إبادة جماعية، ولهذا السبب نفهم غضب إسرائيل ومعها أمريكا لمنح لجنة جائزة نوبل، جائزتها للسلام هذا العام للجنوب أفريقية نافيثيم بيلاي التي ترأست لجنة عن غزة عندما كانت مفوضة سامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة. فيما اعتبره البعض عودة من الجائزة لاحترام حقوق الإنسان والقانون الدولي، فقد أخطأت مرة عندما منحتها لباراك أوباما الذي ذهب ليعلن الحروب وعادت وأخطأت مرة ثانية في منحها لرئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد. وفي هذه المرة أصابت عندما استبعدت دونالد ترامب الذي يريد الحصول عليها ليس لأنه يستحقها بل لأن أوباما حصل عليها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *