هل ما زالت المؤونة وسيلة لتوفير كلفة الشتاء في سوريا؟


 دمشق – “القدس العربي”: مع حلول موسم المؤونة، تجد معظم الأسر السورية نفسها أمام مفارقة لافتة، فما كان وسيلة لتوفير كلفة الشتاء أصبح اليوم يحتاج إلى ميزانية خاصة. نفقات الحياة اليومية وارتفاع الأسعار قلصت الكميات واختفت أصناف من قوائم المؤونة، حتى إن بعض الموظفين يعتمدون على “الجمعيات” لتمويل مؤونة البيت، فكيف تحولت مؤونة الشتاء من وسيلة لتخفيف النفقات إلى بند ينافس المدارس والتدفئة على دخل الأسرة؟

الحلقة الأضعف

تجد شريحة واسعة من الأسر نفسها أمام ميزانية محدودة لا تتسع لكل الاحتياجات، لذلك تصبح المؤونة الحلقة الأضعف أمام تعدد النفقات، خاصة عند الموظفين.

ومن داخل إحدى مديريات الإرشاد الزراعي تجزم سهام قدورة، 40 عاماً، مهندسة زراعية وأم لثلاثة أولاد، لـ”القدس العربي”، بأن شراء مواد المؤونة وتحضيرها في موسمها يبقى أقل كلفة في المال والوقت من شرائها خلال الشتاء.

وعن المكدوس تحديداً، تقول: “من المعلوم أن كل الأسر السورية اعتادت تحضيره، لكن ارتفاع أسعار مكوناته، بدءاً من الجوز مروراً بزيت الزيتون وصولاً إلى الفلفل والباذنجان، دفع بعض العائلات إلى تعديل حساباتها، حيث تقدر كلفة إعداد نحو 15 كيلوغراماً من المكدوس بالزيت البلدي بمليون ليرة سورية (نحو 80 دولاراً)، لكن رغم كلفته، يبقى أوفر للموظفة من شرائه في الشتاء، لأنه يؤمن حاجة المنزل مسبقاً”.

نصف الكمية

وتشير إلى أن الأسر التي كانت تحضر نحو 30 كيلوغراماً من الباذنجان للمكدوس باتت تكتفي بـ15 كيلوغراماً أو أقل، فيما أثر ارتفاع أسعار الزيت على الوصفة نفسها، إذ أصبح استخدام زيت الزيتون بالنسبة إلى كثير من العائلات نادراً، وحل الزيت الأبيض مكانه في حالات كثيرة.

وتقول سهام: “عندما تعود الموظفة إلى منزلها تجد طبختها من المؤونة جاهزة، مثلاً دبس الطماطم، الذي يتضاعف سعره في الشتاء، بينما يتيح تحضيره في موسمه توفير المال والوقت معاً، كما ترتفع أسعار الخضار، فالصنف الذي يمكن شراؤه في موسمه بألف أو ألفي ليرة للكيلوغرام (نحو 0.07-0.15 دولار)، قد يصل سعره شتاء إلى نحو 15 ألف ليرة (نحو 1.12 دولار)، فيما قد يصل سعر البازيلاء إلى 40 ألف ليرة (نحو 3 دولارات) شتاء، ولا سيما خلال شهر رمضان، لذلك نحرص على ملء الثلاجة بالمؤونة المجمدة مسبقاً”.

تراجع المربَيَات

وباتت تشمل المؤونة في هذه الظروف التي تثقل كاهل الأهالي الفواكه أيضاً، حيث “تضطر الموظفات في السنوات الأخيرة إلى عمليات تموين لم تكن موجودة في السابق، فنحن اليوم أصبحنا نعمل على تموين الخوخ والليمون ونحوله إلى عصير، بالمقابل هناك بعض الأصناف بدأت تتراجع من قائمة المؤونة، كمربى المشمش، إذ نكتفي غالباً بشراء كمية قليلة جاهزة بدلاً من تحضيره، بسبب ارتفاع سعر المشمش والسكر، فضلاً عن عدم توفر الغاز وارتفاع تكلفته”.

أما دبس الرمان، فتصفه سهام بأنه أصبح “من المنسيات”، حيث تكتفي بشراء كمية قليلة جاهزة من السوق، وينطبق الأمر نفسه على الزيتون، الذي ارتفع سعره من نحو 25 ألف ليرة للكيلوغرام العام الماضي (نحو 1.87 دولار) إلى نحو 30 ألفاً اليوم (نحو 2.25 دولار).

الجمعيات لتمويل المؤونة

وينتقل الحديث إلى نائلة أبو زر، زميلة سهام في الوحدة الإرشادية الزراعية، التي تقول: “إن راتب الموظف لم يعد كافياً وحده لتمويل المؤونة، ما يدفع الموظفين إلى الاعتماد على نظام الجمعيات”.

ويقوم نظام الجمعيات على تجميع المرتبات أو مبالغ عدة موظفين، ومنح المبلغ لشخص واحد في كل مرة، بالتناوب شهرياً بين أفراد المجموعة. وبذلك يحصل الموظف على مبلغ أكبر في الوقت الذي يحتاج فيه إلى شراء المؤونة.

وتختصر نائلة المشهد بفكاهة سوداء، حيث تقول: “لم تعد الجمعية تجمع لشراء بيت أو سيارة، إنما أصبحت وظيفتها سحب الراتب من المحاسبة إلى الثلاجة، وما كان وسيلة لتوفير كلفة الشتاء أصبح يحتاج إلى ميزانية خاصة”.

دخل الخارج ينقذ الموقف

ووفقاً لشهادات لـ “القدس العربي”، فإن القدرة على تخزين مؤونة الشتاء ترتبط بمستوى الدخل وتأمين تكاليفها خلال موسم الصيف، ومن أمام متاجر الخضار في سوق باب سريجة وسط دمشق توضح نسرين، البالغة 35 عاماً، وهي زوجة مغترب، أنها تمكنت من تحضير المؤونة المرتفعة أسعارها بفضل قدرة زوجها على إرسال المال من الخارج.

وتقول نسرين: “حضرت المؤونة في الصيف، من النعنع ودبس الطماطم والرمان إلى المكدوس والزيتون وبعض المربيات، رغم أن كثيراً من الأسر عزفت تماماً عنها، فالراتب بالكاد يكون في أيديهم”.

اختصرنا كل شيء

وتروي سمر، وهي ربة منزل تروي لـ “القدس العربي” كيف أثر ارتفاع تكاليف المعيشة على واحدة من العادات المنزلية المرتبطة بموسم المونة.

وتقول: “كنا نجتمع 5 نساء أو أكثر من أخواتي وزوجات إخوتي نهاية الصيف لتحضير المؤونة، أو كنا ننظم دوراً بين نساء العائلة لتحضير كميات كبيرة من المكدوس تكفي من سنة إلى أخرى، وفي بعض الأحيان كانت الأسرة تبدأ موسم المؤونة الجديد ولا تزال لديها كميات من الموسم السابق”.

وتوضح أن التغير يظهر اليوم حتى في طريقة شراء دبس الطماطم الذي كان يعد مسبقاً في الصيف مع جاراتها لانخفاض سعره، “أما اليوم أصبحت أكتفي بشراء كمية صغيرة عند الحاجة وقت إعداد الطعام، وعندما يلزمني ذلك أرسل إلى السمان بألفين أو ثلاثة آلاف ليرة، لشراء كمية تكفي لطبخة واحدة لا أكثر”.

أما المكدوس، فإن “الأسرة المقتدرة، والتي تضم خمسة أشخاص مثلاً، قد تحضر حالياً نحو عشرة إلى خمسة عشر كيلوغراماً، المحفوظ بالزيت النباتي بكلفة تقدر بـ 500 ألف ليرة سورية (نحو 40 دولاراً) وتخزنها بحذر، بدلاً من الكميات الكبيرة التي كانت تترك على الرفوف في السابق، أما الوضع بالنسبة لي مختلف، إذ اضطررت إلى اختصار المؤونة والتوقف عن إعداد المكدوس، بسبب ارتفاع تكاليف مكوناته، من الزيت إلى بقية المواد اللازمة لتحضيره”.

وتضيف: “من المعلوم أن كلفة المؤونة باهظة، لذلك استغنينا عن معظمها، وهو ما ينسحب على دبس الطماطم، والزيتون، “فإن دفع نحو ثلاثين ألفاً ثمن كيلوغرام الزيتون لم يعد أمراً ممكناً”.

وتتابع: “بعض الأسر لا تزال تحضر المؤونة بكميات قليلة، بينما من في وضعنا قد تجاوز مجرد التقليص، وتدهورت أحوالهم من حالة متوسطة إلى ما تحت الصفر أو خط الفقر، لذلك اختصرنا كل شيء في حياتنا، كل شيء”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *