الخرطوم – “القدس العربي”: قتل 30 سودانياً وأصيب عشرات آخرون من النازحين جراء هجوم بطائرة مسيرة تابعة لقوات “الدعم السريع” استهدف مواقع في محيط مخيم أبو شندي في محافظة ود الماحي، جنوب شرقي السودان، شملت مناطق تجمع نازحين ومشروع المياه ومناطق سكنية ومواقع للتعدين التقليدي، حسبما أعلنت حكومة إقليم النيل الأزرق، وذلك بالتزامن مع هجوم بنحو عشر مسيرات انتحارية على مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، أسفر عن إصابة ستة مدنيين وتدمير ست سيارات وإلحاق أضرار بمنازل سكنية.
وقالت حكومة النيل الأزرق، في بيان، إن الهجوم الذي استهدف النازحين في محيط مخيم أبو شندي أوقع 30 قتيلاً، فيما أفادت مصادر محلية بسقوط وإصابة العشرات، غالبيتهم من النساء والأطفال.
وأوضحت المصادر أن الطائرات المسيرة استهدفت تجمع نازحين حول مرفق مياه المنطقة وآخرين كانوا ينقبون عن الذهب قرب مخيم أبو شندي، والذي يؤوي نازحين من مناطق متعددة في إقليم النيل الأزرق.
ويأتي استهداف هذه المواقع في وقت تشهد فيه محافظة ود الماحي موجات نزوح متتالية من القرى المتأثرة بالعمليات العسكرية.
وحملت حكومة إقليم النيل الأزرق قوات “الدعم السريع” المسؤولية عن الهجوم، وطالبت المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية بإدانة الاعتداءات وتوثيقها والتحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.
وقالت إن استهداف المدنيين يمثل انتهاكاً للقواعد القانونية الدولية التي تحظر الهجمات على السكان غير المشاركين في القتال، وتلزم أطراف النزاعات المسلحة بحماية أرواح المدنيين وسلامتهم، وفقاً لاتفاقيات جنيف والمواثيق الدولية ذات الصلة، بما في ذلك قواعد التمييز بين المدنيين والمقاتلين وحظر الهجمات العشوائية.
كذلك، أدانت حكومة محافظة ود الماحي الهجوم، معتبرة أن هجمات المسيرات تشكل تهديداً مباشراً ومستمراً لحياة المدنيين وانتهاكاً للمبادئ الإنسانية التي تكفل حماية الأشخاص الفارين من الحرب.
وأكدت أن النازحين في مراكز الإيواء من أكثر الفئات تضرراً من النزاع، بعدما اضطروا إلى مغادرة مناطقهم ومنازلهم بحثاً عن الأمن والاستقرار.
وحذرت من أن استهدافهم يفاقم معاناة الأسر، خصوصاً النساء والأطفال وكبار السن، ودعت إلى وقف الاعتداءات التي تطال المدنيين ومراكز الإيواء، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين دون عوائق.
أيضاً، أدانت شبكة أطباء السودان بأشد العبارات، الهجوم، ووصفته بـ”المجزرة الدموية”، وأشارت إلى أنه من بين القتلى (4) أطفال، فيما تضم قائمة المصابين (6) أطفال، بالإضافة إلى مجموعة من النساء، منددة باستهداف الهجوم مدنيين عزلاً في منطقة إيواء للنازحين فروا من النزاع بحثاً عن الحماية والأمان.
وشددت على أن استهداف تجمعات النازحين بالطائرات المسيرة يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ويعكس استخفافاً بالغاً بحياة المدنيين، خاصة النساء والأطفال.
وحملت الشبكة الدعم السريع المسؤولية الكاملة عن الهجوم، وطالبت الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية والمنظمات الحقوقية الدولية بالتحرك العاجل لإدانة هذه الجريمة.
وحذرت من أن استمرار استهداف المدنيين والنازحين يتواصل وسط صمت دولي غير مبرر يشجع على تكرار هذه الجرائم ويضاعف المأساة الإنسانية التي يعيشها ملايين السودانيين.
وتأتي هذه الهجمات في ظل اتساع نطاق العمليات العسكرية في إقليم النيل الأزرق منذ يناير/ كانون الثاني الماضي، بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال بقيادة عبد العزيز الحلو.
وتمتد محافظة ود الماحي باتجاه المناطق القريبة من الحدود الإثيوبية، في محاور وجبهات ميدانية تشمل مناطق من بينها “منزا وجبل نمر وباشكركاد”. وشهدت هذه المناطق خلال الأيام الماضية اشتباكات وتحركات عسكرية، في ظل تصاعد المواجهات بين الجيش والقوات المتحالفة ضده.
استهداف أحياء سكنية
وفي شمال كردفان، استهدفت نحو عشر مسيرات انتحارية مدينة الأبيض فجر الجمعة، وفق إفادات ميدانية، فيما تصدت المضادات الأرضية التابعة للفرقة الخامسة مشاة للهجوم.
وقالت مصادر عسكرية إن الدفاعات الأرضية للجيش أسقطت عدداً من المسيرات التي دخلت أجواء المدينة خلال ساعات الفجر. وأفادت بأن انفجار بعض المسيرات داخل منازل مواطنين تسبب في إصابة ستة أشخاص بجروح متفاوتة، نقلوا على إثرها لتلقي العلاج.
وشهدت المدينة تحليقاً مكثفاً للطائرات المسيرة ودوي انفجارات في مناطق متفرقة، بينما لحقت أضرار بممتلكات مدنية شملت منازل وسيارات. وقال شهود عيان إن أصوات الانفجارات ترددت في أجزاء متفرقة من المدينة خلال ساعات الصباح الأولى، وسط حالة من التوتر والفزع بين السكان.
ويأتي الهجوم في ظل تعرض الأبيض لضربات متكررة خلال الأشهر الماضية. وفي مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، أدى هجوم بطائرة مسيّرة على مأوى للنازحين إلى مقتل طفل وإصابة 12 طفلاً. وفي اليوم نفسه، أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل خمسة مدنيين وإصابة 47 آخرين في هجوم استهدف سكناً جامعياً تابعاً لجامعة كردفان.
وفي 26 سبتمبر/ أيلول الماضي، أسفر هجوم آخر بالمسيرات على مأوى للنازحين ومرافق مدنية في المدينة عن مقتل وإصابة 22 شخصاً. واستهدف الهجوم محطة وقود وحافلة ركاب ومنزلاً في حي عرفات الشمالي.
وتستضيف الأبيض آلاف النازحين الفارين من مناطق القتال في ولايات كردفان وإقليم دارفور، في وقت تتعرض فيه المدينة لضربات ومحاولات حصار وتضييق متكررة تستهدف مواقع عسكرية ومناطق مدنية.
وتقع الأبيض في ولاية شمال كردفان، إلى الجنوب الغربي من العاصمة الخرطوم، وتشكل مركزاً حضرياً رئيسياً في ولايات كردفان، حيث تربط شبكة الطرق بين وسط السودان وغربه، ما يجعلها نقطة محورية في خطوط الحركة والإمداد خلال الحرب.
تدهور الخدمات في دارفور
في الأثناء، يواجه نحو 100 ألف شخص في محلية مكجر في ولاية وسط دارفور والمناطق المحيطة بها نقصاً حاداً في الرعاية الصحية الأساسية، مع محدودية الخدمات الطبية وتراجع إمدادات المياه النظيفة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بسبب النزاع المسلح والاشتباكات بين المجتمعات المحلية.
وقالت منظمة أطباء بلا حدود إنها بدأت، بالشراكة مع وزارة الصحة السودانية، تدخلاً طبياً في مستشفى مكجر، يركز على علاج الحالات الطارئة للأطفال دون سن الخامسة وتقديم التطعيمات. وأضافت أنها قدمت الرعاية لنحو ألفي مريض في العيادات الخارجية خلال أغسطس/ آب وحده، وكان الإسهال والأمراض الجلدية والملاريا من أبرز أسباب مراجعة المرضى للمرفق الصحي.
وتواجه المحلية فجوات كبيرة في الخدمات العلاجية، تشمل غياب الجراحة ورعاية التوليد وحملات التطعيم الروتيني، في وقت خرجت فيه ست محطات مياه من أصل سبع عن الخدمة، ما يدفع غالبية الأسر إلى الاعتماد على مصادر مياه غير مأمونة، وسط صعوبات مالية تحول دون قدرة كثيرين على تحمل تكاليف الانتقال إلى المستشفى.
وقال منسق الطوارئ لدى المنظمة في دارفور، سيباستيان ترافيكانتي، إن وجود المنظمات الإنسانية في مكجر محدود للغاية ولا يغطي الاحتياجات القائمة، محذراً من تداعيات استمرار نقص الخدمات الطبية والمياه على صحة السكان، خاصة الأطفال والنساء.
وأدت الحرب المندلعة منذ أبريل/ نيسان 2023 إلى تعطيل مرافق صحية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وصعوبة وصول المرضى إلى العلاج في مناطق بعيدة عن مراكز الخدمات. وتواجه النساء الحوامل مخاطر إضافية في المناطق التي تغيب فيها خدمات التوليد، بينما يؤدي انقطاع التطعيمات الروتينية إلى زيادة احتمالات تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها.
سوء تغذية في طويلة
وفي شمال دارفور، حذرت حركة “جيش تحرير السودان” بقيادة عبد الواحد محمد نور من تدهور الأوضاع الإنسانية في محلية طويلة، مشيرة إلى انتشار سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون سن العاشرة، ووصول بعض الحالات إلى المرحلة الثالثة والخطيرة.
ودعت الحركة وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية إلى التدخل العاجل لإيصال الغذاء والمساعدات الطبية والإغاثية، وفتح ممرات آمنة تتيح وصول الإمدادات إلى السكان والنازحين.
وتواجه طويلة تدفقات مستمرة من الأسر الفارة من القتال في مناطق شمال دارفور، فيما تعاني مراكز الإيواء من نقص الغذاء والمياه الصالحة للشرب والأدوية والمأوى.
وحذرت الحركة من تدهور الأوضاع الغذائية والصحية في جبل مرة وطويلة وعين سيرو ومخيمات النازحين، مشيرة إلى انتشار الأمراض ونقص الأدوية والمياه النظيفة، في ظل استمرار موجات النزوح وتراجع قدرة الخدمات المحلية على تلبية الاحتياجات المتزايدة.