البحر هو نفس البحر… لكن التاريخ أثبت العكس بالضبط


بقلم: شاؤول اريئيلي

 في العام 1989، وردا على اعتراف الفلسطينيين بقرارات الأمم المتحدة 181 و242 الصادرة في 1988، صاغ رئيس الحكومة اسحق شامير مفهوما سياسيا ساد في قطاعات واسعة في اليمين الإسرائيلي منذ ذلك الحين: “كانوا يتحدثون عن رمينا في البحر، اليوم لا يقولون ذلك. لقد أصبحوا أكثر دهاءَ. فهم يطالبون (كما قال شامير) بحق الفلسطينيين في تقرير المصير… ولكن إذا نظرنا الى الواقع بتمعن فلن نجد أي تغيير. فالعرب هم نفس العرب والبحر هو نفس البحر والهدف هو نفس الهدف – تدمير دولة إسرائيل”. بعيدا عن الصياغة المباشرة يكمن جوهر هذه الرؤية في أن الصراع ليس سياسيا يمكن حله من خلال التسويات والاتفاقيات، بل هو صراع وجودي لم يغير فيه الطرف العربي هدفه، بل غير التكتيك فقط. وحسب هذه الرؤية فان كل مبادرة سياسية وكل اتفاق وكل رغبة في الاعتراف المتبادل، ليست الا ستاراً من الدخان. فهي لا تعبر عن تغيير حقيقي في المواقف، بل عن محاولة لتحقيق ما لم يتم تحقيقه عسكرية، بالوسائل السياسية.

  هذا ليس فقط تصريحا تاريخيا من زعيم واحد. فعلى مدى عقود ساد هذا النهج بين معارضي الترتيبات السياسية مع العالم العربي، لا سيما التي تتضمن الانسحاب من الأراضي المحتلة في العام 1967. وقد قال من يعارضون التحركات السياسية إن الصراع لا يتأثر بسياسة إسرائيل وأفعالها على أرض الواقع. وإن مسألة ما إذا كانت إسرائيل تسيطر على الأراضي أو تنسحب منها أو تقدم تسوية إقليمية، لا معنى لها. فالصراع حسب هذه الرؤية ينبع من معارضة وجود دولة إسرائيل ذاته، وسيستمر حتى زوالها. اذا كانت هذه هي الفرضية الأساسية فإن أي حل وسط يُنظر اليه على أنه خطر وجودي.

 لقد رافق هذا النهج كل منعطف سياسي رئيسي تقريبا منذ سبعينيات القرن الماضي. فعندما تم التوقيع على اتفاق السلام مع مصر في العام 1979 واجهت إسرائيل معارضة شديدة، بزعم انه اتفاق مؤقت. وحتى بعد توقيع مناحيم بيغن على الاتفاق وإعادة شبه جزيرة سيناء لمصر، استمر منتقدوه في التحذير من أن السلام مع دولة عربية لا يضمن تغييرا استراتيجيا في الشرق الأوسط. وكان من أبرز مظاهر هذا الخوف أن تجد إسرائيل نفسها بدون عمق استراتيجي وظهرها للبحر المتوسط – التعبير الذي تكرر دائما في نقاشات الانسحاب الإقليمي. بكلمات أخرى، حتى بعد التوقيع على اتفاق السلام، اعتبره البعض مجرد هدنة مؤقتة في صراع طويل.

  تكرر هذا النمط أيضا في اتفاق السلام مع الأردن في 1994. فمن منظور استراتيجي مثّل الاتفاق انعطافة مهمة. فقد تمكنت إسرائيل من تثبيت حدود طويلة أخرى مع دولة عربية وحولتها الى حدود سلام، الأمر الذي أضاف عمقا استراتيجيا بطول 320 كم، أي ما يعادل عرض الأردن، لأي تهديد بري يأتي من الشرق. مع ذلك، واجه هذا الاتفاق معارضة أيديولوجية بذريعة أن السلام بين الدولتين لا يغير جوهر الصراع، أو مثلما قال نتنياهو: “اتفاق السلام مع الأردن لا يغير المشكلة المركزية وهي التهديد القادم من الشرق”. قال بعض المعارضين إن الاتفاق لن يحل القضية الفلسطينية التي بقيت في صميم واقع  البلاد. لذلك، لم يشكل الاتفاق  أي تغيير استراتيجي حقيقي. وقد عارض آخرون مثل رحبعام زئيف هذا الاتفاق لاعتقاده بأن الأردن هو دولة فلسطينية وأن اتفاق السلام الذي يرسخ حدود المملكة الهاشمية سيعززها، وستمنع الحل المفضل لدى إسرائيل والذي يتمثل بتهجير الفلسطينيين (الترانسفير).

  بالطبع، برزت أشد المعارضة مع اتفاق أوسلو في 1993. وهناك عبّر المعارضون عن وجهة نظر شامير بالكامل: فكرة أن الفلسطينيين لم يغيروا أهدافهم، بل لغتهم فقط. وقال معارضو الاتفاق إن اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل لا يعكس أي تغيير حقيقي، بل هو خطوة تكتيكية ضمن إطار “خطة المراحل” المصممة لتحقيق مكاسب سياسية. وكتب نتنياهو في ذلك الحين بأن السلام الرسمي لا يضمن الأمن ، وأن  إقامة دولة فلسطينية ستشكل تهديدا خطيرا لإسرائيل: “نزع سلاح الدولة الفلسطينية لا يعتبر حلا، لأنه من المستحيل نزع سلاح منطقة من السلاح الخفيف (أين؟ 1995). بكلمات أخرى، تكررت الفرضية الأساسية نفسها: الاتفاقيات لا معنى لها لأن هدف العرب لم يتغير.

يتيح هذا الرأي أيضا التهرب من أي مسؤولية عن الفشل، حيث يرفض أصحابه توجيه اللوم لإسرائيل على دورها في فشل عملية أوسلو، بزعم أن ياسر عرفات كانت لديه خطة مرحلية. أيضا سمح هذا الرأي لنتنياهو ونفتالي بينيت بالتنصل من المسؤولية عن سياسة: “حماس هي ذخر والسلطة هي عبء”، والتي أدت الى مذبحة 7 أكتوبر، وإلقاء اللوم بالكامل على الفلسطينيين، بدون التمييز بين حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية.

مع ذلك، عند دراسة الواقع الإقليمي على مر الزمن يتضح أن هذه الفرضية الأساسية لا تصمد أمام الحقائق. والجواب على ادعاء أنه بعد 7 أكتوبر لا يجب السعي الى اتفاق مع الفلسطينيين أو التنازل عن أي أرض ، لان التنازل سيسمح بتكرار الفشل، هو الاتفاق مع مصر الذي تم التوقيع عليه بعد الفشل الذريع في 6 أكتوبر، الذي شمل إعادة شبه جزيرة سيناء بالكامل لمصر. لقد بقي الاتفاق ساري المفعول لأربعة عقود، ومنذ التوقيع عليه في 1979 لم تندلع حرب بين إسرائيل ومصر، وتعتبر الحدود بينهما من أكثر حدود إسرائيل استقرارا. أيضا استمر اتفاق السلام مع الأردن لثلاثة عقود. ورغم التوترات السياسية والانتقادات العلنية الحادة أحيانا في الأردن، إلا أنه يحرص على الالتزام بالاتفاق، بل وساهم في اعتراض الصواريخ التي أُطلقت على إسرائيل من ايران.

 إضافة الى ذلك تم تعزيز هذه الاتفاقيات في السنوات الأخيرة باتفاقيات إبراهام الموقعة مع دول عربية أخرى، من بينها دولة الامارات والبحرين. وهنا أيضا يتضح أن الدول العربية يمكنها تغيير سياستها من إسرائيل عندما ترى في ذلك مصلحة سياسية أو استراتيجية. لا ينسجم أي شيء من هذا مع الادعاء بأن العالم العربي يسعى الى هدف واحد ثابت لا يتأثر بالواقع أو بسياسة إسرائيل.

 هذا لا يعني بالطبع، أن الصراع الإسرائيلي – العربي غير موجود، أو أن العداء تجاه إسرائيل قد زال. ولكن تاريخ العقود الأربعة الأخيرة يُظهر أن السياسة والاتفاقيات تؤثر في الواقع. ولا تعمل الدول العربية حسب أيديولوجيا واحدة أبدية، بل وفق مزيج من المصالح والضغوط الداخلية والاعتبارات الاستراتيجية، وعندما تتغير هذه الظروف تتغير السياسة تبعا لذلك.

  إن الفجوة بين التصور الذي عبر عنه شامير والواقع في المنطقة الان ليست موضوعا للنقاش التاريخي فقط، حيث أن رؤيته ما زالت سائدة في إسرائيل اليوم. إذا افترضنا أن النزاع غير قابل للحل بسبب أن هدف العرب لا يتغير، فإن أي مبادرة سياسية ستعتبر من البداية عديمة الجدوى. ولكن إذا اعترفنا أن الواقع الإقليمي أثبت أن الدول العربية قادرة على تغيير سياستها تجاه إسرائيل، فان الاستنتاج مختلف كليا: ان النزاع ليس قدرا محتوما، بل منظومة معقدة من المصالح السياسية التي يمكن التاثير عليها.

  هذا النقاش يرافق المجتمع الإسرائيلي منذ عقود. فمن جهة، هناك تصور ينظر الى الصراع على أنه صراع وجودي لا تؤثر فيه السياسات أو الاتفاقيات. ومن جهة أخرى، هناك تصور آخر ينظر اليه على أنه صراع سياسي يمكن تقليصه، بل وحله، من خلال مزيج من القوة والترتيبات الدبلوماسية. إن استمرار اتفاقيات السلام مع مصر والأردن لعقود، دليل على أن الواقع معقد أكثر من التصور الذي قدمه شامير.

 في نهاية المطاف يثبت تاريخ الشرق الأوسط بأن الأمور تتغير باستمرار وان الأهداف لا تبقى ثابتة. فهو يعلمنا أن الدول والشعوب تغيّر سياستها بتغير الظروف. والسؤال الحقيقي ليس إذا كان هذا التغيير ممكنا، بل إذا كانت إسرائيل مستعدة لإعادة النظر في هذه الامكانية. فاذا لم تكن أربعة عقود من السلام مع مصر وثلاثة عقود من السلام مع الأردن تكفي لإثبات أن الواقع قابل للتغيير، فإنه يصعب التصديق أن أي حقيقة أخرى ستنجح في فعل ذلك.

 هآرتس – 9/10/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *