بيروت – “القدس العربي”: “نجوم وجواسيس. حياة حلوة وأسرار. أضواء الشهرة ومؤامرات مظلمة في الثمانينيات، هجوم دموي. أهلاً بكم في فيا فينيتو، فندق غراند هوتيل فلورا”، بهذه الكلمات افتتح الصحافي الإيطالي باولو فوشي مقاله في صحيفة “كوريري دي لا سيرا” في العام 2007 حول فندق فلورا الشهير في روما.
عودة سريعة إلى الوراء، المكان فندق فلورا في روما، الزمان يوم الجمعة 9/10/1981 بعد منتصف الليل، الحدث: عملية اغتيال جزائري يُدعى عباس زيتوني، ويتضح لاحقًا أن المستهدف هو القيادي الفلسطيني ماجد أبو شرار، الذي استخدم اسمًا مستعارًا لدواعٍ أمنية.
من هنا بدأت محاولتي لفهم اختيار الفندق مكانًا لإقامة ماجد دون أي إجراءات أمنية خاصة أو مرافقة، فيما أقام باقي أعضاء الوفد الذي حضر من بيروت للمشاركة في مؤتمر عالمي للتضامن مع الكتاب والصحافيين الفلسطينيين في فندق “أرجيف بالاس”.
كان لماجد غرفة باسمه الحقيقي في “أرجيف بالاس”، وحُجز له باسم مستعار في “فندق فلورا”، حيث أقام فعليًا. أفصح لي أحد أعضاء الوفد، الصحافي والكاتب الراحل غطاس صويص، المعروف بنزيه أبو نضال، في جلسة سجلت خلالها شهادته عن ماجد، أنه التقاه في بهو “أرجيف بالاس” أثناء انتظار جاهزية الغرف، وكانت علاقتهما فاترة حينها لتباين مواقفهما السياسية.
تصرف ماجد، حسب أبو نضال، كأن شيئًا لم يكن، وعرض عليه غرفته. “عانقني بحرارة وتبادلنا أطراف الحديث قبل أن يطلب مني أن أستخدم غرفته في الفندق لحين جاهزية غرفتي، لأنه لن يقيم في الفندق الذي نقيم فيه”، قال أبو نضال.
وأضاف أنه استغرب الأمر، ولدى سؤاله ماجد، أجابه بأنه سيقيم في “فلورا” تحت اسم مستعار لدواعٍ أمنية. اعترف أبو نضال بأنه لم يكن مرتاحًا لفكرة إقامة ماجد في فندق آخر. وتساءل كغيره مرارًا عن السبب، ومن كان وراء اتخاذ القرار المميت.
يقول الروائي الفلسطيني الراحل رشاد أبو شاور في كتاب “ماجد أبو شرار مسيرة لم تنته بعد”، الذي أعده الكاتب والصحافي الفلسطيني الراحل عبد العزيز السيد، إن فندق “فلورا” هو “الأول في قائمة فنادق وزعها جهاز الأمن في حركة فتح على قياداتها وكوادرها، يحذرهم فيها من النزول في تلك الفنادق لأنها أوكار للموساد والصهاينة”.
تاريخ “فلورا” الغامض
انحفر اسم “فلورا” في عقلي لسنوات طويلة، وبدأت رحلة البحث عن تاريخ هذا الفندق والمنطقة التي يقع فيها وغيرها من الأمور المتعلقة بعملية الاغتيال. ولهذا شكّل مقال “فوشي” ركيزة انطلاق مهمة عززت شكوكي. يقع الفندق في بوليفارد “فيا فيتوريو فينتو” (Via Vittorio Veneto) الشهير، ويبعد أمتارًا قليلة عن مكتب سياحي إسرائيلي تعرض لأضرار بسبب انفجار قنبلة قبل أيام قليلة من اغتيال ماجد، وفقًا لصحيفة “واشنطن بوست”.
يحمل مقال “فوشي”، الذي يستعرض تاريخ الفندق، عنوانًا رئيسيًا وآخر فرعيًا يختصر ذلك التاريخ. اختار “فوشي” عنوانًا رئيسيًا لمقاله “الموقع الأيقوني. فندق ماستروياني وإيكبيرغ”، وألحقه بعنوان فرعي: “العصر الذهبي لفيلم “فلورا” مع فيليني. لكن كان هناك أيضًا قوات الأمن الخاصة النازية وهجوم على أحد قادة منظمة التحرير الفلسطينية”.
كما هو واضح من العنوان، يتحدث “فوشي” في مقاله عن حقبة مظلمة وأخرى ذهبية في تاريخ الفندق الذي شُيّد مبناه عام 1905 من قبل عائلة “بورغيزي”، ليتم بيعه لاحقًا بسبب مصاعب مادية للألماني “كرومجل”، الذي افتتحه بعد عامين بمساعدة المهندس المعماري أندريا فيتشي بوسيري باسم “بنسيون فلورا”.
استضاف الفندق خلال حقبته الذهبية، وفقًا للصحافي الإيطالي، مشاهير من عالم السياسة والفن والرياضة، كالممثل الإيطالي مارسلو ماستروياني، والممثلة السويدية أنيتا إيكبيرغ، والممثلة الأمريكية إليزابيث تايلور، والملاكم الأمريكي محمد علي كلاي، والكاتب والشاعر الفرنسي بول فاليري، الذي وصف الفندق بـ”المكان العذب للتأمل”. لم يكن في عصره الذهبي ملجأ للمشاهير وحسب، فقد شهدت أروقته ولادة أعمال فنية.
ماذا عن التاريخ الغامض والمظلم للفندق؟ احتل “الغستابو”، حسب “فوشي”، فندق “فلورا” خلال فترة الاحتلال النازي. لم يُستخدم مكانًا للتعذيب مثل فنادق أخرى في العاصمة الإيطالية، لكن أروقته كانت وكرًا للجواسيس وباعة المعلومات وسيئي السمعة.
يقول “فوشي” إنه بعد الحرب العالمية الثانية تحول الفندق من “نزل فلورا” إلى (Grand Hotel). يضيف الصحافي الإيطالي أن الفندق وجد نفسه “في قلب حدثٍ مدوٍ في 8 أكتوبر 1981، حيث أدت قنبلة متطورة تعمل بنظام الضغط، كانت مزروعة تحت السرير في الغرفة رقم 320، إلى مقتل نزيلٍ كان مسجلًا باسم “عباس زيتوني”، وهي هوية مزيفة واسم مستعار، فقد تبين أن الضحية ماجد أبو شرار، المسؤول الرابع في منظمة التحرير الفلسطينية”.
يضيف فوشي أن “الفلسطينيين اتهموا جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) بالوقوف وراء العملية”، ويشير إلى أن “التحقيقات ركزت على احتمالية وجود مشتبه بهم داخل الفندق، لكن التحريات وصلت إلى طريق مسدود، وظل الغموض يكتنف القضية. إنها قصة فندق “فلورا” وأسرار إيطاليا”، بحسب “فوشي”.
أمران مهمان يلفتان النظر فيما ذكره “فوشي” حول عملية اغتيال ماجد، أولهما تاريخ الحادثة، فالمتعارف عليه أن عملية الاغتيال وقعت في التاسع من أكتوبر وليس في الثامن كما ذكر الصحافي الإيطالي، وثانيهما رقم الغرفة 320 التي قال إن ماجد كان يقيم فيها، واكتشفنا بعد سنوات طويلة أنها أيضًا ليست الغرفة التي اغتيل فيها ماجد، وسنأتي على هذا التفصيل لاحقًا.
يختم “فوشي” مقاله المثير بأن ملكية الفندق باتت اليوم لعائلة “نالدي”، المالكين السابقين لنادي نابولي لكرة القدم. ولا يزال هذا الصرح العريق يُعدّ واحدًا من أبرز الوجهات العالمية، إذ انضم إلى شبكة فنادق “ماريوت” بموجب اتفاقية امتياز. “غير أن هناك أمرًا واحدًا لم يتغير: ما زال المكان مقصدًا للاجتماعات السرية، ويقول العارفون بأجواء الحي إن فتيات جميلات يترددن عليه باستمرار كل ليلة، متألقات بأحذية ذات كعوب عالية وتنانير قصيرة”. يتساءل الصحافي الإيطالي إذا كن جميعًا من السائحات.
لم يكن “فوشي” الصحافي الوحيد الذي اهتم بعملية الاغتيال. ووفق فصل في كتاب “ماجد أبو شرار مسيرة لم تنته بعد”، الذي ركز على متابعة صحيفة “الأنباء” الكويتية للقضية، تابع صحافي إيطالي آخر يُدعى باولودي كارلو، يعمل في صحيفة “المساجيرو”، التحقيق من ألفه إلى يائه، ولكنه وصل أيضًا إلى طريق مسدود.
جمع كارلو، الذي التقى ماجد في اليوم الذي سبق الاغتيال في فندق “أرجيف بالاس”، الكثير من الخيوط وحاول ربطها، لكنها تقطعت بسبب إبعاد بعض المحققين في الجريمة عن القضية واغتيال كمال حسين ونزيه مطر، مساعدَي ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في روما نمر حماد، اللذين كانا، حسب كارلو، يملكان معلومات حول القضية.
سارة في “فلورا”
لطالما راودتني رغبة في زيارة الفندق والتحدث إلى الموظفين هناك، إلا أن شيئًا ما في داخلي كان دائمًا يمنعني، على الرغم من أكثر من زيارة قمت بها إلى إيطاليا. لا أدري إن كان ذلك مرتبطًا بالتسليم بالواقع، فقد كانت فكرة الدخول إلى الفندق الذي قضى فيه ماجد ولا تزال ترعبني. قد تكون خشية العودة إلى مشاعر انتابتني في ذلك اليوم المشؤوم وأحاول دفنها.
تواصلت معي في بداية حرب الإبادة على غزة عام 2023 قريبتي الحكواتية سارة أبو شرار، التي كانت في زيارة إلى إيطاليا للمشاركة في(Raccontamuunastoria Festival)، وهو مهرجان مخصص لسرد القصص في قرية جبلية تُدعى “فارفا”، تبعد ساعة ونصف الساعة عن روما.
قالت لي سارة حينها إنها زارت إيطاليا أكثر من مرة، ولكنها المرة الأولى التي تذهب فيها إلى روما. “قبلت دعوة المهرجان على الفور بنية زيارة فندق فلورا حيث استشهد ابن عم والدي”، أوضحت سارة.
شعرت سارة بالقلق وبتوعك في معدتها لدى توجهها إلى الفندق، لأنها لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها هناك. حسدت سارة وشعرت أنني أرافقها في مشوارها إلى “فلورا”. ترددت سارة في الدخول إلى الفندق الفخم، بحسب وصفها. هربت إلى أحد المتاجر الفاخرة المحيطة به لتستجمع قوتها للدخول، ونجحت بعد عدة محاولات فاشلة.

كنت قد نصحتها بأن تقول لهم مباشرة إن قريبها اغتيل في الفندق وإنها ترغب في زيارة الغرفة التي استشهد فيها. دخلت سارة وجلست في الردهة الأمامية لفترة طويلة قبل أن تجمع أخيرًا ما يكفي من الشجاعة لتقترب من مكتب الاستقبال. “قد يبدو هذا غريبًا جدًا بالنسبة لكم، ولكن اسمحوا لي أن أعرّفكم بنفسي. أنا سارة أبو شرار. لقد تم اغتيال ابن عم والدي، ماجد أبو شرار، في فندقكم عام 1981. كنت أتساءل إن كان بإمكاني رؤية الغرفة التي حدث فيها ذلك؟”، قالت لأحد الموظفين.
ابتسم الموظف الشاب ورحب بها بحرارة قبل أن يقول لها: “هذا أمر لا يُصدق. بالأمس فقط كنا نتحدث فيما بيننا، ونقول إن عمليتي اغتيال حدثتا في الفندق، إحداهما كان ابن عم والدك، وها أنت هنا اليوم”، مشيرًا إلى أن روما تضم أكبر عدد من الفنادق التي شهدت عمليات اغتيال في العالم. أصر الموظفون على دعوة سارة إلى الغداء لحين وصول مديرة الفندق.
قدمت المديرة فلافيا كاسيني تعازيها الحارة للعائلة، وأسفت لأن عملية الاغتيال جرت في الفندق، وأخبرتها أن الغرفة التي تمت فيها عملية الاغتيال ليست 320 كما قال “فوشي” في مقاله، وليست 319 كما ذكر “كارلو” في تحقيقاته، كما أنها ليست 230 كما أخبرها موظفو الاستقبال، بل الغرفة رقم 420 في الطابق الرابع، التي لم تعد موجودة بعد ترميم الفندق، والغرفة الأقرب إليها حاليًا هي 319.
لأن الغرفة لم تكن شاغرة في ذلك اليوم، طلبت المديرة من سارة الحضور في اليوم التالي لرؤية المحيط الذي كانت تطل عليه غرفة ماجد، مع التأكيد أنهم سيُبقون الغرفة شاغرة حتى تزورها، لمعرفتهم بأهمية الأمر لعائلة الضحية.
سألت سارة قبل مغادرتها عن وجود موظفين ممن كانوا يعملون في الفندق عند حدوث عملية الاغتيال، وأكدت لها كاسيني بأنه لم يعد هناك أحد منهم.
عادت إلى “فلورا” في اليوم التالي، واستقبلتها مديرة الفندق بحرارة، واصطحبتها إلى الغرفة المجاورة للغرفة التي كان يقيم فيها ماجد، وغادرت لتعطيها بعض الخصوصية كما قالت لها، وشددت على أن تأخذ كل الوقت الذي تحتاجه. “تفحّصتُ الغرفة بأكملها: المكتب، والسرير، والخزانة، وقبل كل شيء، الإطلالة على الحديقة؛ لقد كانت تجربة مشحونة بالمشاعر”، قالت سارة.
“حاولتُ أن أضع نفسي مكان ماجد لأستشعر المكان وأعيشه بكل أبعاده. وعند خروجي، بدا الممر طويلًا وموحشًا؛ استقليت المصعد نزولًا، وقضيتُ بعض الوقت في الردهة، ثم شكرتُ المديرة قبل أن أغادر الفندق”.
قبل مغادرة سارة، اعتذرت المديرة لعدم توفر معلومات كافية لديها نظرًا لتغير طاقم العمل بالكامل، لكنها وعدتها بالتواصل مع أحد العاملين السابقين، وهو عامل نظافة كان يعمل هناك في ذلك اليوم، لمعرفة ما إذا كان يملك المزيد من المعلومات، كما زوّدتها برقم هاتفها لتتصل بها. غادرت سارة إيطاليا بعد أيام من زيارتها الفندق، عائدة إلى كندا حيث تقيم، دون أن تتصل بها مجددًا.
“فلورا” مثالًا لما يمكن أن يكون
في زيارة لإيطاليا عام 2000 بدعوة من يساريين إيطاليين، كانت روما أولى محطات مروان عبد العال، القيادي في “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”، وبدت له في الأيام الأولى “كتابًا مفتوحًا لا أعرف من أين أبدأ قراءته”، بحسب قوله.
طلب الرفاق الإيطاليون من عبد العال توخي الحذر في تنقلاته وعدم الاستخفاف بالإجراءات الأمنية التي يتخذونها، “مؤكدين أن العدو قادر، عبر عملائه، على ارتكاب عمل قذر حتى في مكان بعيد”. يقول عبد العال إنه لم يأخذ تحذير الرفاق على محمل الجد، لكن رفيقه سلفانو أعاده إلى “الحقيقة عند محطة المترو”.
أشار سلفانو إلى فندق “فلورا” وقال بهدوء: “لا تستخف بالأعداء… لقد وصلوا إلى هنا أيضًا”، قبل أن يخبره أن القائد الفلسطيني ماجد أبو شرار اغتيل في هذا الفندق. يقول عبد العال إن قلبه كان يخفق وهو يقترب من المدخل. تراجع عن الدخول في اللحظة الأخيرة. “كان الاسم وحده كافيًا لاستدعاء الغائب. وهناك، أخذت أرتّل لسلفانو كلمات محمود درويش في مرثيته لماجد: صباح الخير يا ماجدْ… صباح الخير والأبيضْ / قم اشربْ قهوتي، وانهضْ / فإن جنازتي وَصَلَتْ. وروما كالمُسَدَّس / كلُّ أرض الله روما، يا غريب الدار / يا لحمًا يغطي الواجهات وسادة”.
“لم أكن أعرف يومها لماذا يقف مناضل فلسطيني أمام فندق في روما، ويرتّل لشهيد فلسطيني مرّ من هنا. لكنني كنت أعرف أن القصيدة أعادت للغائب صوته، وللمكان ذاكرته؛ وأن ما كُتب عن ماجد قبل سنوات، كان لا يزال قادرًا على تحذيرنا من الحاضر والمستقبل معًا”، قال عبد العال.
في مداخلة لها عن ماجد، كشفت الكاتبة والممثلة المسرحية رائدة طه أنها وزوجها الراحل سهيل جدعون نزلا في فندق “فلورا” خلال إحدى رحلاتهما إلى العاصمة الإيطالية، وللصدفة نزلا في نفس الغرفة التي اغتيل فيها ماجد. لم تكن رائدة وسهيل يعلمان أن “فلورا” هو الفندق الذي استشهد فيه ماجد، ولدى معرفتهما من أحد الأصدقاء الفلسطينيين المقيمين في روما، جن جنون رائدة وطلبت على الفور تغيير الغرفة، وهذا ما حصل.
فندق “فلورا” المحطة الأخيرة لماجد، تم اغتياله قبل 45 عامًا في غرفة تطل على حدائق “فيلا بورغيزي” الشهيرة، وما زال الغموض يكتنف ظروف الاغتيال ومسرح الجريمة، وظلت الكثير من الأسئلة بلا أجوبة. كما قال “فوشي”، ربما تغير ملّاك الفندق، وأعيد ترميمه، لكن أمرًا واحدًا لم يتغير، ما زال المكان مقصدًا للاجتماعات السرية التي لا يعرف أحد ما يدور فيها. لم تكن هذه الحقائق غائبة عن سارة حين قالت إن “ماجد استشهد بطريقة مأساوية للغاية، لكنه رحل مثل أي كاتب وفنان يرغب بالموت في مكان ساحر محاطًا بكل هذا الجمال”، وكم أرغب بتصديقها.