باريس- “القدس العربي”: تقام هذا الجمعة والسبت الجولة الأولى من الانتخابات التمهيدية لـ”اليسار الاشتراكي الديمقراطي” في فرنسا، لاختيار مرشح التيار لخوض الانتخابات الرئاسية بعد نحو ستة أشهر، وذلك وسط منافسة تبدو محتدمة بين خمسة مترشحين، لا سيما بعد إقبال على الانتساب فاق التوقعات.
يتنافس في هذا الاستحقاق التمهيدي كل من أوليفييه فور، السكرتير الأول للحزب الاشتراكي الفرنسي، ورافاييل غلوكسمان، الرئيس المشارك لحزب Place publique والنائب في البرلمان الأوروبي، وجيروم غيدج، النائب الاشتراكي عن إقليم إيسون، وإيمانويل موريل، ممثل اليسار الجمهوري والاشتراكي، إضافة إلى سيغولين رويال، وزيرة البيئة والتعليم السابقة والمرشحة الاشتراكية السابقة للانتخابات الرئاسية.
سيصوت أكثر من 140 ألف ناخب اقتنوا بطاقة الانتساب، وهو رقم فاق التوقعات، في ظل الانقسام الكبير الذي يعاني منه الحزب، مع أنه يبقى أقل بكثير من نحو مليوني ناخب شاركوا في الانتخابات التمهيدية الاشتراكية عام 2017
سيصوت أكثر من 140 ألف ناخب اقتنوا بطاقة الانتساب، وهو رقم فاق التوقعات، في ظل الانقسام الكبير الذي يعاني منه الحزب، مع أنه يبقى أقل بكثير من نحو مليوني ناخب شاركوا في الانتخابات التمهيدية الاشتراكية عام 2017، لكنه يمثل، وفق القائمين على العملية، مؤشراً إيجابياً على استمرار الاهتمام بوجود مرشح موحد لليسار الاشتراكي الديمقراطي.
كما أنه يضفي مزيداً من الغموض على نتائج الجولة الأولى، في ظل صعوبة تحديد التوجهات السياسية لشريحة واسعة من المشاركين، ولا سيما الناخبين الذين سجلوا للمشاركة من دون الانضمام إلى أي حزب. فقد ترجح كفة أحد المرشحين الذين يمتلكون قاعدة حزبية منظمة، أو تمنح الأفضلية لمرشح قادر على استقطاب الناخبين المستقلين.
تشير المعطيات المتاحة إلى أن رافاييل غلوكسمان يدخل المنافسة مستفيداً من دعم معتبر داخل الأوساط الاشتراكية الديمقراطية، ومن تأييد عدد من المنتخبين والمسؤولين المحليين والبرلمانيين. ويبلغ عدد أعضاء حزبه أكثر من 28 ألفاً، بعد أن تضاعف عددهم خلال شهر واحد، وهو ما يمنح غلوكسمان قاعدة انتخابية أولية مهمة، وإن لم يكن من الممكن افتراض مشاركة جميع الأعضاء المسجلين أو تصويتهم له بالضرورة.
وفي منتصف شهر سبتمبر الماضي، أعلن نحو 300 منتخب اشتراكي دعمهم لغلوكسمان، بينهم رؤساء ثلاث مناطق فرنسية، علاوة على رئيسي الكتلتين الاشتراكيتين في البرلمان، بوريس فالّو في الجمعية الوطنية وباتريك كانير في مجلس الشيوخ.
يعزز هذا الدعم موقع غلوكسمان في مواجهة قيادة الحزب الاشتراكي، لكنه لا يضمن له الفوز، لا سيما أن الانتخابات لا تقتصر على أعضاء الأحزاب، بل تشمل أعداداً كبيرة من المشاركين الذين يصعب توقع اختياراتهم. كما أن طبيعة المنافسة تجعل من الصعب ترجمة التأييد الذي يعلنه المنتخبون والمسؤولون إلى أصوات فعلية في صناديق الاقتراع.
في المقابل، يعتمد أوليفييه فور على قاعدة من المؤيدين داخل الحزب الاشتراكي، الذي يضم نحو 31 ألف عضو سددوا اشتراكاتهم ويحق لهم المشاركة. وقد يستفيد من شبكة علاقاته داخل الحزب ومن موقعه على رأس قيادته، غير أن تراجع ظهور عدد من المقربين منه علناً خلال الأيام الأخيرة أثار تساؤلات بشأن مدى تماسك الدعم الذي يحظى به.
أما جيروم غيدج، فيحاول الاستفادة من مواقفه الواضحة بشأن القضايا السياسية والدولية ومن حضوره في النقاشات التلفزيونية، فيما يعتمد إيمانويل موريل أساساً على أصوات أعضاء اليسار الجمهوري والاشتراكي، الذين يقدر عددهم بنحو ألف عضو. وتبدو سيغولين رويال أقل استفادة من الدعم الحزبي المنظم، لكنها تحاول التعويض عن ذلك بحضورها السياسي والإعلامي وخطابها الذي يركز على ضرورة توحيد اليسار.
التحالف مع “فرنسا الأبية”
يخوض المترشحون الخمسة هذه المنافسة في محاولة لتحديد هوية التيار الاشتراكي الديمقراطي وخطه السياسي، في وقت تتزايد فيه الخلافات الداخلية بشأن التحالفات الممكنة مع القوى اليسارية الأخرى، بالإضافة إلى المواقف من القضايا الدولية، وعلى رأسها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
كشفت الحملة الانتخابية والمناظرات التلفزيونية بين المترشحين عن انقسامات عميقة بشأن مستقبل اليسار الفرنسي وطبيعة التحالفات التي ينبغي أن يخوض بها الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة، وسط خلاف عميق جداً حول العلاقة مع حزب “فرنسا الأبية” بزعامة جان لوك ميلانشون، الذي يعد أكثر الأحزاب اليسارية شعبية في السنوات الخمس الأخيرة.
فبينما يدعو كل من أوليفييه فور وسيغولين رويال إلى الحفاظ على إمكانية توحيد القوى اليسارية، يرفض رافاييل غلوكسمان وجيروم غيدج، في المقابل، بشكل قاطع التحالف مع الحزب، في ظل الخلافات السياسية والأيديولوجية التي تفصل بين الطرفين.
غزة ومصطلح “الإبادة الجماعية”
إلى جانب مسألة التحالفات الداخلية، برزت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بوصفها محوراً رئيسياً للتباين في مواقف المترشحين، ولا سيما بشأن استخدام مصطلح “الإبادة الجماعية” لوصف العمليات العسكرية الإسرائيلية وما خلفته من دمار وخسائر بشرية.
برزت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بوصفها محوراً رئيسياً للتباين في مواقف المترشحين، ولا سيما بشأن استخدام مصطلح “الإبادة الجماعية” لوصف العمليات العسكرية الإسرائيلية وما خلفته من دمار وخسائر بشرية
فقد دافع أوليفييه فور وسيغولين رويال عن استخدام المصطلح، معتبرين أن المسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي تسمية ما يجري بوضوح، وعدم انتظار انتهاء الحرب أو صدور أحكام قضائية نهائية قبل اتخاذ موقف سياسي.
شدد فور على أن دور القيادة السياسية لا يقتصر على توصيف الأحداث بعد وقوعها، بل يشمل التحذير من الجرائم ومنع استمرارها. كما أيدت رويال هذا التوجه، معتبرة أن الحديث عن أهمية الكلمات ينبغي أن يقترن بالاعتراف بما يجري في غزة، وفق موقفها المعلن خلال الحملة.
في المقابل، رفض رافاييل غلوكسمان وجيروم غيدج استخدام مصطلح “الإبادة الجماعية” باعتباره توصيفاً قانونياً شديد الخطورة لا ينبغي اعتماده، من وجهة نظرهما، قبل أن تحسم الجهات القضائية الدولية المسألة.
وأشار غلوكسمان إلى أن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ركز على اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وليس على توصيف الحرب بأنها إبادة جماعية.
بدوره، أكد غيدج أنه يفضل استخدام المصطلحات التي تستند إلى توصيفات قضائية، محذراً من أن توظيف كلمة “الإبادة الجماعية” في الخطاب السياسي قد يؤدي إلى مزيد من الاستقطاب، كما قد يثير مقارنات تاريخية بالغة الحساسية تتعلق بالنازية ومصير إسرائيل.
أما إيمانويل موريل، فقد اتخذ موقفاً أكثر تحفظاً في المناظرات، مستخدماً تعبير “المجزرة” بدلاً من تبني مصطلح الإبادة الجماعية بصورة مباشرة. لكنه أوضح لاحقاً أن هناك، في تقديره، نية إبادة جماعية في غزة، محذراً في الوقت نفسه مما وصفه بالتركيز المفرط على المصطلحات، إذا كان ذلك سيؤدي إلى إقصاء الخصوم السياسيين أو تحويل النقاش من الإجراءات العملية المطلوبة إلى خلافات لغوية.
رغم حدة الخلافات بشأن التوصيفات القانونية والسياسية، فإن المرشحين يتقاربون في عدد من المقترحات المتعلقة بإنهاء الحرب، من بينها الدعوة إلى تعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، ودعم معسكر السلام داخل إسرائيل، والعمل على استئناف المفاوضات بهدف التوصل إلى حل الدولتين، بما يتيح إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل في إطار سلام مستدام.
في ضوء التباين الكبير في المواقف بين المترشحين، فإن التحدي الأكبر لن يقتصر على الفوز بالانتخابات التمهيدية، بل سيمتد إلى قدرة المرشحين على تجاوز الخلافات العميقة التي ظهرت خلال الحملة والمناظرات، والالتزام بدعم الفائز. فعلى الرغم من توقيع المترشحين ميثاقاً ينص على احترام نتيجة الانتخابات والتجمع خلف الفائز، فإن عدداً منهم تجنب تقديم تعهدات سياسية قاطعة بهذا الشأن، مكتفياً بالإشارة إلى الالتزامات الواردة في الميثاق.