مع كل بداية فصل دراسي جديد، لا بد لموضوع الذكاء الاصطناعي أن يأخذ حيزه من المحاضرات الأولى فيما أنا أنبه الطلبة على ضرورة الحد من استخدامه، وعلى حقيقة أن النقل منه يدخل حثيثاً في باب السرقة الأدبية مهما غيّر الطلبة في الكلمات أو بدلوا في صياغة الجمل. من هذا المنطلق، يعتبر معظم الإنتاج البشري الحالي والمعتمد تماماً على الذكاء الاصطناعي سرقة أدبية وعلمية وفنية، خصوصاً أن الاستعانة بهذا الذكاء لا تُذكر ولا تُوثق. تحاول المؤسسات التعليمية والجامعات أن تكتشف باستمرارالإنتاج المستعين بالذكاء الاصطناعي، فتسابق هذ الذكاء في إنتاج برامج تستطيع أن تكشفه، وهو السباق الذي يبدو أن هذه الجامعات لن تربحه أمام قوة إنتاج الذكاء الاصطناعي وسرعته وسهولة السرقة منه. محاربة الذكاء الاصطناعي حرب خاسرة للبشر ولفكرة الأمانة العلمية، والاستسلام للذكاء الاصطناعي استسلام خاسر قاتل سيقضي على البشرية بلا شك. لا يبدو أن هناك مخرجاً من هذه الدائرة المرعبة.
أحكي كثيراً للطلبة عن أهمية إنتاجهم البشري، وذلك ليس فقط محافظة على مبادئ تجريدية مثل الأمانة وحفظ الحقوق، ولكن كذلك تمسكاً بمفاهيم بقائية ستساعد جنسنا البشري على الاستمرار. الاعتماد التام على الذكاء الاصطناعي سيضعف العقل الذي سيستريح تماماً من أي مجهود أو عمل تاركاً الإنتاج كله للذكاء الاصطناعي، ما سيحيله إلى ضعف يتجه به ضموراً نحو الاختفاء، مصيره في ذلك مصير أي عضلة في الجسم لا يستخدمها الإنسان. فناؤنا لن يكون دموياً حربياً جباراً بطولياً، كما يتمثل في الأفلام الهوليوودية، فناؤنا سيكون مسكيناً مخجلاً بطيء الإيقاع، حيث سيقتلنا ضمور فكري يحيلنا إلى حالة من البلاهة لا عودة منها. أحاول دوماً أن أستخدم ألفاظاً واضحة، وأحياناً مخيفة، تنبيهاً للطلبة على الضرورة الملحة لاستخدام العقل، لإنعاشه من خلال مهارات القراءة والكتابة والتفكير. أذكرهم بأهمية عدم تسليم العقل للآلة، بألا نستسلم لها بطريقة إلى درجة تعرينا من كل مهاراتنا وتحيلنا تحت رحمتها غير الموجودة أصلاً. اقرأوا أقل القليل، أترجاهم، حاولوا أن تكتبوا بعض الشيء، لا تسألوا الذكاء الاصطناعي ليحلل لكم الشعر أو الرواية، فكروا للحظة في الأعمال التي نقرأها، قرروا لأنفسكم، اختبروا هذه البهجة الروحانية لاكتشاف النص، لسبر أغواره، للالتئام مع كاتبه عودة بالزمن عشرات أو مئات وأحياناً آلاف السنوات. لا تضيعوا هذه الفرصة، أسترحمهم بي وبأنفسهم، إلا أن الآلة الجبارة تغلبني وتغلبهم كل مرة.
في حوار قريب مع بداية هذا الفصل الدراسي، أعدت وأنا مرهقة ومكلومة ومتكررة الهزائم، ذات «المونولوج» بتعب وفتور أحال هذا الخطاب إلى قطعة خبز باردة مغمسة بالماء بالكاد كنت قادرة على أن ألوكها. وقد زدت في هذا الفصل بأن أخبرت طلبتي، في لحظة ضعف لا أحب أن أظهرها كما لا أحب أن أثقل عليهم بدكانتها ووجودية معناها، أنه بات من الصعب استنباط معنى للحياة في ظل غياب الجهد البشري الذي يعطي للعمل واللحظة معنى. وفيما أنا أتخبط بكلماتي تلك، كان عقلي يدور في رحى أسئلته غير المعلنة: أي قيمة للتدريس في المؤسسات التعليمية وإعطاء الواجبات والاختبارات، إذا كانت كلها متخفية تحت هذا الذكاء الاصطناعي، إذا باتت كلها مسلمة، رافعة الراية البيضاء أمام خدماته المريحة الشاملة؟ وفيما أنا أدور بين خارجي الحزين بكلماته وداخلي المستشيط بأسئلته، وكما الشعلة المتسللة بين الكثير من جليد الشمع، اعتدلت هذه الشابة على مقعدها، ورتبت غطاء رأسها الأنيق حول رقبتها، وأسرعت بالسؤال وكأنه يخرج رغماً عنها: إذن، ما معنى الحياة؟ وماذا سيحدث لنا لو لم نستطع أن نستعيد المعنى أو نخلقه؟ ماذا سيكون مصيرنا؟
كانت هذه الشابة حقيقية القلق، وكُنت أنا بالغة السعادة، فتلك كانت لحظة نادرة أرى فيها انفعالاً أو تفاعلاً حقيقياً وليس استعجالاً للمعلومة والفكرة لإنهاء الدرس ومغادرة الفصل. قلت لها بصدق إنني لا أعرف، إننا نخوض حرب طواحين هواء تحتاج إلى أسلحة مختلفة وأسلوب مختلف. طأطأت برأسها وهي تتصنع كتابة شيء، فيما بدت لي في الحقيقة حانقة على الفكرة التي زرعتها أنا، ثم اعترفت بجهلي في طريقة سقيها ورعايتها. حاولت بكلمات متناثرة أن أخرجها ونفسي من المأزق الذي صنعته، مأزق ما تصورت حدوثه بما أن الاستماع أصبح إحدى المهارات الغائبة كذلك، لكنها كانت تستمع وكانت تفكر وتحلل وكانت تنتظر أن أضع خاتمة لبداية مؤلمة، وكنت أنا تائهة في متاهة حل غير موجود.
قلت لها بحماسة مصطنعة، ماذا لو حاولنا أن نصنع المعنى في اللحظة، أن نصر على أن تكون هناك قيمة إنسانية حقيقية لكل فعل نقوم به، وكان «مونولوج» مطول يدور في رأسي بصمت: ماذا لو أنكم بدلاً من السعي للحصول على شهادة في تخصص صوري لم تتعمقوا حقيقة فيه، لتقدِّموا على وظيفة تقليدية لا تغني ولا تسمن الطموح والآمال والأحلام، لتُقدِموا على زواج باهت ليس فيه روح الشراكة الحقيقية، لتنجبوا أبناء يسيرون على الخطة ذاتها، خطة أغنى المكاسب بأسرع الطرق، فيدرسون معلومات لن يفهموها، ويتخرجون إلى وظيفة لن يحبوها، ويدخلون في زواج لا يتحمسون له، فينجبون أطفالاً يسيرون على الخطة ذاتها، إلى أن تأكلنا هذه الخطة الباهتة القاتلة المتكررة وتفتك بأرواحنا. ماذا لو أنكم، كنت أتمنى أن أقول، اخترتم الطريق الأصعب، وقررتم صناعة معنى من خلال اجتهاد حقيقي وقرار إنساني عقلي وحب وشوق لصنع الحياة بأياديكم وعقولكم لا بالآلات الساعية لأن تحولنا إلى نسخ منها؟ ماذا لو أنكم قررتم اليوم، في هذه الساعة، وفي هذه القاعة من جامعتنا العريقة أن تأخذوا هذا الطريق المهجور، غير المعبد، وغير واضح النهاية؟ ماذا لو قررتم أن تخوضوا المغامرة بكل حواسكم وتعيشوها بلا رتابة الأمان المزيف؟ لكنني لم أقل، وطالبتي لم ترد على جملتي القصيرة الكئيبة التي بدت غاية في الكليشيهية. ومع نهاية الساعة الدراسية، وفيما نحن نغادر القاعة، ظهرت هواتفنا في أيادينا جميعاً، كلنا ننظر لشاشاتها بشوق واهتمام. لربما يسأل الطلبة «شات جي بي تي» الآن: ماذا سيحدث للبشرية لو اعتمدنا عليك بشكل كامل؟