الشاعر السوداني عفيف إسماعيل: بالكتابة أحاول التعافي والنجاة



حاوره: الصّادق الرضي

عفيف إسماعيل شاعرٌ وكاتبٌ مسرحيّ، من مواليد مدينة الحَصَاحِيصَا- السُّودان، مقيم في أستراليا منذ 2003، صدرت له عدة أعمال شعرية، كما صدر له خارج الشعر: «مسامرة وراء المحيط»، «مثلما ينام الضوء بعيدا» (منمنمات حكائية)، «نثرات من عطر الغائبين»، ترجمت أعماله الشعرية والمسرحية إلى الإنكليزية ولغات أخرى، من ضمنها مسرحيات كتبت خصيصا للأطفال، نشرت أعماله أيضا في عدد من الأنثلوجيات بالعربية والإنكليزية؛ شارك إسماعيل في مهرجانات مسرحية وشعرية عديدة، وحصل على جوائز من بينها: جائزة ناجي النعمان الأدبية، لبنان 2015 وجائزة تطوير المسرح في غرب أستراليا عن مسرحية «أكفان أو أموات» 2009.
يزور لندن ضمن جولة شملت مدنا أوروبية ودولا أخرى، لتدشين كتابه الجديد (الأعمال الشعرية) الذي يتضمن سبع مجموعات هي: «فِخَاخٌ.. وثَمَّة أَثَر، رِهَانُ الصّلصَال، ممر إلى رائحة الخفاء، إنه طائرك، هناك حيث تنام العاصفة بلا غطاء، ما تعلمناه من الأجنحة، النهر اسم آخر لها»؛ ومقدمة كتبها الناقد هاشم ميرغني، حيث تستضيفه مجموعة (أجندة مفتوحة)، مساء الجمعة 9 أكتوبر/ تشرين الأول، في قراءات شعرية وحوار حول تجربته الإبداعية. تحدث إلى «القدس العربي» حول عدة محاور في هذه المقابلة.
*منذ «فخاخ وثمة أثر» الكتاب الأول وحتى «النهر اسم آخر لها» الكتاب الأخير، هل لا تزال القصيدة طفلة اللغة المدللة، والشعر قلبها النابض؟ وفي البال تحولات كثيرة شهدتها سوح الإبداع الأدبي مجملاً؟
ـ الخصائص الجينية لهذه الطفلة المدللة لم تحدث فيها تحولات صارمة تلجم لهوها المجيد، بل هناك طفرات حدثت على مستوى الشقاوة لهذه الطفلة التي تراقص ضفائرها الريح في عبورها من الذهنية كظرفية طارئة للعبور من حال إلى حال تتخفف من بعض الأعباء، وتلتقط أحمالاً أخرى، لقد تعقد ما تراه المرايا، وتلك الفخاخ تكاثرت حتى بلغت ما بين الأرض والسماء في ظل واقع متشابك التنازعات مثلاً، الحرب الماثلة في السودان التي أشعلتها قوى الظلام منذ أبريل/نيسان 2023، لوأد ثورة السودان الديسمبرية الفتية، جعلت اللغة تنبض بالنزيف الداخلي المعلن، لتعادل جراحاً أثقلت جسد أمة حاولت النهوض أكثر من مرة نحو غد أفضل.

*المهجر أو المنفى، تجربة عايشتها شاعراً، مرورا بمصر أولاً ثم أستراليا، الشاعر في المنفى تجربة تخصك وتخص آخرين وأخريات أيضا، كيف تبدَّت في مرآتك الشخصية؟
ـ تطاولت بي السنوات نحو ربع قرن من الزمان منذ الخروج القسري بسبب صناع الظلام والجهل والتقتيل في السودان، الذين حولوا الوطن من دوحة ظليلة إلى هجير لا يحتمل، وجعلوا الغربة تدب بين مسامه مثل الغرغرينا في كل لحظة، فطاولت (الغربات) الذاتية والعامة فكان اللجوء إلى مصر، التي كانت قاهرتها رحيمة في ذاك الوقت، خففت الكثير من الأوجاع الجسدية والنفسية، ورتبت تجدد الأسئلة باتجاه بوصلة واقع معولم، فيه نهم آخر يحاول بنعومة سرقة العمر، بصعوبات الحياة اليومية في كدحها المبين لتوطين بذرتها في أراضي جديدة، من حسن الحظ كان هناك مركز الدراسات السودانية، الذي كان يديره الراحل حيدر إبراهيم بمهارة ربان يعرف ماذا تخبئ الريح في الجهات، فنهلت من معارفه اللامحدودة من خلال العمل إلى جواره كمحرر في المركز طيلة وجودي في القاهرة، وتلك حظوة نادرة أتت في التوقيت المناسب لي، ومن كتاب تجاربه الحياتية والفكرية الثرة تعلمت منه، بلا وعظ منفر كيفية التعامل مع أهمية الزمن بجدية أكثر وإنفاقه في ما يفيد وينمّي مشروعي الإبداعي؛ في القاهرة كانت هناك ورشة الزيتون الأدبية التي يشرف عليها الكاتب والباحث شعبان يوسف، أضافت لي ملمحاً مهماً في تجارب التجسير الثقافي بين الشعوب بعيداً عن مصالح الحكومات الضيقة، وأضافت إلى معارفي في التخطيط الثقافي الذي ظللت أمارسه في العمل العام منذ بدايات معارفي في مدينتي الحصاحيصا في وسط السودان.
ومن خلال هموم التخطيط الثقافي مع العديد من الصديقات والأصدقاء أنشأنا منتدى شموس الثقافي، الذي لعب دوراً ثقافية وسياسياً واجتماعية ونفسياً مهماً في حياة السودانيات والسودانيين، ما قبل خطوات بداية الشتات الكبير في رحلة اللجوء وإعادة التوطين؛ أيضاً كان في القاهرة مركز النديم للتأهيل النفسي لضحايا التعذيب، الذي عالج الآثار المضنية للاكتئاب من قهر سجون وزنازين نظام الدولة الإسلاموية التي مارست عسفها الممنهج في التعذيب عليّ وعلى الكثير من المبدعات والمبدعين، بلطف رؤوم بلسم فريق مركز النديم جراح الروح الغائرة حتى التعافي، ومهد خطوتي لأرض الكنغر، في استراليا تبلورت الخبرات السابقة في التخطيط الثقافي، إلى جانب مشروعي الشعري الذي وجد أرضاً خصبة صالحة للنمو بما توفر من شروط حياة إنسانية تحترم حقوق الإنسان، كانت وما زالت استراليا رحيمة بي، أربي بهدوء أحلامي وأهش أمامي بغير وجل وأجد الدعم من الدولة في كل الجولات الخارجية لتمثيلها. أما عن الغربات الوجودية تلك هي داء الروح القلقة العصية على الهدهدة، لكن بالكتابة أحاول التعافي والنجاة، بالتأمل في رحلة التأقلم والاندماج في مجتمع جديد فيه العديد من الفخاخ المنصوبة، فقط أحاول ما أمكن أن أحافظ على طفولتي في مواجهة العالم.

*الشاعر مترجما للغة أخرى- أكثر من لغة، حدثنا عن أثر فعالية الترجمة الشعرية من واقع تجربتك؟
ـ لأهمية الاندماج في مجتمع جديد لا بد من الترجمة كجسر ثقافي لتوطين نصي الشعري في ثقافة جديدة، وفي لغة جديدة مثلما قال الكاتب الصحافي والروائي الإيطالي إيتالو كالفينو، «لولا الترجمة لبقيت مقيدا في حدود بلدي. فالمترجم هو حليفي الأهم، لأنه يقدمني إلى العالم»، كذلك الترجمة أعطت لحروفي أجنحة وهزمت المسافات وعزلة المكان، تمت ترجمة مجموعتي الشعرية «رهان الصلصال» في القاهرة بواسطة عايدة سيف الدولة وكان هذا أحد المفاتيح السحرية لبداية خطواتي في استراليا للتعريف بشعري، ثم بعد ذلك ومن خلال ورشة التخليق الإبداعي المستمرة بيني وبين الشاعرة والممثلة والمخرجة البريطانية- الاسترالية فيفيان غلانص، تم تخليق نصوصي في اللغة الإنكليزية، ثم طارت بأجنحتها إلى لغات أخرى.
*بمناسبة صدور الأعمال الشعرية الكاملة، ماذا عن المغامرات الشعرية خارج متن النصوص الموثقة في الكتب، الإشارة هنا لمساهماتك في كتابة كلمات الأغنيات، ولك سهم هنا موثق بأصوات من أجيال ومجموعات غنائية عديدة.
ـ نشأت في بيئة تحتفي بالغناء وهو مكون أساسي لوجداني، ثلاثة من أخوالي مغنين، مصحوبة بدندنات الوالدة الآسرة من خلال اشغالها اليومية كانت دوزنة مستمرة لعصب طفولتي، إلى جانب إذاعة «هنا أم درمان» التي كانت تسرب نبض الأغنيات في أوقات كثيرة خلال اليوم وذاك ما التقطته مخيلة شاعر الشعب محجوب شريف، الذي يغترف من المشهدية الحياتية اليومية ويحولها بجزيل حروف لتعيش في فضاء من البريق الذي لا يخبو عندما كتب في نصه الموسوم «أوعك تخاف»: «عند المغيرب رادي/ بغ بِنْ المزاج/ يدخل من النفَّاج عليك «عثمان حسين»/ يا عُشرة الأيام تمام/ أهو دا الكلام»؛ آتت هذه المحاولات لكتابة نصوص غنائية بالعامية السودانية في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي كضرورة فنية من خلال النصوص المسرحية التي كتبتها للفرقة المسرحية لاتحاد الشباب السوداني. وكنت أمارس نزوة كتابة الأغنيات في فترات متباعدة، حين وجد الملحن أحمد عدلان بعض هذه النصوص فوضع لها ألحاناً وتغنى بها الفنان مهدي الأمين في بدايات التسعينيات في الحصاحيصا. عندما تلمسنا أنا والمخرج والممثل معتصم سيد أحمد النص القصصي «ليلة الكروان» للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز، أعددناه معاً لمجموعة الجمام المسرحية، أيضاً الضرورة الفنية للمعالجة المسرحية أدت إلى أن أكتب أغنية «نحنا العصافير» التي لحنها الموسيقار شريف شرحبيل وتغنت بها لاحقا في أستراليا الفنانة ياسمين إبراهيم. أما الموسيقي الراحل ربيع عبد الماجد فانتخب عدة نصوص من المجموعات الشعرية المنشورة، تغنى بأغنيتين باللهجة العامية «الهجام ويا خرطوم ثوري»، و»يا خرطوم ثوري» كُتبت في الأصل لمجموعة «حتى نعود» الغنائية في 2011، ولحنتها المغنية نازك عثمان ضمن أغنيات أخرى؛ أما الفنان النذير السر في القاهرة فلحّن أغنية لي بعنوان «زمنك»، وفي أستراليا في عام 2015 وضع خالد قباني لحناً لأغنية «جناح وضريح».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *