هل تعيد حرب اليمن رسم خرائط الأمن الإقليمي؟


مع اتساع المعارك على المدن والمرتفعات والموانئ اليمنية، واشتدادها في الساحل الغربي وتعز ومحافظات أخرى، بالتزامن مع تصاعد هجمات الحوثيين الأخيرة على المطارات السعودية، دخلت الحرب اليمنية طورا جديدا يجعلها أقرب لـ»اللعبة الكبرى» التي كانت تطلق على بعض الصراعات الدولية الشائكة في القرن الماضي.
في يوم واحد دخل عنصران مستجدان كبيران يكشفان عن ملامح تحولات إقليمية تتجاوز الجغرافيا اليمنية: إعلان تركيا بحث نشر قوات وقدرات عسكرية في السعودية ضمن ترتيبات «حلف مكة»، وتداول معلومات عن احتمال مساهمة عسكرية سورية في مواجهة الحوثيين. يشير دخول العنصران الجديدان إلى أن الحرب أصبحت اختبارا للتحالفات الجديدة المتشكلة، وللأدوار التي تسعى دول المنطقة للعبها في نظام أمني إقليمي لم تتضح معالمه بعد.
بعد استيلاء الحوثيين على صنعاء عام 2014 قادت الرياض تحالفا عسكريا لإعادة الحكومة الشرعية في اليمن عام 2015، وهو تحالف شهد انقساما واضحا بين السعودية والإمارات، وهو أمر فاقمته لاحقا الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران والتي خلقت تحديات كبرى لدول الخليج، والسعودية على وجه الخصوص، التي وجدت نفسها أمام ضرورة توسيع تحالف دفاعي لحماية أراضيها ومنشآتها الحيوية، وهو أمر أكّده إحجام الولايات المتحدة، هذه المرة، عن ردع الحوثيين أو التدخّل ضدهم.
لم يؤد إعلان التحالف الموسّع في مكة في 7 آب/ أغسطس الماضي إلى تغيّر في الوضع اليمني، وربّما ساهم إعلانه في انتقال التصعيد إلى ذرى جديدة، فرغم التفوق العسكري التقليدي للسعودية، وقدرة القوات الموالية للحكومة اليمنية من استعادة مواقع استراتيجية، فإن قدرات الحوثيين على تعطيل المطارات وتهديد منشآت الطاقة والملاحة السعودية عبر القصف الصاروخي والمسيّرات لم تتأثر بل زادت خطورة.
رفعت الحرب الأمريكية على إيران الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر بوصفه بديلا لصادرات الطاقة والتجارة السعودية والعالمية، وإذا تمكن الحوثيون من تهديد هذا الممر، بالتزامن مع تواصل ضربهم للأهداف داخل السعودية، فإن الكلفة الاقتصادية والأمنية للحرب معهم قد تتجاوز بكثير مساحة الأراضي التي يسيطرون عليها أو يزاحون منها، وبذلك تنتقل المعادلة من قدرة السيطرة على الممرات إلى القدرة على ضمان استمرار استخدامها.
يكتسب تفعيل «حلف مكة» بين السعودية وتركيا وباكستان دلالة تتجاوز الدعم العسكري العاجل، فالتحالف يحاول أن يجيب على أسئلة استراتيجية أكبر حتى من مسألة الحوثيين، رغم الضرر الهائل الذي يتسببون به للمملكة، وتتركز هذه الأسئلة على إمكانية بناء منظومة دفاع جماعي تشارك فيها قوى إقليمية كبرى تقوم بملء الفراغ الذي شكّله الفشل الأمريكي في الدفاع عن دول الخليج، والذي يتعزّز باتجاه متزايد للانسحاب من المنطقة، ومن القواعد العسكرية، والذي كان الانسحاب من العراق أحد أمثلته الكاشفة. لا يعني ذلك، بالطبع، خروج واشنطن من معادلة الأمن الخليجي، أو أمن البحار عموما، الذي هو أحد عناصر كونها القوة العظمى في العالم، بل يعني أن المعادلة أخذت تنتقل من الاعتماد الحصريّ على القوة الأمريكية إلى شبكة أوسع من الشراكات العسكرية.
يبين الموقف التركي حدود هذا التحول، فأنقرة التي تمتلك أحد أكبر جيوش المنطقة، أكدت بلسان وزير خارجيتها هاكان فيدان، أمس، الطابع الدفاعي للحلف، وربطت مساهمتها بحماية السعودية وتطوير قدراتها الدفاعية، وليس خوض حرب هجومية في اليمن، ساعية بذلك إلى توسيع نفوذها الأمني من دون تحمل أعباء الانخراط المباشر في حرب استنزاف دموية، وإلى ترسيخ موقعها كشريك في صياغة الترتيبات الأمنية الخليجية.
من جهة أخرى، تطرح التقارير التي تحدثت عن بحث إرسال قوات سورية إلى السعودية أو اليمن تساؤلات عن طبيعة الدور الإقليمي الذي تحاول السلطة السورية الجديدة استكشافه، كما تكشف عن مفارقة. فسوريا المدمّرة بعد الحرب، والهشة اقتصاديا، والتي لم تستكمل بناء جيشها ومؤسساتها بعد، تظهر في التقارير المتداولة بوصفها مصدرا محتملا لتوظيف الخبرات العسكرية. صحيح أن هذه الخبرات فاجأت العالم في كانون أول/ ديسمبر 2024 بإسقاط نظام وحشي قاتل لمدة 14 عاما خلال 11 يوما، إلا أن هذا لا ينفي كونها دولة تحتاج إلى الدعم وإعادة الإعمار على كافة الصعد. وإذا ثبت هذا التوجّه فسيطرح أسئلة تتعلّق بأولويات دمشق، وطبيعة التشكيلات العسكرية التي سيتم ارسالها، وحدود الالتزامات تجاه الحلفاء الجدد.
توجّه التحالفات الإقليمية العربية – الإسلامية نحو اليمن، لم يمنع «صفارات الإنذار» الإسرائيلية من الانطلاق، سواء في تصعيد التحديات المتكررة ضد سوريا، ولبنان، وفلسطين، أو عبر تكثيف أنماط التحالف العسكري مع اليونان وقبرص، وكذلك في تحركات تل أبيب في افريقيا، وهو أمر لا يغيّر الأولويات الإقليمية ولكنه يعيد جدولتها فحسب.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *