«الخبيئة»… مقتنيات خاصة تستعيد جانبا من ذاكرة التشكيل المصري


القاهرة ـ «القدس العربي» : يُقام حالياً في غاليري (ضي) في القاهرة معرض بعنوان «الخبيئة» وهو مجموعة من المقتنيات الشخصية للفنان رضا خليل، الذي يذكر في التعريف بالمعرض والأعمال المعروضة، أنها حصيلة سنوات طويلة من الاهتمام بجمع الأعمال الفنية، سواء المُهداة إلى الفنان، أو الذي يسعى طيلة سنواته إلى الشراء والاقتناء من المزادات والأسواق، فهناك البعض من الفنانين أهداه في بداية مشواره الفني العديد من الأعمال، سواء له أو لغيره من الأصدقاء الفنانين. ويذكر خليل قائلاً.. «صديقي النحات العظيم ميشيل جرجس كنتُ مبهوراً برسومه بأقلام الكونتيه. كان تقريباً في السبعين من عمره، وكنتُ على مشارف العشرين. وعندما علم بإقامة معرضي الأول أهداني مجموعة كبيرة له ولفنانين آخرين، قال لي يومها.. تلك الرسوم لي ولأصدقائي، كنا في مثل سنك تقريباً، فهي هدية لك، فأنت المستقبل ونحن الماضي».

لمحات من تاريخ الفن
بالنظر إلى أسماء أصحاب اللوحات، والموضوعات التي كان يشغلهم وقتها التعبير عنها، نحاول أن نتلمّس رسم خريطة لجزء من تاريخ الفن المصري الحديث. فمن هذه الاسماء نذكر.. مفيدة شعبان، طه حسين، كامل غندر، محسن ميتو، عصمت الشايب، زهران سلامة، خواكينا شهدي، وعزت إبراهيم، إضافة إلى العديد من الفنانين الأكثرة شهرة وتداولاً في عالم الفن التشكيلي المصري، أمثال جاذبية سرّي، تحية حليم، جمال قطب، عبد الوهاب مرسي، ناجي شاكر، جورج البهجوري، سمير رافع، صلاح طاهر، ومصطفى الفقي. هؤلاء يمثلون مدارس فنية ووجهات نظر مختلفة للفن، من حيث الحِرفة والتوظيف، وطبيعة الموضوعات التي كانت تشغلهم وقتها، ويشغلهم كيفية التعبير عنها.

الجسد والطبيعة
العديد من الأعمال يبدو من خلالها الفنان أنه يريد اختلاق حالة من التوازن بين ما يتعلمه، وما يراه نموذجاً ــ النموذج الغربي بالأساس ــ وما يحاول أن ينفيه عن نفسه من حالة الاغتراب هذه، بأن يجعل من الطبيعة المصرية أو الجسد المصري ــ نساء مصريات ــ موضوعاً للوحاته. كما في أعمال عزت إبراهيم وصبري عبد الغني، حيث الاحتفاء بالجسد الأنثوي، ومحاولة تجسيده في مختلف لحظاته. من ناحية أخرى نجد فكرة الطبيعة ــ صامتة أو حيّة ــ كما عند محسن ميتو، مفيدة شعبان، وخواكينا شهدي، حيث البيئة المصرية وتفاصيلها، ولكنها أيضاً كانت لم تزل وكأنها لوحات من وجهة نظر فناني الاستشراق، وهي مسألة مهمة في أعمال الأجيال السابقة، فقواعد الحِرفة ووجهة النظر الفنية، لم تكن تستطيع تجاوز معايير الفن الغربي وجمالياته.

البيئة المصرية
على النقيض من هؤلاء نجد الفنان كامل غندر (1923 ــ 2012) المولود في محافظة بور سعيد، الذي أجاد التعبير من خلال التصوير المائي عن المقاهي والحواري والأسواق والعمال وعازفي الرباب. هذه الأجواء الشعبية يتم التعبير عنها في تلقائية مدروسة. والأمر ليس لغزاً، ولكن لكونه لم يدرس دراسة أكاديمية، بل تعلَّم ذاتياً، ونال قسطاً من تعلُّم الفن من خلال دورات الدراسات الحرّة. وهو جدير بدراسة منفصلة عن عالمه وأسلوبه الفني.
التطور الذي حدث أيضاً في الفن التشكيلي المصري، وكيفية التعبير عن بيئة مصرية خالصة، من خلال عين مصرية، نجده في أعمال ناجي شاكر ومصطفى الفقي، رغم اختلاف الأسلوب والتقنية، إلا أن (الناس العادية) هم مَن يشغلون مخيلات كل منهما، وكذا موضوعات تهتم بالفرد وعالمه، حتى ولو كان تمثيلاً لجماعة أو فئة ينتمي إليها.

الشعب الساخر
لم ينس المعرض استعراض بعض الأعمال الكاريكاتيرية، التي تعبّر عن الروح المصرية المعروفة بالسخرية من كل شيء، حتى من نفسها، مثل أعمال سانتس، طوغان، جورج بهجوري ومصطفى حسين. ويبدو أن أعمال الكاريكاتير في الفن المصري تحتاج بدورها إلى دراسة منفصلة، حيث التباين الشديد في مدى الحرية عند تناول موضوعات وقضايا آنية ــ وقتها ــ فاللوحات تُعد تأريخاً غير رسمي، بل الحرية التي كان يتمتع بها فنان ما قبل انقلاب يوليو/تموز 1952 لن توجد بعد ذلك، ففنان الكاريكاتير أصبح يسخر كمتنفس للشعب، لا كمعارض، بمعنى أنه يعمل لصالح السلطة السياسية في المقام الأول، ومصطفى حسين خير مثال على هذه الحالة.

 



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *